بعد عودتنا من بانكوك لم تبقَ أمي سوى أيام معدودة، بعد أن رحلتْ عاد لي شعور الوحدة بكل قسوة، وجودها كان بلسماً يداوي هذا الشعور، خاصة أنها كوّنت علاقات طيبة مع صديقاتي. وبالطبع، بعد رحيل والدتي، رجعت ريما لعادتها القديمة وعادت الوحدة تشاطرني ساعات يومي الطويلة!
طلبت مقابلة مدير الشركة، خاصة أن شعوري بالظلم بسبب إلغاء ترقيتي ازداد بعد رحيل أمي. بالفعل، تم تحديد موعد لي معه، تأنّقت وذهبت وأنا على يقين بأن ربنا سيُنصفني. استقبال المدير كان لطيفاً جداً واستمع لحديثي كاملاً، ودون أي سؤال رفع سماعة التليفون وطلب من ساليا الحضور لمكتبه. أعجبتني جداً فكرة المواجهة، لعله اعتقد أنني كاذبة أو أنني سأخاف من مواجهة مديري، إنه لا يعرفني جيداً، أنا شرسة جداً أحياناً، تماماً مثل القطط، لعلي كنت قطة في عالَم موازٍ.
حضر ساليا وبُهِتَ عندما رآني في مكتب مدير الشركة وخاصة أن الكل كان يخافه، لدرجة أن البعض كان يختبئ في الحمام عندما يعلم بوجوده في المبنى أو حتى الطائرة، كان شديداً في معاملته ولكني كنت على يقين بأنني أطالب بحقي، لم أكن أخشاه، بالعكس كنت أجده ظريفاً، يجوز لأني رأيته مرة واحدة في المصعد وكان يمازح إحدى الفتيات الثقيلات وزناً قائلاً: كنت أتساءل أين تذهب وجبات الدرجة الأولى والآن عرفت!
سأله عن سبب تنحيتي من ترقيتي، فتعلل ساليا بتأخري، قاطعته بحدة بأن هناك 3 فتيات أخريات تأخرن ولم تُلغَ ترقيتهن! نظر له المدير كأنه لا يعلم ذلك، فقال ساليا: “نعم، ولكن كان لديهن ظروف”. وقاطعته ثانية: “حالتي نفسها!”، ثم وجهت كلامي للمدير قائلة وكانت والدتي معي: “لنستغل فرصة وجودي بالدوحة ولكن تم إعطائي رحلة بانكوك”، شرحت له رفْض ساليا مساعدتي في تغيير رحلتي أيضاً، قال المدير لساليا: “أعد لها ترقيتها وضعْها في دورة تدريب درجة رجال الأعمال التي ستبدأ غداً”. شكرته ورحلت مبتسمة، كم هو جميل أن تدافع عن حقك وأن تناله!
قضيت 10 أيام تدريب على الخدمات الإضافية ومعرفة أنواع جديدة من الأطباق والخمور أيضاً التي يتم تقديمها والتي تختلف تماماً عن الدرجة السياحية، وأيضاً كانت سبباً في عشقي أنواع الجبن المختلفة التي كنا نتدرب على تقديمها مع الفواكه المناسبة.
كنت أقضي الصباح في التدريب والمساء في الكورنيش مع “نجوى” المغربية، فتاة جميلة تتمتع بخفة وأخلاق راقية، مما جعلها الأقرب إلى قلبي، كما أننا نتشاطر حب تذوق الأكلات المختلفة معاً، حيث كانت تسكن في الطابق العلوي من سكننا، وكانت تتفنن في طبخ الأكلات المغربية التي أعشقها، منها طاجن اللحم بالبرقوق، الذي صممتُ أن أتعلمه منها، علمتني أيضاً صنْع الشاي المغربي وكيفية طبخ أكلة “البسطيلة” بالدجاج والتي أنصحكم جميعاً بتجربتها، من لذاذتها كنت بعد أن ننتهي من الأكل، أحمل معي البقية إلى منزلي لأنسفه نسفاً في وقت لاحق.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.