يناير.. الثورة والأكذوبة وأشياء أخرى

قادتني خُطاي لهذا المقهى الراقي بأحد شوارع وسط البلد في العاصمة التي لم أكن من قاطنيها، غير أني أزورها من حين لآخر، جلست على مقعدي المعتاد بجوار إحدى النوافذ، وكان زجاجها مرصعاً بقطرات مطر خفيفة ما لبثت حتى احتالت زخات متتابعة جعلت المارة يركضون من شدة هطولها.

أشرت للعامل حتى يحضر لي فنجاناً من القهوة، وضعت فيه ثلاثة مكعبات سكر، وفي أذني سماعتي وسمحت للموسيقى بأن تلهيني عن أحاديث الزبائن، وهنا اتحد البرد والموسيقى وفنجان القهوة حتى جالت بي في غرف الذاكرة الشتوية، وأحضرت لي الخواطر من كل حدب وصوب.

مع كل رشفة كان يزورني طيف ذكرى عذبة، ولا تتفلت واحدة من مخيلتي حتى تحضر أخرى، فهممت بصيد الخاطر وأمسكت الورقة والقلم وبدأت في التدوين.

“1”

الشوارع فارغة تماماً من المارة، فقد يكمُن سحر الشتاء في أنه يُجبِر أولئك التقليديين الروتينيين على الاختباء خلف المدافئ ويُرقِدهم في فُرشهم الوثيرة، بينما يخلّي بيننا -نحن الحالمين- وبين ذواتنا، يسمح لنا بأن ننفرد بالمدينة هادئة كما لم نعهدها، وبرائحة الماء وقد خالطت ثرى الشوارع فألانت قسوته، تسقط حبّات المطر لا يحول بين سماعك صوت ارتطامها بالأرض ضجيج المركبات ولا نداءات الباعة.

إلا أن سحر شتاء يناير/كانون الثاني قبل ست سنوات كان مختلفاً بالكلية، لم تكن الشوارع فارغة، ولا المدينة هادئة، ولا الناس روتينيين تقليديين، زحف مقدس طاف الأحياء ككرة جليد ما كان يمر بشارع حتى تراه يتمدد، جال يكسو المدينة بالبشر حتى كانوا يومها كفُرشٍ من إستبرق، نسيجها مُتقنٌ متجانسٌ باختلاف ألوانه، لا يقدر على حياكته ولا نسجه صنعة بشرية أو تدبير دنيوي.

فقط معزوفة إلهية تناغمت فيها الأسباب والأقدار لترينا لمحة من جميل تدبيرها، فصار الأمر لي تلقائياً بطريقة مُربكة كفاية حتى لا أدري من أين أتوا هؤلاء ولا كيف كنت معهم؟!

عانقتنا الشوارع يومها عناق العائد من سفر طويل، صدقاً لم نشعر أن المدينة تشتاق لنا كتلك المرة، امتلأ الفضاء بصيحات تلامس السماء السابعة، كلما ارتقت إليها صيحة ألقت لنا حبات المطر كجواب بأن سلامٌ عليكم طبتم وطاب ممشاكم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top