عشرون عاماً بعد الثورة

في شهر فبراير/شباط من عام 2031، عائد هو من إحدى الحفلات التي يحضرها أمثاله من كبار رجال الأعمال بالدولة، حفلة في واحد من أرقى الفنادق الموجودة بالقاهرة، وبحضور عدد مُشرف من حيتان المجتمع، سياسياً واجتماعياً ومادياً، ومثل تلك الحفلات لم تكن لتكتمل بدونه، فهو رجل الأعمال الكبير الذي لا تغفل أذن عن اسمه، ولا تغفل عين عن شكله المحفوظ، على الرغم من أنه لم يكن يحب الظهور كثيراً في وسائل الإعلام، فإنه كان معروفاً جداً، كما يرددون عنه “سمعته سابقاه”، كان -ككثيرين- معروفاً عنه فساده واستغلال علاقاته وأمواله في تسيير أموره ولو على حساب المصالح العامة، لا يخشى عواقب التهاون بمصالح الناس، ولا يخجل من قبول الرشى.

فهكذا تسير حياته، وهو على يقين أنه فوق طائلة القانون بكثير، فلم يكن ساذجاً كي يعرض نفسه لأي نوع من المخاطر، ولهذا الغرض كان له نشاط سياسي معروف في واحد من الأحزاب السياسية، بل إنه كان في وقت ما نائباً في البرلمان، والحقيقة أن علمه بالسياسة لا يزيد عن حدود معرفة رئيس الجمهورية وعدد قليل من الوزراء، فلم تكن له أي ثقافة سياسية ولا ميول نحوها من الأساس، بل إنه في أعماق نفسه كان كارهاً جداً لكل ما يتعلق بالسياسة، لكن ما باليد حيلة فلا بد أن تكون له حصانة تحميه من نيران فساده التي حتماً ستقوم بالتهامه إن لم يكن على دراية جيدة بكيفية ترويضها.

لم يكن كبيراً في السن، بل كان ما زال في مقتبل الأربيعنيات من العمر، وعلى الرغم من ذلك استطاع تحقيق إمبراطورية كبيرة هو حاكمها، لديه من الأموال ما يكفي لتسديد ديون مصر، ولديه من العلاقات والمعارف ما يفوق الجيش المصري عدداً، ولم يكن الأمر سوى مصادفة غيَّرت مجرى حياته تماماً، فهو لم يكن أحد أبناء تلك الأسر الأرستقراطية العريقة، لكن الحياة ابتسمت له يوماً ما، فقرر هو أن يُبقيها مبتسمة له طوال حياته، ولو على حساب المبادئ التي كان يخسرها واحداً تلو الآخر.

كان اليوم قد سمح لسائقه الخاص بإجازة لمدة يوم واحد؛ لأن زوجته كانت تضع مولودهما الثالث، وفي حاجة ماسّة إلى من يرعاها، فاضطر بذلك إلى أن يقود سيارته بنفسه ذهاباً وإياباً من هذا الحفل الضخم. ولم يكن ليغير عاداته في مثل تلك الحفلات، فهو ما إن يدخل إلا ويبدأ في الشرب حتى يغيب عن العالم تماماً، كأنما يهرب دائماً من شيء بداخله، فلم يكن في الحقيقة محباً لتلك الحفلات، ولا يحب من يرتادون عليها، لا يشعر بانتمائه إليهم، لكنه كان دائماً يضطر إلى تلبية الدعوة؛ لأن ذلك سيخدم له مصالح فيما بعد، فلا مجال للرفض، ولذلك كان يحاول أن يبتعد بنفسه عن تلك الأجواء المزدحمة بالنفاق ودخان السجائر الغالية، لم يكن يدّعي أنه مختلف عنهم، أو أنه لا ينافق الكثير مثلهم، لكنه فقط لم يكن مُحباً لتلك الأجواء، لم يكن قد اعتاد عليها رغم مرور الزمن، فالخمر كانت رفيقته الحسناء في مثل تلك المواقف، يظل يتجرع كأساً وراء الأخرى إلى أن يحين إذن الانصراف، فيخرج مترنحاً معتمداً على سائقه المسكين الذي يسنده إلى أن يركب سيارته، لكنه اليوم بلا سائق، وبلا سند.

ركب سيارته وبصعوبة بالغة تمكن من تشغيلها، لم يكن يرى الطريق بوضوح وعقله لم يكن قد عاد من سكرته فلم يتحرك سوى بضعة كيلومترات بسيارته حتى وجد نفسه فوق أحد الأرصفة داهساً شخصاً ما لم يكن تبينه بعد، لاحظ وجود أشخاص كثيرين يجتمعون حول سيارته ويصرخون، وأصوات عالية متداخلة كثيرة كان يجد صعوبة في تمييزها، هو فقط أدرك أنه تسبب في إيذاء أحدهم.

نزل من سيارته بعد أن قاموا بفتح الباب وإجباره على النزول، نظر للشاب بعين تنهكها آثار الخمر، وما إن رآه الشاب ودقق في وجهه المحتشدون حتى تميزت لهم ملامحه وأدركوا مع من يتحدثون، ابتعد البعض وظل الآخرون محدقين في وجهه منتظرين ما سينطق به لسانه بعد هذا الصمت الطويل، لم تكن إصابة الشاب خطيرة لكنه كان مستلقياً على ظهره على الأرض والغضب يرسم خطوطه على كل ملامحه.

“عايز كام؟ أنا معنديش وقت أنقلك لمستشفى، أظن انت عارف أنا مين”، قالها ببرود قاتل محدقاً في عيني الشاب كأنه يلومه أنه قام بتعكير صفو مزاجه في منتصف الليل بعد تجرع هذا العدد البالغ من كؤوس الخمر، فأضاع له تأثيرها في بضع ثوانٍ.

حاول الشاب أن ينهض من مكانه بصعوبة متسنداً على بعض من الواقفين، ونظر في عينيه بتحدٍ أكبر وقال له: “مش عايز حاجة يا باشا، حال البلد دي مش هيتصلح إلا لما نقوم بثورة نشيل بيها اللي ركبونا وسايقين فيها زيكم”، ابتسم رجل الأعمال ابتسامة سخرية ونظر إلى الأرض.

قد كان هذا الرجل الفاسد نفسه يوماً ضمن المحتشدين ضد الظلم والفساد في ميدان التحرير، مرَّ قرابة عشرين عاماً على تلك الثورة التي كان أحد أفرادها، لم يكن صوته لينخفض في وجه الظلم، لم تكن القنابل المُسيلة للدموع أو مدافع الداخلية تثير بداخله أي نوع من أنواع الخوف أو التردد، ظنّ نفسه بطلاً يدافع عن قضية، وأنه حتماً سيربحها مهما طال الزمان، فهو على حق، والأسطورة دائماً ما تقول إن الخير يكسب في النهاية على الشر.

أصيب بطلقات عدة في أماكن متفرقة من جسده، فقد أصدقاؤه أبصارهم من جرّاء الطلقات التي كانت تصوب إليهم، ومات أخوه الوحيد متأثراً بجراحه. لكنه كان في كل مرة يعود للميدان وكله حماس أكثر من ذي قبل، كانوا يثيرون غضبه أكثر وأكثر بفعلاتهم الشنيعة تلك، فلم يكن لأحد أن ينسحب بعد أن بدأت المعركة، فالموت كان أهون عليه من التراجع فقد سلبوه حريته وصوته وقتلوا أخاه الوحيد، فلم يتبق لديه سوى كرامته ليدافع عنها، وليثأر من كل جرائمهم التي لا تحصى.

وفي ليلة وضحاها تغير النظام، وتغير حال البلاد وظن هو وأمثاله من الثوار أنه ربيع عربي بحق، كما أطلقت عليه وسائل الإعلام، لكن الظلم لم يتزحزح عنهم ولو بمقدار خطوة، والظروف سارت من سيئ إلى أسوأ، تم القبض عليه وتعذيبه ثم الإفراج عنه مرات ومرات، فَقَد والديه حسرة على أخيه وعلى ما وصل إليه حالهم، فابتعد عن تلك الدنيا التي لم تكتب له ولثورته سوى الشقاء والمذلة حتى بعد أن ظن أنه قد ربح القضية، ظل مبتعداً عن الدنيا كلها لأعوام كثيرة، لا يرى أحداً ولا يعمل ولا يسمح لشمس بدخول نافذته، استسلم لاكتئاب طويل لم يكن يرى له آخِراً.

وفي نهاية المطاف وجد نفسه بلا إرث يعتمد عليه في تسوية أمور حياته، فاضطر للبحث عن عمل، وتمكن من الحصول على وظيفة في إحدى الشركات، وفي تلك اللحظة قرر أن يكرس حياته في العمل لصالح نفسه ونفسه فقط، فصار يستخدم كفاءته وذكاءه في سبيل الصعود من منصب إلى آخر، حتى وجد نفسه يوماً يمتلك شركة خاصة تحولت إلى إمبراطورية فيما بعد، واستباح كل شيء في سبيل عدم الخسارة مرة أخرى.

ورغم ذلك الثراء كان ما زال يهرب بكل ما أوتي من قوة من تلك الذكريات التي تخبره بحقيقته وبالأحداث التي مر بها، فلم يعد يشعر سوى بالحقد والرغبة في الانتقام من الجميع، وهكذا كان يفعل.

رفع عينيه ببطء ثم حدق في وجه الشاب لبضع ثوانٍ، وقال له بنبرة تحذيرية ساخرة يملؤها الأسى: “العب غيرها، كان غيرك أشطر”، ثم ركب سيارته وانصرف، حزيناً على تلك الخمر التي ضاع تأثيرها هباءً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top