صاحب المطرقة الضخمة (أن تظن نفسك نبياً)

– منتصف 1990، حُكم عليه بالسجن لمدة عام ونصف العام لانتقاده الحكومة!
“أنا كاظم حسن الجبوري عراقي (مسلم شيعي)، أعمل في صيانة الدراجات النارية بعد أن خرجت من السجن بسنوات قليلة، رأيت العمال يقومون بوضع تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس.

والتمثال وساحة الفردوس ليسا بعيديْن عن الحي الذي أعيش فيه، وقلت في نفسي عند رؤية تمثال الطاغية صدام حسين إن أملي في الحياة هو إسقاط هذا التمثال. مر الآن على تلك اللحظة أكثر من 13 عاماً، ما زلت أتذكر ذلك اليوم.

في عام 2003، كان واضحاً أن القوات الأميركية قد سيطرت على العاصمة وهرب صدام حسين، وسقط النظام، أما أنا في تلك اللحظة فأخذت مطرقة ضخمة من مرآب منزلي، وجعلت طريقي إلى ساحة الفردوس.

ضربت التمثال بكل قوة، بكل كراهية، فسقط.. كنت سعيد جداً. اعتقدت أن الأمور الآن سوف تسير في تحسن وأفضل. أما الآن، فنحن نأسف أن صدام حسين قد ولى، بغض النظر عن درجة كرهنا له، هو أعدم الكثير من أقربائي، لكن يبقى أحسن من هؤلاء السياسيين ورجال الدين الذين أوصلوا العراق إلى وضعه الحالي.
شهدت 4 حكومات عراقية منذ سقوط صدام حسين، في النهاية وطن ممزق”.

لا أكتب شهادة كاظم الجبوري من أجل الدفاع عن نظام صدام حسين، هو بالتأكيد مستبد وطاغية، لكن الرجل حامل المطرقة الأشهر في العراق والعالم بعد نشر صورته يتحدث من جانب إنساني بعيد عن السياسة، يتحدث من واقع الحياة والحرب والاحتلال، يتحدث عن أنه ظل يحلم طول السنوات بتحطيم ذلك التمثال وأتيحت له الفرصة لتحقيقه، والآن يشعر بالندم!

كاظم الجبوري يحلم حلماً إنسانياً ووطنياً في تحطيم وسقوط صدام حسين وسقوط ذلك النظام الغني عن التعريف، ومثل كل الأنظمة في المنطقة العربية؛ ديكتاتور مستبد طاغٍ. لكن الأمور صارت إلى أبعد من استبداد صدام حسين، إلى الأسوأ، إلى الدمار والخراب بشكل كامل، وعلى أيدي الاحتلال.. مرت الحرب الطائفية ما بين كل أبناء العراق، مرت ورقم يقول مقتل 655 ألف عراقي منذ عام 2003 رغم القبضة الحديدية للنظام والحكم بالحديد مرة والنار مرة!

كان ذلك على المستوى السياسي والحريات.. أما على المستوى الاجتماعي، فكان الشعب يحصل على قدر من العدالة الاجتماعية، وتبنّى النظام، لسنوات، منظومة تعليمية ومشروعات ثقافية وإنجازات في الاقتصاد والصناعة؛ لكي يبدو في عيون وأذهان المؤيدين أنه نظام مستنير وفي نظر المعارضين أنه ليس بذلك السوء، فهذا ما تفعله الأنظمة المستبدة، تلجأ إلى جراحة التجميل لكي تخفي ولو قليلاً من علامات وملامح وجه الاستبداد القبيح!

– على سبيل المثال لا الحصر (النفط)
والعراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم كثروة وطنية، فمنذ صدور القرار الخاص بتأميم النفط العراقي 1972، وانسحاب كل الشركات الأجنبية من العراق، أصبحت السيادة والقرار وحق التصرف ما بين النهرين، دجلة والفرات، فقط للعراق، وتم تأسيس شركة النفط الوطنية لتصبح المختصة فقط في التعامل مع النفط العراقي، وهي مجموعة من الشركات تتولى التنقيب والتسويق للمشاريع النفطية، فاعتمد بعد ذلك الاقتصاد اعتماداً كلياً على القطاع النفطي، حيث يمثل 95 في المائة من إجمالي دخل العراق.

عززت خطوة التأميم السيادة الكاملة على الثروة النفطية الوطنية، وأتاحت للنظام السيطرة على قرارات الإنتاج والتسويق، ووفرت للاقتصاد العراقي موارد مالية كبيرة، ومكنت الدولة من تنفيذ برنامجها الاقتصادي التنموي. وسعت القيادة السياسية، والمؤسسات النفطية العراقية إلى العمل على تنفيذ الكثير من المشاريع، وأكثرها أهمية إنجاز مشروع الميناء العميق، والخط الاستراتيجي لنقل النفط والغاز بين مدينتي الحديثة والفاو، وأنبوب النفط العراقي-التركي لنقل نفط كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، ومشروع المجمع البتروكيماوي في البصرة، واكتشاف حقول جديدة وتطوير الحقول القائمة.

ولم تقتصر الآثار الإيجابية لتأميم الثروة النفطية على تطوير القطاع النفطي فحسب؛ بل شملت جميع القطاعات الاقتصادية التي شهدت تطوراً كبيراً، وتحسين المستوى المعيشي، وزاد الدعم الحكومي للمواطن بشكل جوهري واضح، ثم يأتي الحصار الاقتصادي وصدر قرار مجلس الأمن “برنامج النفط مقابل الغذاء”، ما يعني السماح للعراق بالحصول على الاحتياجات الإنسانية لشعبه من الغذاء والدواء تحت إشراف الأمم المتحدة مقابل الحصول على جزء محدد من الإنتاج النفطي. في كل تلك السنوات، كان النفط للعراقيين وساهم في بناء العراق وتوفير المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، وأيضاً تخفيف معاناة المواطن العراقي وقت الحصار.

– أما بعد الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين، فبدأ مسلسل النهب والسرقة للنفط
كان بداية الأمر اجتماعات ومفاوضات خاصة ما بين الشركات الأوروبية والحكومة العراقية؛ من أجل عمليات بيع النفط الخام ولأول مرة بعد 1972، ثم كشفت صحيفة نيويورك تايمز النقاب عن أن ما بين 100 إلى 300 ألف برميل نفط تخرج يومياً من دون أن يعود عائدها للخزانة العراقية، وأنه إذا ما افتُرض أن سعر برميل النفط خلال تلك الأعوام كان يبلغ 50 دولاراً، فإن معنى ذلك أن قيمة كميات النفط التي تم تهريبها تتراوح ما بين 5 إلى 15 مليون دولار يومياً.

– الاحتلال رحل وعلينا بناء دولتنا بأيدينا، إلا أن الواقع يقول غير ذلك
ظهر “داعش” في العراق، ووقعت بعض مناطق النفط تحت السيطرة، ليستمر مسلسل ثروات العراق المنهوبة لسنوات. في تقرير معهد بروكينغز الأميركي عام 2014 للدراسات الاستراتيجية بواشنطن، كشف عن عمليات البيع والشراء في السوق السوداء للنفط العراقي تتجاوز الـ90 مليون دولار شهرياً، وأن سعر البيع للبرميل من التنظيم ما بين 20 دولاراً إلى 60 دولاراً مقارنة بأسعار البيع في الأسواق العالمية ما بين 95 دولاراً إلى 105 دولارات، مكاسب البيع مليون دولار يومياً! تلك الأموال بعد أن كنت تذهب إلى أعمال التنمية والإنشاء، أصبحت هي ثمن شراء ملايين من الرصاص لقتل العراقيين.

– التعليم.. كانت السنوات الذهبية 1970- 1984 وكانت البداية مشروع:
• محو الأمية: صدر قانون الحملة الوطنية لمكافحة الأمية الإلزامي، تحت رقم (92) لسنة 1978، الذي أوجب على كل مواطن أمي (ذكر أو أنثى) يتراوح عمره بين (15 – 45) سنة دخول مراكز محو الأمية. وقد شمل البرنامج (2.3) مليون مواطن ومواطنة. وقد نال العراق جائزة منظمة اليونيسكو الدولية الكبرى لمحو الأمية (كروبسكايا) في عام 1979 لجهوده في هذا المجال.

• مجانية التعليم: حقق النظام العراقي أفضل نظام تعليمي وتربوي مجاني، ابتداء من رياض الأطفال، وانتهاء بالتعليم الجامعي العالي، عدا وجود تعليم إلزامي في المرحلة الابتدائية. وأصبح التعليم منذ عام 1974 مجانياً في كل مراحله.

• إلزامية التعليم: صدر قانون التعليم الإلزامي رقم (118) لعام 1976. وألحق بموجبه جميع الأطفال بين (7-10) سنوات بالدراسة الابتدائية.

• التوسع في مجال التعليم الابتدائي: ارتفع العدد الكلي لطلاب المرحلة الابتدائية من 1.01 مليون طالب عام 1968، إلى 1.7 مليون عام 1975 ليبلغ 2.6 مليون تلميذ عام 1978.

• الدراسة الثانوية: ارتفع عدد التلاميذ من 285.7 ألف عام 1968، إلى 487.8 ألف طالب عام 1975، ليرتفع إلى 1.1 مليون تلميذ في المرحلة الثانوية عام 1982.

• الدراسة الجامعية: شهدت زيادة مقاربة للزيادة التي شهدتها الدراسة في المرحلتين الابتدائية والثانوية. وبلغ عدد الجامعات ومؤسسات الدراسة العليا 54 جامعة ومؤسسة انتشرت في أرجاء العراق. وتخرج سنوياً عشرات الآلاف من الاختصاصات المختلفة والآلاف من حملة شهادات الدبلوم العالي، والماجستير والدكتوراه..

كانت نتائج مشروع التعليم مذهلة:
• انخفضت نسبة الأمية بشكل كبير إلى حد أن وُصف العراق بأنه بلد خالٍ من الأمية.

• أصبح العراق في أدنى المعدلات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، المنطقة الأعلى من حيث التسرب من التعليم، فكان التعليم الابتدائي إلزامياً، إضافة إلى المجانية الكاملة من الدولة.

• وكان متوسط الإنفاق الحكومي على التعليم للطالب الواحد 620$، ولكن بدأ مسلسل تدهور التعليم في العراق بعد حرب الخليج الأولى عام 1990 والحصار الاقتصادي.

لكن يبقى الانهيار والسقوط المروع على أيدي قوات الاحتلال الأميركية.. في أبريل/نيسان 2003، يتم تدمير نحو 80 في المائة من المنشآت التعليمية في العراق، ومن ثم انهيار المنظومة التي تعمل منذ سنوات.

ووفقاً لإحصاءات وزارة التربية والتعليم، فقد قتل أكثر من 500 مدرس وجرح الآلاف.
الرسوم تعجيزية على كل المستويات ابتداء من الكليات والمدارس، فبينما كانت الكتب توزع مجاناً، أصبح على الطلبة دفع ثمنها اليوم.

الوضع الأمني متدهور وعمليات القتل وعصابات الخطف التي تطالب بالفدية من الأهل دفعت الكثير من المواطنين لمنع أولادهم وبناتهم من مواصلة التعليم، والآن أصبح لا فائدة من التعليم؛ وطن محتل وأحزاب تتصارع والميليشيات الطائفية تقتل البعض، وأصبح العراق يسير كل يوم إلى الخلف مسيرة الأعوام. ثم حل بالعراق جماعة غربان الخراب.

والآن، لك أن تتخيل الصورة المأساوية للوضع التعليمي. أما الحديث عن باقي القطاعات الاقتصادية والسياسية فحدث ولا حرج، إضافة إلى عمليات الخطف وسرقة وبيع الآثار العراقية ونساء يسردن قصص الحياة المرعبة في ظل العيش تحت سيطرة تنظيم داعش من كل أشكال التعذيب والوحشية. كل ذلك يمر في اليوم ألف مرة في ذاكرة كاظم الجبوري.

هكذا انقلب حلم كاظم الجبوري والملايين من العراقيين إلى كوابيس مزعجة قاتلة.
ومن منطق الكوميديا السوداء في الحديث عن أوضاع المنطقة العربية وعن شعور كاظم الجبوري بالندم والأسف على رحيل نظام ديكتاتوري ورئيس مستبد، هل كان يجب على كاظم الجبوري ألا يحلم بإسقاط ذلك التمثال، ألا يحلم بوطن عادل وشعب يحيا في الحرية في مناخ من السلام والاستقرار بدل حياة الخوف والظلم والاستبداد؟

هل كان يجب عليه أن يعرف أن المنطقة العربية لا تعرف مثل تلك الأفكار والمبادئ والأحلام وأن الشعوب يجب أن تعرف أمراً واحداً فقط هو أن (القناعة كنز لا يفنى) وأن عليك فرض أن ترضى بذلك المستبد والطاغية وذلك التمثال أمام عينيك ليل نهار وألا تمشي وراء أحلام الحرية؛ لأنك في نهاية الأمر سوف تدفع الثمن وبنفس تلك المطرقة الضخمة سوف تنهال بالضرب على رأسك.

هل كان يجب على كاظم الجبوري أن يعرف أنه ليس نبي الله إبراهيم! وأن هدم تماثيل الاستبداد والقمع ليس بأمر سهل، ليس فقط مطرقة ضخمة وإنسان مفتول العضلات يضرب تمثالاً بكل قوة وكراهية ليسقط ويتهشم كله ويتناثر على الأرض.. وتبقى الحيرة ويظل السؤال: هل يجب عليه أن يشعر بالندم والأسف، لأنه فعل الصواب؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top