حين يحاول الفشلة إقناعك بأن الخسارة حتمية وأن العجز مفروض، يختبئون وراء مصطلح “التضحية”، رغم أن لها معنى آخر، في موطن آخر، بمحددات أخرى.
طعم الهزيمة
أفهم أن المعارك خسائر ومكاسب، لكن ما لا أفهمه أن تكون الخسائر مستمرة طوال الرحلة، ويظل الشخوص أنفسهم بطريقتهم نفسها، يديرون المعارك، ويُهدرون خلالها أغلى ما نملك… الإنسان!
صحيفة “العربي الجديد”، ذكرت أن قيادات جماعة الإخوان المسلمين في تركيا وبريطانيا، تعرضت لعملية نصب من رجل أعمال يمني، ضاع فيها 600 مليون ريال، أي قرابة نحو 3 مليارات جنيه مصري، كانت مخصصة لأسر الشهداء والضحايا والمطاردين.
ورغم فداحة الرقم، فإن الخسارة الأكبر كانت فيما لحق بالإنسان، البناء الأول لأي نهضة أو تطور، والذي أُنفقت أعمار في بناء قيمه وأخلاقه وأفكاره ومبادئه، حتى تخرج إلى النور، فتُقتل في مغامرة متعجلة وغير محسوبة لقيادة فاشلة.
وجه ثالث للخسارة، ربما لا يفهمه إلا من تحدث مع الشباب المطارَدين في أصقاع الأرض، ليكتشف حجم الجرم الذي دفع ثلة من الهواة، إلى التلاعب بأمل أمة في التغيير والتمكين.
تاريخ من الخسارة
قبل ثورة يناير/كانون الثاني، كانت الهزائم بالتزوير، حتى لو كان الناس معك أو اختاروك، فكانت الخسارة مكتوبة لك وعليك، رغم ذلك هناك إصرار على الدخول في مغامرات المنافسات الانتخابية، رغم التكلفة الغالية التي كان ينكسر فيها الكثيرون، كل ذلك لأجل مكسب متوهَّم أو على أقل تقدير غير مضمون.
بعد الثورة بدأت المكاسب تلوح، غير أنها كانت تأتي دائماً بطعم الهزيمة، في اليوم الذي كنت تحصد فيه مقاعد البرلمان، كان عليك أن تسكت عما يحدث في “محمد محمود” و”مجلس الوزراء”، أو أن تكتفي بنقد ضعيف؛ خوفاً على مكسب لم يأت.
وسريعاً كانت خسارة رسمية، بقرار حل البرلمان المزعوم، لتبدأ مرحلة جديدة، ظاهرها الفوز برئاسة الجمهورية، والحقيقة هزيمة واسعة، انتهت بأسوأ ما كان يُتوقع؛ قتل الأرواح وامتهان الدين.
فن التضحية
“إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق، غير ميدان الجهاد الخاطئ”، حسن البنا.
ويتابع الإمام في رسالة المؤتمر الخامس قائلاً: “إن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم، الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات” .
يا سادة، ليس الخطأ عيباً في ذاته، ولكن الرضا به والاستمرار عليه والدفاع عنه، هو الخطأ، كل الخطأ.
فالشهادة والموت في سبيل الله قيم متجذرة في ديننا، ولا تُحسب من الخسائر ولا تحسب من الهزائم، طالما تُوظف في ظروفها الصحيحة، وفي شكلها الأصوب لتتحصل نتائجها، ويفوز باقي رفاقها وأبناء جيلها بهذه التضحية ، لا أن يتمنى الحي أن يلحق بالميت.