أمّ الدنيا التي تتاجر كقزم من العالم الرابع!

يبدو أن نرجسية المراهقات المُثيرة للسخرية يمكن أن تصيب الدول، فـ “كائن الباندا” و”جيجي الحلوة بزيادة” و”برنسيسة بابي” يمكن بسهولة أن تتحوّل في خطاب سياسي لتصبح “أمّ الدنيا” دون أي فارق جوهري في المضمون العبثي، أو الرأس الفارغ، أو الدافع المرضي، ولا يهم واقع الحال بأي حال، فالمراهقة صاحبتنا ليست برنسيسة ولا حلوة بزيادة بالتأكيد، ومثلها مصر ليست أمّ الدنيا كما تثبت كل المؤشرات والأوضاع الواقعية.

وفي سباق الأمم تتحدد القيمة الدولية لكل أمة بما تنتجه وتقدمه للإنسانية، وأحد تجليّات هذا الإنتاج هو التجارة الدولية، هذه التجارة الدولية التي مهما قيل فيها بالسلب والإيجاب، إلا أنه من المفروغ منه أنها تعطي صورة حقيقية عن الأحجام الحقيقية للأمم، ولا تكاد تكون هذه إحدى حقائق الاقتصاد الحديث، فالأمة المتقدمة ذات الشأن هي أمة ذات وزن كبير كماً وكيفاً في التجارة الدولية، والعكس صحيح.

ولا شك أن حال أمّ الدنيا في هذا الشأن لا يسر عدواً ولا حبيباً، فسواء تعلق الأمر بالكم أو بالكيف لا تحظى مصر بأي وضع جدير بالاحترام على خريطة التجارة الدولية.

فوفقاً لتقرير البنك المركزي المصري لعام 2014 – 2015م (وهو المصدر المُعتمد في باقي بيانات المقالة ما لم يُشر لغير ذلك)، بلغت صادرات مصر حوالي 22 مليار دولار تمثل 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل حوالي 60 مليار دولار تمثل 18.3% منه، ما يعني أن صادرات مصر بالكاد تتجاوز ثلث وارداتها، فهي – بالبلدي – تحتاج للآخرين أكثر مما يحتاجون لها، هذا من جهة الكم.

أما من جهة الكيف، أي ماذا نصدّر وماذا نستورد من سلع من ناحية نوعها ومستوى تصنيعها، فيشير ذات التقرير لذات السنة إلى أن حوالي 40% من صادرات مصر السلعية هي من البترول ومنتجاته، وحوالي 17% منها مواد خام (كالمنتجات الزراعية والألبان) وسلع محدودة التصنيع بمعايير العالم المعاصر التي يسمّيها التقرير تجمّلاً وبحكم العادة سلع نصف مُصنعة (كالحديد الزهر وغزل القطن والشحوم والدهون الحيوانية)، وأخيراً 43% تقريباً سلع تامة الصنع، أغلبها سلع استهلاكية تنتمي للصناعات التقليدية الخفيفة من سكر وصابون ومنتجات غسيل وما شابه، مع بعض المصنوعات من الأجهزة الكهربائية والحديد والصلب.

ووفقاً لبيانات البنك الدولي، تدور نسبة صادرات مصر من السلع عالية التكنولوجيا من جملة صادراتها من السلع المصنوعة (وليس من جملة الصادرات السلعية) عبر الخمسة أعوام الماضية حول الـ1% تقريباً، علما بأن متوسط هذه النسبة في الدول متوسطة الدخل التي يُفترض أن مصر تنتمي لها هو 21%، بل الأدهى أن مصر لم تبلغ حتى متوسط تلك النسبة للدول مُنخفضة الدخل الذي يبلغ 4%، أيّ أنها كيفياً لم تبلغ وضعية دول تُصنف عند بعض الاقتصاديين كدول عالم رابع!

وربما كان هيكل صادرات بهذا الشكل مقبولاً في خمسينات وستينات القرن العشرين؛ حيث كانت دول العالم الثالث تتخصص في صادرات يغلب عليها الطابع الأولي، باعتبارها كانت بالكاد قد نالت استقلالها وما زالت على أول الطريق لتعميق التصنيع وبناء قدراتها الإنتاجية ساعيةً لإنتاج سلع أكثر تعقيداً بقيم مُضافة أعلى، لكنه ليس مقبولاً بالمرة في القرن الحادي والعشرين، حيث يتعاظم المُكون التكنولوجي والمعرفي في كل أنواع المنتجات، وحيث تتدهور أسعار ومكانة المنتجات الأولية باستمرار.

فإذا انتقلنا للواردات لأخذ صورة عن طبيعة احتياجات مصر من الخارج، وهل هي احتياجات ضرورية لدعم وتعميق تطورها أم احتياجات ناتجة عن فشلها في تأمين استهلاكها البسيط، فإننا نجد في ذات التقرير أن حوالي 23% من الواردات سلع استهلاكية، وحوالي 17% منتجات بترولية (مما سبق وصدرّنا مثلها)، و14% مواد خام (لا بأس)، و27% سلع وسيطة (كالشحوم والدهون والزيوت الحيوانية والسكر الخام وبعض المعادن من نحاس وألومنيوم وحديد)، مما يُستخدم أغلبه في صناعات استهلاكية خفيفة، ما يجعله لا يختلف نوعياً عن أي واردات استهلاكية بحتة، وتبقى فقط 17% سلعاً استثمارية تسهم نوعاً ما في دعم القدرة الإنتاجية ورفع مستويات التقنية في القطاعات الإنتاجية والخدمية المختلفة.

أما عن صافي مُتحصلات ومدفوعات الخدمات (الصادرات والواردات غير الملموسة)، فيشير التقرير إلى تحقيقه فائضاً بمقدار 4.7 مليار دولار، يمثل الفارق بين المُتحصلات بمقدار 22 مليار دولار والمدفوعات بمقدار 17.3 مليار دولار، وتأتي هذه المُتحصلات من السياحة وقناة السويس وخدمات الطيران والموانئ وخطوط أنابيب البترول، بنسبة تصل إلى 79% من إجمالي المتحصلات، وهي كما هو واضح خدمات غير مُستقرة وتعتمد بشكل كبير على مُتغيرات لا تسيطر مصر عليها، ما يجعل اختلال الميزان واهتزاز الاحتياطي الأجنبي المأزوم أصلاً مسألة دورية مع كل اهتزاز فيها، كما هو الحال هذه الأيام.

وأخيراً تأتي مُتحصلات ومدفوعات دخول الاستثمار، أي ما يأتي لمصر كعوائد على استثماراتها في الخارج مقابل ما يخرج منها كأرباح لاستثمارات الآخرين بها، فتبلغ الأولى بحسب التقرير فقط 213 مليون دولار تقريباً، مقابل 6.2 مليار دولار، أي أن ما تحصّله مصر في هذا البند لا يتجاوز 3.4% مما تدفعه، وهو ما يكشف حجم النزح الأجنبي لموارد البلد، ويثير كثيراً من التساؤلات عن طبيعة الاستثمار الأجنبي وظروف وشروط عمله في مصر، خصوصاً في ضوء تواضع وجوده ومساهمته!

ورغم أن هذه قضية أخرى تخرج عن نطاق هذا المقال، فإنها تشير في نطاقه لعجز أو تواطؤ سياسي يعزّز من – كما يؤكد – وضعية القزم من العالم الرابع التي تثبتها العينة السابقة من مؤشرات عن تبادلنا التجاري والخدمي مع العالم، وهو عجز و/أو تواطؤ من ذات السلطة التي تتغنى بمعزوفة “أمّ الدنيا”، التي لا يعرف أحد هي أمّ الدنيا بأمارة إيه؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top