في الوقت الذي تواجه فيه الجاليات المسلمة في الولايات المتحدة، وفي العالم بأسره، الاحتمالات المرعبة المتضمنة في رئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمتعلقة بحيواتهم وحرياتهم، ثمة صراعٌ يختمر منذ فترةٍ طويلة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، وقد وصل لنقطة الغليان؛ إذ يُخفي الجدل السياسي الأخير حول حظر هجرة المسلمين، والتصنيف المتوقع لجماعة الإخوان المسلمين كجماعةٍ إرهابية، صراعاً أعمق حول الممارسات المستمرة لطبقةٍ سياسية تخوض تمرداً قادماً من أطراف التيار اليميني، هذه الحركة، التي قواها انتخاب دونالد ترامب، والمصممة على فرض رؤيتها المتزمتة لنفوذ الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، قد تبنت وجهة نظر تُنتَقد باستمرار لتكون سندها المنطقي.
القضية هنا هي إلى مدى يتبنى صنَّاع السياسة الأميركية رؤيةً للعالم تضع الغرب، وبجانبه الولايات المتحدة كحاميته العنيدة، ضد العالم الإسلامي.
كانت نظرية صراع الحضارات التي تطورت بعد نهاية الحرب الباردة رؤيةً طموحة، ما لم تكن متسرعة، للعالم، سعت إلى إعادة توجيه السياسة الخارجية الأميركية بناءً على الهوية الحضارية، بدلاً من الهوية الأيديولوجية، ووجد مفكرون مثل صامويل هنتنغتون وبرنارد لويس، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، آذاناً مصغية داخل المؤسسة السياسية الأميركية لترويج اعتقادهم بأنَّ المواجهة مع “الحدود الدموية” للإسلام لا يمكن تجنبها، لكن من وجهة نظر صناع السياسة، فإنَّ التبني الإجمالي لنظرية صراع الحضارات كان من شأنه أن يعرض التحالف الأميركي الطويل مع دولٍ مثل مصر، وباكستان، والسعودية للخطر، فضلاً عن الاستعداء غير الضروري لـ1.2 مليار مسلم في العالم، وقد بذل جورج بوش الابن جهوداً مضنية، بعدما أعلن عن “الحرب العالمية على الإرهاب”، ليعلن أنَّ الإسلام ليس هو العدو، حتى في الوقت الذي تحمل فيه المسلمون العبء الأكبر من سياسات إدارته.
ليس كل المسلمين
في الحقيقة، لم ترفض إدارة بوش نظرية الصراع، وإنما عدلتها فحسب: فالحضارة الغربية، بمعاونة حلفائها المسلمين المعتدلين، سوف تجابه العناصر المتطرفة في مجتمع الإيمان العالمي. فقد قال بوش: “الإرهابيون خائنون لدينهم، فهم يحاولون اختطاف الإسلام ذاته”. بالطبع، مع اجتياح أفغانستان والعراق، والاستمرار في عمليات سرية مميتة في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، واستهداف الأميركيين المسلمين بالمراقبة، والتحرش، والاضطهاد، لم يعد من الممكن التمييز بين حرب بوش على المتطرفين المسلمين وحربه على الإسلام عموماً، باستثناء اللغة المستخدمة.
وكما أشار المعلق السياسي محمود مامداني في ذلك الوقت، فإنَّ خلق التصنيف التجريدي “للمسلمين الجيدين” قد وفر الغطاء الأيديولوجي الحاسم للمواجهة التي لا ترحم مع “المسلمين السيئين”. واقتراح وجود “نسخ متعددة من الإسلام”، تشمل نسخة علمانية مطواعة تم جمعها في معامل مركز أبحاث راند، قد سمح لإدارة بوش بالرد على الاتهامات بأنَّها كانت تستهدف كل المسلمين. وكذلك تغيير التركيز من الدين بالكلية إلى “عجز الإسلام عن تطبيق الديمقراطية”، والتفاخر بنتائج أحدث تقارير التنمية البشرية العربية.
اعتمدت حملة باراك أوباما الناجحة عام 2008 جزئياً على التعهد بإلغاء بعض من أكثر الممارسات إيذاءً من فترة بوش، بدءاً من الاستخدام المنهجي للتعذيب، ووصولاً إلى إنكار حقوق التقاضي السليمة للمعتقلين في معتقل غوانتانامو العسكري الأميركي. أيضاً سعى أوباما لمواجهة بعض من أكثر أجزاء خطاب بوش إيذاءً، والذي أدى إلى الفهم الموسع للحرب على الإرهاب بأنَّها في حقيقة الأمر حربٌ على الإسلام، فقد أكد أوباما على مستمعي خطابه التاريخي الموجه للعالم الإسلامي الذي أدلى به عام 2009 في القاهرة، بأنَّ الولايات المتحدة “ليست، ولن تكون أبداً، في حربٍ مع الإسلام”. وأكد أوباما، في الخطاب ذاته، أنَّ أميركا “سوف تدافع عن نفسها… وسوف نفعل ذلك بالشراكة مع المجتمعات المسلمة، المهددة هي الأخرى. وكلما تسارع عزل المتطرفين، وأصبحوا غير مرحب بهم في المجتمعات المسلمة، أصبحنا جميعاً في أمان”.
وسّعت إدارة أوباما جهودها للحصول على دعم المسلمين للأولويات الأمنية الأميركية، من خلال برامج مثل برنامج مواجهة التطرف العنيف “CVE”. ولكنَّ هذه السياسات، على الرغم من أنَّها وسعت من المساحة التي تشمل عدداً أكبر من الشركاء المسلمين المعتدلين، استمرت في العمل ضمن نفس التقسيم الثنائي للمسلمين لجيدين وسيئين، وهو ما ميز الإدارة السابقة عليها. وقال أوباما، في الشهور الأخيرة من فترة رئاسته، متأملاً في زيارته للقاهرة: “كنت آمل أنَّ خطبتي سوف تبدأ نقاشاً من شأنه أن يخلق مساحةً للمسلمين للتعامل مع المشكلات الحقيقية التي يواجهونها، مشاكل الحكم، وحقيقة أنَّ التيارات المسلمة لم تخض عملية إصلاح تساعد الناس على تكييف عقائدهم الدينية مع الحداثة”. مرةً أخرى نقول إنَّ وجهة النظر هذه أعطت شرعيةً لنظامٍ أمني قوي شمل برنامجاً سرياً للطائرات بلا طيار، قام بضرباتٍ جوية أكثر عشر مرات مما وقع خلال فترة بوش، واستهدف بلداناً ذات أغلبية مسلمة في الشرق الأوسط، وشرق إفريقيا، وجنوب آسيا.
وكما اتضح بعد ذلك، فلم يكن ثمة الكثير من نقاط الاختلاف بين آخر رئيسين فيما يتعلق بوجهات نظرهما الأساسية، فقبل قمة 2015 لمواجهة التطرف العنيف، طرحت شبكة “بي بي إس” مسابقةً للقراء على موقعها بعنوان: “مَن القائل؟ بوش أم أوباما” حول الإسلام. ومن ثم فليس من العجيب أنَّ مسؤولَين سابقين من كلتا الإدارتين السابقتين عبرا عن إدانتهما لخروج ترامب على ما يشبه الموقف المجمع عليه في واشنطن. وهذا يجعلنا نتساءل: ما هو المختلف، لو كان ثمة اختلاف، في وجهة نظر الرئيس الأميركي الحالي؟
تغيُّر الأهداف
قاد ترامب، خلال حملته الانتخابية، مخاوف رافضي الهجرة داخل المجتمع الأميركي، الذين يرفضون الحديث عن الإدماج، في صراعٍ تحوَّل في نهاية المطاف إلى صراعٍ دارويني لبقاء الحضارة الأقوى. لسنواتٍ طوال كانت الحركة البيضاء القومية المتنامية تتغذى على كراهية المسلم الراديكالي “الآخر”، وهذه الحركة هي نتاج صناعة الإسلاموفوبيا القوية والمربحة. ويفضل أنصار هذه الحركة بوش، الذي دعا إلى “حملة صليبية” في الأيام التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، قبل أن يقوم أخيراً بسحب هذا المصطلح التاريخي المفخخ، ويعلن أنَّ الأمر كان زلة لسان مؤسفة. وأدان المنتمون لتلك الحركة أوباما لأسبابٍ لا تتعلق بشيءٍ غير خلفيته العرقية وجذوره المسلمة، بعد أن جرأتهم نظريات المؤامرة التي أذاعها ترامب حول مكان ولادة أوباما. وعبر ترامب عن احتقاره الشديد لأول رئيس أسود لأميركا لرفضه الإشارة إلى العدو من خلال دينه، حتى على الرغم من أنَّ أوباما قد دمر الإرهابيين، وكل من تصادف إقامته وسطهم من المدنيين.
حتى فيما يتعلق بوسائل الإعلام، كان الخلاف بين هيلاري كلينتون وترامب في انتخابات 2016 متعلقاً بالتسويق أكثر من تعلقه بالسياسة. كانت السياسة الخارجية الأميركية قد فقدت نبرة خطابها المتعلقة بصراع الحضارات، وسعى ترامب ليعيد الإسلام إلى مكانه في القلب من الحملة القوية لمواجهة الإرهاب. إذ صرح ترامب، في خطابه الافتتاحي، بأنَّه سوف “يوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي الراديكالي، الذي سوف نمحوه من على وجه الأرض”. ويضم فريقه السياسي واحداً من أهم شخصيات اليمين المتطرف. وبالنسبة لأولئك المؤمنين بنظريات المؤامرة المعادين للمسلمين، فإنَّ “المسلمين المعتدلين” يشكلون تهديداً أخطر بكثير من المسلمين الراديكاليين، لأنهم، بحسب النظرية، يستخدمون الخداع لتحقيق هدفهم المشترك لتدمير الحضارة الغربية.
وأصدر ترامب أمراً تنفيذياً يحظر اللاجئين ومواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة من دخول الولايات المتحدة، في اختبارٍ مبكر لهدفه تحويل التركيز من مطاردة الإرهابيين إلى استهداف التجمعات المسلمة عالمياً. وبفعله هذا، يكون ترامب قد وسع من البرامج التي وضعها آخر رئيسين للولايات المتحدة، لكنه كان أكثر صراحةً بكثير حول النية الحقيقية للسياسة الأميركية، عندما أشار إلى هذا الحظر بتسميته “حظر المسلمين” في النقاشات مع كبار مستشاريه.
وعلى الرغم من إيقاف هذا الأمر لاحقاً على يد محكمة استئنافٍ أميركية، فإنَّه قُوبِل بترحيبٍ حماسي من الرئيس السوري بشار الأسد، الذي أخبر أعضاءً من الصحافة الغربية أنَّ الحظر يستهدف الإرهابيين فحسب، وأنَّه “ليس موجهاً ضد الشعب السوري”. وبهذا الدفاع عن الأمر التنفيذي لترامب، الذي يحظر بكل وضوح كل المواطنين السوريين من دخول الولايات المتحدة، أعلن الأسد، دون قصد، أنَّ كل سكان بلاده، الذين يفوق عددهم العشرين مليوناً، إرهابيون محتملون.
إنَّ التطرف الواضح للمسلمين يشكل جزءاً محورياً في عقيدة القومية الأميركية الصاعدة، التي حولت تركيزها تدريجياً من مشكلة معتقدات المسلمين إلى مشكلة وجودهم ذاته. وأدى هذا الأمر إلى نوعٍ من التنافر في الإدراك داخل إدارة ترامب، وخططها المزعومة لتصنيف الإخوان المسلمين جماعةً إرهابيةً.
وقد أشار النقاد، عن حق، إلى أن وزارة الخارجية تواجه صعوبةً في إدراج هذه الجماعة الإسلامية التاريخية في قائمتها للجماعات الإرهابية؛ لأنَّ الإخوان المسلمين مصطلح يشير إلى منظمة محددة ذات أعضاء، والعديد من الأفرع المستقلة، كما يشير إلى اتجاهٍ فطري أوسع أثر على المجتمعات خارج المنطقة العربية. ومع ذلك، فإنَّ هذه الحجة من قِبل المعلقين فاتها النقطة الأساسية، ذلك أنه بالنسبة للإسلاموفوبيا، المتزايدة مؤخراً، والساعية لتقويض المعارضة السياسية داخلياً وخارجياً، لطالما لعب الإخوان المسلمون دور العدو الهلامي اللدود، وسوف يؤدي تصنيفها جماعةً إرهابيةً ببساطة إلى تعزيز المفهوم القائل بأنَّ الإرهاب يمثل مصطلحاً واسعاً، ويشمل المسلمين الذين يجدون أنفسهم دائماً في مرمى أهداف السياسة الأميركية المتغيرة باستمرار.
الإخوان المحظورون
ويتلخص الجدال حول تصنيف الإخوان المسلمين في نهاية الأمر في إذا ما كان التنظيم يُشكل تهديداً على المصالح الأميركية، من وجهة نظر المؤسسة السياسية، أو إذا ما كان الأمر ذا أهمية من البداية؛ إذ إن نظرة ترامب للعالم تقترح أن مثل هذا الجدال لا علاقة له بالأمر. وبالحكمِ على المعارضة القوية لذلك التصنيف عبر الطيف السياسي، قد يبدو أنَّ الإخوان المسلمين يمثلون تجربة ناجحة ضمن استراتيجيةٍ عتيقة تتبعها المؤسسة السياسية الأميركية، تستهدف فيها أعداءها وتوسع في نفس الوقت دائرة حلفائها المحتملين. وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، أصبح من الواضح جداً أن الإخوان المسلمين في مصر، وكثيراً من فروع التنظيم الإقليمية، تمكنوا من إعادة توجيه أنفسهم بشكلٍ ثابت ليواكبوا الواقع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي الطاغي في المنطقة العربية.
ومَثلت المنظمة، التي تأسست في فترة ما بين الحربين العالميتين في مصر، رداً مستوحى من الدين على تحديات الاستعمار البريطاني، وفشل القومية الليبرالية، واستغلال المصريين المستمر ثقافياً واقتصادياً. وبحلول منتصف القرن العشرين، كان الإخوان المسلمون قد أصبحوا إحدى أهم حركات المعارضة التي تتحدى الاستبداد العلماني والإمبريالية الغربية في المنطقة. ولكن بعد حملة القمع التي قام بها الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، لم يفعل التنظيم، الذي نشط في أواخر عصر السادات، الكثير لمعارضة إجراءات التحرر الاقتصادي التي كانت من علامات سياسات عبد الناصر الانفتاحية، بل إنَّهم تبنوا التوسع الليبرالي الجديد، الذي اتبعه حسني مبارك أيضاً. وكثير من قادة الإخوان المسلمين في السنوات الأخيرة كانوا من الطبقة المتوسطة الجديدة من المهنيين المدنيين ورجال الأعمال.
وفي عَشِية ثورة 25 يناير/كانون الثاني، أظهر التنظيم رُضوخه لثوابت سياسات المعارضة في مصر، التي صاغت من خلالها مؤسسات الدولة المصرية السلطوية مساحاتٍ ضيقة للتنافس السياسي في مقابل اتفاق ضمني مع الإخوان المسلمين بعدم تحدي شرعية مبارك. وهو الاتفاق الذي رأته أوساط السياسة الأميركية كتطورٍ إيجابي نسبياً نحو المَطلب صعب المنال، وهو تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. وحتى بعد عزل مبارك عام 2011، سَعى الإخوان المسلمون إلى طمأنة مُنتقديهم في واشنطن بأنَّ الاستقرار ما زال هدفهم الأسمى، في الوقت الذي أبحر فيه الحزب السياسي في مياهٍ مجهولة نتيجة المرحلة الانتقالية من ما بعد السلطوية إلى الديموقراطية.
وصاحبت التقارير عن “انتهاج الإخوان المسلمين لسياسات التجارة والأعمال”، وأنَّهم “سوف يحترمون اتفاقية كامب ديفيد”، صعود التنظيم المؤقت كأهم قوة سياسية في مصر في الفترة بعد عزل مبارك، والتي أوحت بأنَّها ستظل شبيهةً بمصر ما قبل الثورة في جميع الأمور التي تُهِم داعميها الأجانب.
وفي تونس، اتبع حزب النهضة نفس الخطوط العريضة تقريباً في انتقاله السياسي، مُحافظاً على كثيرٍ من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية الموجودة منذ فترةٍ طويلة، حتى إنه دَعم تشريعاً ضد الإرهاب عام 2015، والذي هدد بإبطال الكثير من الحريات المُكتسبة حديثاً بعد الثورة، والتي قامت الثورة من أجلها في 2011. وإثر الانقلاب العسكري في مصر في يوليو/تموز 2013، الذي شَهد إسقاط الإخوان المسلمين وتعرضهم لإجراءات قمعية، اقترح قادة النهضة بهدوء أن نظراءهم المصريين تحدوا مؤسسات الدولة بعنفٍ شديد، مما بَعَثَ الجيش على التحرك.
أما الإخوان المسلمون في سوريا، الذين وصفهم المحللون بأنَّهم عُنصرٌ عملي في المعارضة، لعبوا دوراً أساسياً في المجلس الوطني السوري، وهي هيئة معارضة لاقت دعماً قوياً من المسؤولين الأميركيين ودول الخليج خلال المراحل الأولى الحرجة من الصراع السوري. وعندما أصبحت الحكومة السعودية هي آخر حكومة إقليمية تفرض حظراً على الإخوان المسلمين عام 2014، استثنى المسؤولون السعوديون الفرع السوري للتنظيم، الذي انتخب جرّاحاً يعيش في جدة ليكون قائده لاحقاً ذلك العام.
حتى حركة حماس الفلسطينية، التي تشعبت من الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين، والتي تمكنت من إدارة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي لمدة قاربت الثلاثة عقود، تحولت بشكلٍ حاسم باتجاه تقبُّل الواقع السياسي الذي فرضته اتفاقية أوسلو. وشهد قرارها بالمنافسة في الانتخابات الفلسطينية التشريعية عام 2006 فوز أعضائها بالأغلبية في الهيئة السياسية، التي أُنشئت ضِمن الإطار القانوني لعمليةِ سلامٍ فقدت شَرعيتها منذ وقتٍ طويل. ولإنهاء الحصار الخانق، والاعتداءات العسكرية المدمرة على غزة، سَعى قادة حماس في السنوات الأخيرة وراء سُبلٍ عديدة للتوصل إلى هدنةٍ طويلة الأمد مع إسرائيل، ووصل الأمر في لحظةٍ ما إلى توسل وساطة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير نيابةً عن الحركة.
وبالطبع، تتضمن لائحة الجماعات الإرهابية الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية حركة حماس منذ عام 1997. إلا أن علاقة حماس التاريخية بالإخوان المسلمين مدّت أنصار التصنيف الشامل للتنظيم وفروعه، الحقيقية منها والمتوهمة، كحركةٍ إرهابية بما يحتاجون للاستمرار. ولكن إعادة التوجه التدريجية للمعارضة الإسلامية صَوب التقبل الضمني للهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الغالبة قد أدت إلى ظهور صورةٍ مختلفة عن الإخوان المسلمين، صورةً وضحتها مجالس التحرير الخاصة بصحيفتَي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” الأميركيتين خلال الأسابيع الأخيرة. وتُظهر القصة الإخوان المسلمين كمنظمةٍ اجتماعية مِقدامة، تدير المدارس والمستشفيات، وتشكل حركةً سياسية وسطية ترفض العنف، وتدعم الانتقال الديمقراطي للسلطة، وتتحكم في حكومة حليف قوي من حلف الناتو، وأنَّ أحد أفرع الإخوان المسلمين يُسهم حتى في الحياة الديمقراطية في دولة إسرائيل.
تشكيل نظام جديد
لكن مهما حاولوا، غالباً ما ستفشل هذه الأصوات الراسخة في النفاذ إلى نظرة ترامب عن العالم، الذي يرى أن تطور حركة الإخوان المسلمين لتصبح حركة سياسية براغماتية، ومنفذاً مهماً لما يتعرض له “الشباب العربي المُحبط” من ضغوط، أمراً لا علاقة له بالقضية. وفي إدارةٍ منحت لسياستها القبلية الحديثة، والمتطورة بشكلٍ فج، وضعاً خاصاً، أصبحت المعتقدات، والأفعال، والتوجهات السياسية أموراً غير ذات أهمية. ويرى المؤمنون بالتأويل الحرفي للنظرية، أن “صراع الحضارات” في صميمه يُعدُ نضالاً من أجل تأكيد الهوية الأميركية. فيبدو أن صامويل هنتنغتون نفسه، كان يُدعَّم وجهة النظر ذاتها حين كرّس كتابه الأخير “Who We Are?” لتوجيه الهلع الأخلاقي لسياسات التمييز ضد المهاجرين، فحذر كتابه من تدمير الأمة الأميركية على يد المهاجرين اللاتينيين، وحثََّ على إعادة تأكيد الهوية البروتستانتية البيضاء التقليدية لدرء شبح التعددية الثقافية.
ولنفس الهدف، حشدت إدارة ترامب بالفعل قوتها الكاملة لإزعاج المسافرين المسلمين، واستهداف المسلمين الآخرين من خلال الهجمات الجوية غير المعلنة، وتهديد حقوق ملايين المسلمين من خلال النقاش حول التصنيف المحتمل لتنظيم الإخوان المسلمين كجماعةٍ إرهابيةٍ، بينما في الوقت نفسه بدأت خططها لبناء جدارٍ حدودي على الحدود مع المكسيك، وتشويه صورة المهاجرين اللاتينيين، والسعي بشراسة تجاه ترحيلهم جميعاً خارج البلاد. وتتابع هذه السياسات بشكلٍ سريع في الأسابيع الأولى لتولي ترامب منصب الرئاسة ليس صدفة، ولكنَّه أمرٌ نابع من نظرة إلى العالم تعتمد بالأساس على فكرة صراع الحضارات. وبفعل هذا، تخلى ترامب عن السياسات الراسخة لمواجهة التحديات المستمرة منذ فترةٍ طويلة أمام الهيمنة الأميركية في بعض دوائر السياسة، وذلك لمصلحة تأكيدٍ فظ على الهوية الأميركية على حساب جميع الهويات الأخرى.
– هذه التدوينة مترجمة عن موقع جدلية؛ للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.