اللاجئون في إسرائيل.. جنة إنسانية أم عنصرية نفعية؟!

يشهد العالم أزمة لجوء حادة عُرفت بأنها موجة اللجوء الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية فوفق تقديرات الأمم المتحدة، تخطى عدد اللاجئين حاجز 65 مليون شخص حول العالم، أي أن هناك لاجئاً واحداً على الأقل لكل 113 إنساناً، ويقصد الغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين دول الشمال، خاصة الدول الإسكندنافية وكندا والولايات المتحدة، لكن خلال العقد الأخير تحولت أنظار اللاجئين عن هذه الدول إلى وجهات أخرى مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإسرائيل، ويرجع ذلك إلى لجوء حكومات دول الشمال، وهي الدول المفضلة للاجئين، إلى تعقيد إجراءات الحصول على اللجوء،

بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى هذه الدول بطرق مباشرة غير شرعية، فلجأ النازحون والفارّون من دول الجنوب إلى دول أقرب يستطيعون الوصول بسهولة إليها بطرق غير شرعية، مع قابلية هذه المجتمعات لاحتوائهم وإدماجهم جنباً إلى جنب مع باقي مواطنيها، فإذا كانت دول مثل فرنسا وبلجيكا وألمانيا هي دول أوروبية بالأساس، ولا يختلف نمط الحياة فيها كثيراً عن باقى جيرانها من الدول الإسكندنافية، فماذا عن إسرائيل؟ لماذا أصبحت إسرائيل وجهة مفضلة لكثير من اللاجئين من دول الجنوب “خاصة اللاجئين الأفارقة” على الرغم من أن موقعها الجغرافي والاستراتيجي ليس بالموقع المغري ولا طبيعة الحياة فيها مثل باقي الدول الأوروبية؟

للإجابة عن هذا التساؤل علينا التطرق أولاً إلى الاستراتيجية الإسرائيلية التي تتبعها في التعامل مع قضايا الهجرة واللجوء، فدولة إسرائيل منذ نشأتها عام 1948 وهي تشعر بأنها دولة صغيرة المساحة ضئيلة ديموغرافياً، محدودة الموارد، ومهددة طوال الوقت، ويحيط بها أعداء من جميع الاتجاهات على عكس نظرتها لجيرانها العرب، فإنها ترى الدول العربية دولاً ممتدة جغرافياً، كثيفة السكان، غنية الموارد تملك تنوعاً اقتصادياً متمايزاً، مما يجعل ميزان القوى الطبيعية يميل لصالح خصومها العرب؛ لذا اتبعت إسرائيل منذ نشأتها سياسة الانفتاح على العالم لأسباب عدة،

من أهمها توطيد أركان دولتها الجديدة، وإدماج نفسها بقوة الأمر الواقع في المجتمع الدولي، والبحث لنفسها عن مكانة اقتصادية مرموقة في أوساط العالم المتقدم، فكان عليها في البداية أن تطور من تركيبتها الديموغرافية لتجعلها تتلاءم وتتماشى مع تطلعاتها وطموحاتها الجديدة، فدعت الحكومة الأولى لإسرائيل اليهود في جميع أرجاء العالم إلى الهجرة إليها بحثاً عن وطن قومي يجمع اليهود المشتتين والمستضعفين حول العالم، وقدمت تسهيلات وإغراءات اقتصادية ضخمة مثل تملك الأراضي والمنازل للوافدين الجدد، فشرعت أعداد مهولة من اليهود في القدوم إلى الوطن البديل.

لكن منذ اليوم الأول لوصول المهاجرين إلى دولة إسرائيل المزعومة، بدأت تظهر التحديات الأولى التي يعانى منها المجتمع الإسرائيلي الذي قام على أساس التفرقة العنصرية، فدائماً ما تعرف إسرائيل نفسها بأنها دولة دينية يهودية، فكان من الطبيعي تهميش أي مقيم غير يهودي، بل وصل الأمر إلى التفرقة على أساس البلدان التي جاءوا منها مواطنوها الجدد، فظهر الصراع جلياً بين اليهود الأشكنازيم -وهم اليهود الأوروبيون الغربيون- وبين يهود السفارديم -وهم اليهود الشرقيون- إلى أن بدأ يهود الفلاشا -وهم اليهود الأفارقة ذوو البشرة السمراء- في الهجرة إلى إسرائيل،

فتفاقمت المشكلات أكثر بين طبقات المجتمع الإسرائيلي، ولكن التحدي الأبرز الذي يواجه سكان إسرائيل هي مشكلة اللاجئين أو المهاجرين من غير اليهود، فإسرائيل تمنح جنسيتها تلقائياً لأي شخص يهودي بينما تمنعها أو تعقد إجراءاتها على أى شخص غير ذلك، وبدأت هذه السياسة الإقصائية تاريخياً عندما أُجبر ما يقرب من 750 ألف فلسطيني “مسلمين ومسيحيين” على ترك منازلهم والعيش كلاجئين فيما يمكن أن تصبح دولة إسرائيل بعد حرب 1948، ويظل هؤلاء اللاجئون وأحفادهم ممنوعين من العودة إلى ديارهم التاريخية.

فمنذ قيام دولة إسرائيل سنّت القوانين اللازمة التي تهدف لمنع الأجانب من غير اليهود في أن يصبحوا مواطنين، أو جعل عملية إدماجهم في المجتمع عملية معقدة، وذلك للحفاظ على التركيبة الديموغرافية اليهودية التي قامت من أجلها دولة إسرائيل، وظهر هذا واضحاً عندما شارك الإسرائيليون في صياغة اتفاقية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عام 1951 التي حددت مَن هو اللاجئ، وحددت مسؤوليات الدول التي تمنح اللجوء.

وبعد استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967 توسعت في الاعتماد على العمالة اليدوية من الفلسطينيين بصفتهم لاجئين في أراضيهم المحتلة، وفي أثناء الانتفاضة الثانية عام 2000 قامت إسرائيل بإلغاء آلاف التصاريح للعمالة اليومية للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، وشرعت في بناء جدار الفصل العنصري على نقاط تماس حدودها مع الضفة الغربية لإبعاد الفلسطينيين عن الداخل الإسرائيلي خشية من تطوير المقاومة الشعبية لعملياتها التي تقوم بها عن طريق اللاجئين الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي.

ومع الانخفاض في أعداد العمالة الفلسطينية نتيجة بناء الجدار وتضييق دخول الفلسطينيين ومرورهم إلى قلب المدن الإسرائيلية لجأت إسرائيل إلى وسائل أخرى لتعويض هذا النقص الحاد في العمالة، فبدأت في استقبال المهاجرين واللاجئين من الأفارقة لملء الفراغ الذي تركه الفلسطينيون، ورحبت إسرائيل باللاجئين الأفارقة على وجه الخصوص دون غيرهم من اللاجئين القادمين من الجنوب والشرق الآسيوي، بسبب رخص العمالة الإفريقية، ومهاراتهم الجسدية والبنيوية وقدرتهم على العمل، خاصة في أعمال البناء والتعمير،

وبسبب أن اللاجئين الأفارقة سيقبلون بأي نمط حياة ستوفره لهم إسرائيل دون التذمر، وذلك بسبب قدوم معظمهم من دول تعاني ويلات الحروب والصراعات الطائفية، والاستبداد العرقي مثل جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا الذين يشكلون غالبية اللاجئين في إسرائيل، الذين وصل عددهم وفق تقديرات غير رسمية إلى ما يقرب من 50 ألف لاجئ، وينتمي نفر غير قليل منهم إلى طائفة يهود الفلاشا والباقي يدينون بمذاهب مسيحية تميل إلى الانخراط والتعايش الديني مع اليهودية.

وبلغت العنصرية النفعية التي تتعامل بها حكومات إسرائيل مع اللاجئين الأفارقة إلى درجة فرض العديد من القيود غير الأخلاقية على انخراط هؤلاء في المجتمع الإسرائيلي، فتم تضييق إجراءات حصول اللاجئين على تأشيرات عمل من أجل التمتع بإقامة طبيعية وغير مهددة، ولم تكتفِ الحكومة بذلك، بل قامت بترحيل دوري لأعداد كبيرة من العمالة الإفريقية إلى بلدانهم الأصلية، على الرغم من علم الحكومة الإسرائيلية بأن حياتهم مهددة في بلادهم الأم، وسنت إسرائيل قانوناً مثيراً للجدل في عام 2012 سُمي بقانون “المتسللين” الذي يجيز سجن كل متسلل إلى إسرائيل لمدة تصل إلى ثلاث سنوات منذ لحظة دخوله إلى البلاد، كما يجيز للسلطات الأمنية احتجاز هؤلاء لمدة تصل إلى عام دون إذن قضائي، كما قامت ببناء جدار عازل على الحدود الإسرائيلية — المصرية لوقف تدفق الهجرة غير الشرعية، الذي زودته بتقنيات حديثة لإحباط محاولات التسلل مثل المجسات الإلكترونية والعوائق الصناعية.

وعقدت الحكومة الإسرائيلية اتفاقاً مع رئيس رواندا “بول كاجامي” في عام 2015 يتم من خلاله تهجير المئات من اللاجئين الأفارقة الذين دخلوا إلى إسرائيل بطريقة غير شرعية وترحيلهم إلى رواندا مقابل معونات اقتصادية.

لكن يبقى الإجراء الأشد عنصرية والأعنف أخلاقياً هو القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية بشأن طرد السيدات من اللاجئين واللائي يحملن أثناء وجودهم في الأراضي الإسرائيلية، خشية من أي تزايد مستقبلي في أعداد غير اليهود في المجتمع الإسرائيلي، فأصبحت رعاية أطفال اللاجئين تتم بشكل غير قانوني غير أن الآباء غالباً يعملون بشكل غير قانوني أيضاً.

فإسرائيل التي قدمت نفسها للعالم على أنها أُنشئت بالأساس من أجل حماية اللاجئين اليهود الفارين من العنف النازي والاضطهاد الجمعي الذي رافق اليهود في جميع أرجاء العالم، الآن تُدير ظهرها للاجئين الذين يبحثون عن حياة آمنة ومستقرة ليس إلا، بل وتتبع سياسات عنصرية طائفية مع الذين تم قبول طلبات لجوئهم في المجتمع اليهودي.

فإلى أولئك الذين يشعرون بالقلق من سياسات السيد ترامب، المتعلقة بتقييد الهجرة إلى الولايات المتحدة: في إسرائيل طالبو اللجوء الذين يفرون من العنف والحروب بحثاً عن الأمان يتم معاملتهم كسرطان يجب استئصاله من المجتمع، ويُسجنون دون محاكمة، ويُحظر نسلهم، فلا أدنى حقوق لهم، فهم مجرد آلات ميكانيكية خُلقت للعمل بنفعية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top