مجلس النواب في سن الحكمة

يواصل مجلس النواب المصري انتصاراته على المعارضين والمنتقدين في قاعات البرلمان أو خارجها بنجاح كبير، من النواب تم إسقاط عضوية النائبين توفيق عكاشة وأنور السادات، ويبدو إلهامي عجينة في الطريق، وبتهمة واحدة هي إهانة المجلس. أما قائمة خصوم البرلمان في الخارج فهي طويلة، بدأت من أبلة فاهيتا، ولن تنتهي بالبلاغات ضد الصحفيين.

إبراهيم عيسى الصحفي الموهوب والسياسي صاحب التقلبات والمواقف المثيرة للجدل، منح البرلمان في صحيفة “المقال” جائزة أوسكار للرسوم المتحركة، استناداً إلى الانتقادات التي تنهال من جميع الجهات الأصلية والفرعية، تعليقاً على أداء المجلس الذي يصدم نوابه أنفسهم في بعض الأحيان. النائب أحمد طنطاوي، مثلاً، يرى أن المجلس ينتصر لنفسه وليس للمواطنين الذين يعانون، وهيثم الحريري يرى العيب في أداء البرلمان وليس فيمن ينتقده.

لجأ إبراهيم عيسى للنكتة، وهي وسيلة الاتصال رقم واحد لدى المصريين، حتى بين الحبايب تأتي النكتة أحياناً في صورة تحية، ورد المجلس التحية بأحسن منها، حين صرخ أحد النواب: الصحفي اللي مش بيحترم المجلس ياخد بالجزمة القديمة.

انتفاضة البرلمان طالت جريدة الأهرام، وهي “صحيفة إحنا اللي بنصرف عليها”، كما قال الأعضاء، وانتهت الانتفاضة ببلاغ ضد رئيس تحرير “المقال”. وما زالت التحقيقات مستمرة، والاحتمالات مفتوحة على كل شيء، من الجزمة القديمة إلى العفو، بشرط تعهد من إبراهيم “بألا يتمادى في توجيه الإساءات والتجريح والتشويه فى حق المجلس ونوابه مرة أخرى”، كما قال أحد النواب.

الإساءة للبرلمان تعبير فضفاض، وتهمة لا يعرفها قانون أو دستور؛ لذلك لجأ بلاغ البرلمان للصياغات العمومية، مثل أن “العدد يحتوي على تقليل وتحقير من شأن البرلمان لدى الشعب المصري، ويصفه بعبارات منها أنه فيلم كارتون، وأنه من إخراج جهاز الأمن الوطني”. والتهمة الأخيرة سبق توثيقها في تحقيق نادر على موقع مدى مصر، بعنوان “هكذا انتخب السيسي برلمانه”، ولم يغضب أحد ساعتها.

أبريل/نيسان الماضي شهد ثورة البرلمان على أبلة فاهيتا. النواب اعتبروا أن الدمية “مؤامرة ليفقد الشعب ثقته في نوابه، واستخدام خاطئ للحريات، لتشويه وهدم المؤسسات المنتخبة”، كما ورد وقتها في بيان المجلس. وأصبحت الأبلة فخورة؛ لأنها “الأرملة التي هزت عرش مصر” بأغنية تنتقد غياب النواب عن الجلسات.

المجلس اهتز بسبب أغنية دمية، ومن عنوان في “جريدة مجهولة”، كما وصفها رئيس البرلمان، لكنه لم يتأثر بمعاناة الشعب من الأسعار، وبالتضخم القياسي وتزايد معدلات الفقر، ولا بالتضييق على الحريات. لم يشاهد تقارير برنامج مؤيد للنظام، هو “العاشرة مساء”، لأطفال يبحثون عن الطعام في أكوام الزبالة.
يدخر المجلس عضلاته وجهوده لملاحقة المسيئين، وآخر مرة شوهد فيها متورطاً في عمل عام، كان تفكيره في تمديد الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات، حتى لو كان ذلك انتهاكاً للدستور الذي أقسم النواب على احترامه؛ لأن “الدستور به نصوص حالمة، ولا توجد مادة دستورية عصية على التعديل”، كما قال مؤخراً صلاح فوزي عضو لجنة إعداد الدستور، مدافعاً عن التعديل.

تجاوز البرلمان العجوز طيش الشباب منذ دهر، فقد احتفلنا في أكتوبر/تشرين الأول بمرور 150 عاماً على الحياة البرلمانية في مصر، وآن له أن يتسامح مع كل أنواع الدمى والنكات، وأن يركز في خدمة مصالح الناس. أما إن كانت الانتقادات تؤلم إلى هذا الحد، فعلى المجلس إصدار “كتالوج” للصحفيين يعرفهم بحدود احترام المجلس، وقواعد استخدام الجزمة البرلمانية في ضبط الأداء الصحفي.
أما ضبط الأداء البرلماني فهو للتاريخ، والتاريخ لا ينسى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top