عرفات جرادات

الثوار لا يصلون إلى شيء أبداً عدا الموت، فعمر المختار مات على المقصلة، وعز الدين القسام مات برصاصة واحدة، والمسيح حمل صليبَه على ظهره، وجيفارا مات في غابات بوليفيا، وعرفات جرادات مات على كرسى التحقيق.

بعض الثوار يموت في السرير، وبعضهم في الميادين، وبعضهم وراء الباب الأسود الساكت الطويل، وبعضهم يموت في حيفا مثل عرفات جرادات.

قذف حجارة الطريق على العسكر وهو صغير، ثم لما صار شاباً حمل بندقيته على كتفه ومضى، رأى الشهداء ثم عرف كيف يكون شهيداً

دخل جنود الاحتلال بيته ذات مرة، رفعوا السلاح في وجهه، هجموا عليه وأوقعوه على الأرض، رفسوه في بطنه بأحذيتهم ودقوا قصبة ساقه اليسرى ثلاث مرات بكعب السلاح، أفزعوا ابنيه اللذين كانا يبكيان لأنهما طفلان، بينما كانت زوجته تشتمهم وتدعو الله عليهم وتطلب منهم أن يتركوا زوجها، وغلبتها دموعها كذلك.

لكن عرفات جرادات لم يبكِ رغم قسوة الجنود معه، الحر لا يبكي من الوجع، ينزف نعم، يتألم في داخله، لكن لا يبكي الحر، تبكيه الإهانة، ربما بكى وحده بعد ذلك.

لكن فلسطينياً آخر كان شاهداً على تلك الأحداث وشاهداً على بكاء أمه وظلم أبيه، كان حضوره مكتملاً، لكن لم ينتبه الجنود إلى وجوده؛ لكونه لا يزال جنيناً في رحم أمه وسينزل إلى هذا العالم بعد أشهر من رحيل أبيه.. إنه “عرفات عرفات جرادات” الذي سموه على اسم أبيه والذي ولدته أمه في الخليل ابناً لشهيد أعنى “نصف يسوع؟.

بعد ذلك، فتش العساكر البيت وتحفظوا على شال فلسطيني وبندقية قديمة معطوبة، ومزقوا صورة شهيد كانت معلقة على الجدار وهذا الشهيد من عائلة جرادات أيضاً، ثم أخذوا السيد المناضل وألقوه في الجيب العسكري وذهبوا به إلى سجن “مجدو” هناك حيث قضى آخر أيامه كما يليق بمقاوم فلسطيني، وحيث رأى حيفا مرة أخيرة واستنشق رائحتها ورائحة بحرها.

حيفا هي ذاكرة التاريخ البعيد ولو تغيرت الجغرافيا قليلاً أو كثيراً، معظم الفلسطينيين الآن لا يرون حيفا إلا من داخل الجيب العسكري ولا تأتيهم رائحة البحر إلا وهم في “مجدو”، لكن هذا ليس ذنب حيفا ولا ذنب فلسطين، فلسطين لا تجور على أحد؛ لأنها بلد محتَل، كل الأوطان تظلم أبناءها، لكن فلسطين لا تظلم أحداً، إنه ظلم الاحتلال وأعوانه لنا.

أقام “عرفات جرادات” بالحبس الانفرادي وحيداً معزولاً عن كل شيء، تعرض للشبْح والتعذيب فترات طويلة كي يعطيهم معلومات عن رفاق له، ورغم أن بعض الاعترافات تحت وطأة التعذيب الشديد وممارسات السجان المدروسة والممنهجة للتأثير على نفسية السجين تكون مفهومة ومتوقعة، فإن عرفات جرادات لم يبُح لهم بسر واحد ولم يستفيدوا منه بجملة واحدة ولم يشهد على إخوانه وهو يعلم أن في ذلك حتفه الأكيد.

لكنه فضل الموت على الحياة ككل طوباوي ثائر، لم يأخذوا منه شيئاً، كانت فلسطين في داخله وكان يرى الله كل يوم. مات “عرفات جرادات” في حيفا، لكن طيوره في الخليل والناصرة وبئر سبع وغيرها لا تموت.

من أول التاريخ إلى الآن، كم من ظالم؟! وكم من مظلوم؟! كم من سجين مات في الظلام بعد التنكيل الكامل به؟! لكن، ما الذي يموت في كل وقت؟ إنه الجسد، الروح لا يستطيعون إليها سبيلاً، يموت الجسد لأنه الأدنى ولأنه من تراب، يتعب ويستهلَك ويتم إنهاكه بشكل كامل فيموت. أما روح الشهيد، فلا تموت؛ لأنها من نور، روح بيضاء لا تدنَّس؛ لأنها سماوية، روح يبقى صداها في ديارنا كمشروع ثورة..

السلام إلى روح الشهيد المعلم “عرفات جرادات” الذي مرت ذكرى استشهاده الرابعة منذ أيام قليلات، مرت ذكراه بهدوء لم يكن كرحيله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top