في التدوينة السابقة ناقشت فكرة أن محاولة فهم العلمانية من مدخل ثيولوجي على أنها ظاهرة اجتماعية سياسية مرتبطة بطبيعة الديانة المسيحية، وبالتالي هي غريبة عن السياق الإسلامي، هو مدخل لا يساعد كثيراً.
فعلى الرغم من أن المصطلح ذاته قد نشأ بالتأكيد نشأة مسيحية وارتبط ارتباطاً أكيداً بتطور المؤسسات السياسية والدينية في الخبرة الأوروبية، فإنه بشكل عام عرفت الخبرة الإسلامية كذلك إشكالية العلاقة بين السياسي والديني، أو الدولة والمؤسسة الدينية، وإن كان بطريقة أخرى، وضمن سياق مختلف كما أوضحنا سالفاً.
وفي هذه التدوينة سأتناول مدخلاً آخر شائعاً أيضاً، في محاولة دراسة العلمانية، وهو كذلك لا يساعد كثيراً على فهمها، وهو المدخل المصطلحي أو اللغوي، فقد اعتاد الباحثون عند دراسة أي ظاهرة أن يبدأوا في تعريفها لغوياً واصطلاحاً، وهي مسألة قد تكون هامة كمقدمة أو مدخل للفهم، لكنها بالتأكيد لا تساعد على الإحاطة بالظاهرة نفسها، فالظواهر لا تكتسب حقيقتها لا من الجذر اللغوي للمصطلح المعبر عنها، ولا مما تعارف الناس عليه بشأنها، وكما أشار الإمام أبو حامد الغزالي إلى “أن أكثر الأغاليط نشأت من ضلال من طلب المعاني من الألفاظ”.
وتتفاقم المشكلة أكثر في حالة ظاهرة مثل العلمانية لأسباب كثيرة:
أولاً: أن العلمانية هي ظاهرة اجتماعية لها جذور تاريخية، وهي كذلك آخذة في التطور، ولها مظاهر وتجليات مختلفة باختلاف الأزمنة والسياقات التي تمر بها، فالعلمانية في أوروبا القرن التاسع عشر تختلف عنها في القرن الواحد والعشرين، وعلمانية الولايات المتحدة الأميركية تختلف عنها في فرنسا، أو الشرق الأوسط، أو اليابان مثلاً.
ثانياً: أن العلمانية مصطلح لا يصف ظاهرة اجتماعية تاريخية محايدة؛ إذ ارتبطت بهذه الظاهرة معركة أيديولوجية وسياسية حادة، وتم التنازع حولها وشن حملات معها أو ضدها، تزين أو تزيف طبيعتها، وتعصبت لها أو ضدها الرؤى والمواقف، وبالتالي ضاع الكثير من حقيقتها.
أخيراً: أن هذا المصطلح الإشكالي تمت ترجمته من كلمة Secularism إلى عدة مفردات عربية لا تتفق في المعنى، ولها مدلولات مختلفة، فجمال الدين الأفغاني -رحمه الله- ترجمها في النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى “الدهرية”، وهي مصطلح يربط العلمانية بالرؤية المادية للوجود وبالإلحاد، ثم في بعض المعاجم اللغوية ترجمت إلى “اللادينية”، وهو معنى مقارب للمعنى الأول، على الرغم من أن البعض أشار إلى أن المعنى المقصود هو “غير الكنسية”، ثم هناك “اللائكية”، وهي ترجمة للنمط الفرنسي من العلمانية، الذي يمتاز براديكاليته، بالإضافة إلى بعض الترجمات الأخرى، مثل: الزمنية “في مقابل الأبدية”، أو الدنيوية “في مقابل العالم الآخر”، وحتى “العلمانية” وهي الترجمة الأوسع انتشاراً، لم يحدث اتفاق على أصلها: من العلم أم من العالم.
التطور المستمر للظاهرة العلمانية، وتنوع مظاهرها، وتعدد ترجماتها، والجدل السياسي والأيديولوجي العنيف حولها جعل مدلولها غير متضح، وخاضعاً للانتقائية، لكن الذي يفهم من هذه الترجمات على تباينها أن العلمانية هي مناقض الدين، وهما يمثلان ثنائية حدية، فالشيء إما ديني أو علماني، فإذا كان الأول مرتبطاً بالإله، فإن الثاني يرتبط بالإنسان، وإذا كان الأول يرتبط بالأبدية، فإن الثاني زمني، وإذا كان الأول قبلته العالم الآخر، فإن الثاني هو الدنيوي، وهكذا.
وقد عبر عن ذلك أحد الأكاديميين قائلاً: “تعريف العلماني سهل للغاية، على الرغم من أن معناه يتغير باستمرار، هو ببساطة عكس الديني، أياً كان معنى هذا الأخير”، وهذه الثنائية الحدية التي تسربت من هذه الترجمات هي إحدى الآفات التي ابتليت بها حواراتنا الفكرية والسياسية بشأن العلمانية؛ لأنها كما سنرى لاحقاً تعبر عن رؤية اختزالية لا تعكس الواقع بتركيبه وتعقده.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.