ما من عقدٍ يمضي إلا وتمضي معه ما آمنت به من أفكار أو معتقدات قد أُطِّرت بفعل واقع الحال أو بسبب نشوء قوى يتحتم على المرء أو المجتمع أن يتكيف معها؛ مجاراةً لتحقيق هدفٍ أو لتصويب عرجة المسار، الموبوء بتلوث جشع المصالح ما بين بني البشر بتجليات تعاملاتهم الإنسانية كافة، ما يخلق أثراً بارزاً في حقلٍ من حقول التجاذبات الفكرية وهو “عالم السياسة” الذي يُعد الحقل الذي ينتج هوية النظام العالمي اليوم.
وحين ننظر بعين فاحصة لعالم السياسة، سنلحظ أن هناك سمةً يتفرد بها عالم السياسة؛ وهي “حياة مُغايرة عما يألفه بنو البشر في واقعهم الطبيعي”، بحيث إن لها قواعد محددة ذات نمط ديناميكي في مخرجاتها، ما يصعب على صاحب الفكر التقليدي أن يستخلص ما تثمره هذه المخرجات من سبل أو رؤى، ويعزو ذلك إلى النظام العام للسياسة الذي يدور حول إخفاء الدوافع وبعث رسائل تطمينيّة لكل من وقع في دوائرها المغلقة بإحكام.
وحين نستعرض الأحداث ذات الوجهة السياسية في التاريخ الإنساني القديم والحديث، سنجد أنها تحمل ألوان الطيف في وقائعها على الأمم أو الفرد بذاته، مُحيرةً ومبهرةً في اللحظة نفسها! محيرةً في نتائجها غير المستبشرة عن ذي قبلُ، ومُبهرة في تراتبية أحداثها بشكل متقن، فالتفرد بها أو عليها لن تستطيع أن تستلهم العقول غير الملقنة في محيطك الاجتماعي المعاصر؛ لأن السياسة هي من تحرك محيطك الاجتماعي بتأثيراتها على من يُشاطرك الجغرافيا والعنوان الثقافي.
وعلى أثر هذه التأثيرات، تبني دفاعك أو انقضاضك، ولا ينطبق هذا على ما يطلق اصطلاحاً “العلاقات الدولية” بعينه؛ بل يشمل حتى العلاقات الإنسانية الطبيعية، فالجميع من بني البشر ينتهج سياسة بقصد أو من دون قصد.
ومن هنا، دعوني أستعرض لكم 3 حيلٍ ذات نكهة سياسية في واقعكم المعيش؛ وهي:
1- اجعل الغباوة منهجاً للاحتكاك مع الغرباء
للغرباء في نفوس الآخرين وقفاتٌ مجلجلة؛ لغموض ما ورائيتهم الداخلية والغباء من وجهة نظر إنسانية منبوذة بلا شك، لكن حين يتم تحوير هذا الغباء إلى تغابٍ فإنه كمفتاحٍ لبابِ غرفة مؤصدة عتيقة، فالمرء حين يتغابى أمام ما هو غريب عنه في وعائه الاجتماعي، فإنه يرى توافر الهفوات والسقطات اللسانية التي تُبين ما وراء الجُدر في التركيبة النفسية والمدى العقلي.
2- التنوع في المطالب ودعم كل ما هو مخالف
لكل وعاء مجتمعي من بني البشر في سير التاريخ، نلحظ أن له مطلباً محدداً معيناً مما يُحقق معرفة شمولية لهذا المجتمع من قِبل الذين يطالبونهم، فهؤلاء لا يأبون امتصاص هذا المطلب وتحويره إلى معسكرهم الدافئ، فيُحدث نوعاً من التبعية لهم، لكن حين يتم نشر “مطالب متنوعة” سيدبّ في نفوس أصحاب المعسكر الأوحد عجز في الاحتواء والتجزئة، فضلاً عن تعزيز المُخالفين عن المسار الذي عبَّده المعسكر الأوحد بـ”توافق فكري” يخلق في الأجواء العامة أنه آن الأوان “البتّ بالمطالب”.
3- شراسة في مواجهة وهدوء عند مقابلة
هذا التنوع في التفاعلات النفسية، يثمر عن عدم وضوح في الرؤية العامة لصورتك العامة بمخيلة المخالطين أو “المقربين تحديداً”، فالصورة المبهمة تحقق عدم استطاعة الطرف المضاد رسم خارطة “أهدافك” ليعمل المصائد وتقليل قيمتك الذاتية التي يجب أن تنظر لها كعملة صُكت لأجلك أنت “وأنت فقط من دون العالمين”.
* همسة خافتة:
المرء المتمكن في حقل “عالم السياسة” لن يكون في مقدوره تذوُّق طعم الهناء النفسي لديناميكية عقله الباطن، فالأفكار حين تسيطر على العقل البشري، تصبح “خليةَ نحْل على الدوام”!
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.