على بُعد أسابيع قليلة تفصلنا عن تقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريره حول الوضع بالصحراء، جاء القرار الملكي بالانسحاب الأحادي الجانب من منطقة الكركارات، التي تعتبر بحسب اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991 منطقة منزوعة السلاح وخاضعة لمراقبة بعثة المينورسو الأممية، لينزع بذلك فتيل أزمة سياسية وعسكرية كانت وشيكة.
إلا أن القرار المفاجئ لم يقابَل بإيجابية على ما يبدو من قِبل جبهة البوليساريو الانفصالية، التي ما زالت تصر على إبقاء وجودها العسكري بالمنطقة مع التلويح بتشييد منشآت في المناطق التي تعتبرها محررة، في تحدٍّ سافر لدعوات الأمين العام للأمم المتحدة بضرورة انسحاب الطرفين من المنطقة منزوعة السلاح ونزع فتيل التوتر، مع ضمان حركة عبور المركبات التجارية نحو موريتانيا بسلاسة ودون أي استفزازات.
وكنتيجةٍ لهذا التعنت الذي تبديه قيادة البوليساريو، ما زال التوتر والترقب هما سيد الموقف، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، سواء عبر قرار دولي يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن بخصوص الضغط على ميليشيات البوليساريو ودفعها إلى الانسحاب من المنطقة العازلة، لا سيما بعد أن أثنت القوى الكبرى المؤثرة في الملف على قرار الانسحاب، أو عبر تلويح المغرب بإمكانية نفاد صبره تجاه هذه الاستفزازات، ومن ثم ممارسة حقه في الدفاع الشرعي عن النفس بموجب البند 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وأيّاً كانت السيناريوهات المحتملة ذات الصلة بأزمة الكركارات، وفي انتظار ما سيحمله تقرير أنطونيو غوتيريش في ثناياه شهر أبريل/نيسان المقبل، إلا أنه يمكن القول إن قيادة الجبهة لا يمكن أن تذهب بعيداً في تأزيم الوضع والاستمرار في معاكسة المزاج الدولي العام الداعي إلى نزع فتيل التوتر بالمنطقة والإبقاء على تماسك اتفاق وقف إطلاق النار بالنظر إلى الحساسية الأمنية الكبيرة التي تكتنف الملف برمته، وذلك نظراً للاعتبارات التالية:
– التغيرات الدولية المتسارعة التي تعتبر انعكاساً طبيعياً لانهيار جدار برلين وتفكك حلف وارسو واختفاء العديد من الحركات الثورية والقيادات الشيوعية التي نهلت من المعين نفسه أو التي دعمت الجبهة الانفصالية وقتاً غير قصير؛ كنظام فيدل كاسترو أو نظام معمر القذافي أو حزب الشينفاين الإيرلندي، وغيرها من التنظيمات والمرجعيات الفكرية المشابهة عبر العالم.
– عدم امتلاك الجبهة الانفصالية قرارها المستقل وارتهان موقفها للنظام العسكري الجزائري وافتقادها أي رؤية واقعية و حكيمة لإنهاء الصراع المفتعل حول الصحراء، واستخدامها كأداة لتصفية حسابات معروفة مع المغرب، وتصرفها في كثير من الأحيان كتنظيم غير مسؤول، ولا أدل على ذلك من المحاولات المتكررة لمنع عبور المركبات التجارية نحو موريتانيا والتلويح باستعمال القوة، والتعنت في التعاطي مع قرارات الأمم المتحدة.
– غياب الديمقراطية الداخلية، سواء على مستوى هيكلية الجبهة أو على مستوى تدبير الأوضاع الاجتماعية في مخيمات تندوف وانتهاجها سياسة القبضة الحديدية والتنكيل بالمعارضين، في محاكاة على ما يبدو لأسلوب النظام الكوري الشمالي، الشيء الذي يجعل من مشروعها لا يتسم بقدر كبير من الجاذبية في نظر الكثير من المتتبعين والباحثين.
– اختلال موازين القوى العسكرية بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية ووجود الجدار الأمني على امتداد الحدود المغربية الشرقية والجنوبية، حيث يعتبر هو الأطول من نوعه في العالم والذي يصعب اختراقه برياً، الشيء الذي يجعل من مسألة تلويح الجبهة باستخدام القوة مجرد تهديدات غير واقعية ولا تخلو من رسائل سياسية مرتبطة أساساً بالمتغيرات الحاصلة في الداخل الجزائري، لا سيما على مستوى صراع أجنحة الحكم وأزمة خلافة الرئيس بوتفليقة، أو كمحاولة لصرف النظر عما يجري بالداخل الجزائري من متغيرات.
– الاختراقات الهامة التي حققتها الدبلوماسية الملكية على المستوى القاري؛ مثل العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وبداية تفكيك محور أبوجا-بريتوريا-الجزائر، بعد أن سحبت سلطات نيجيريا اعترافها بالجمهورية الوهمية، وسيادة الهاجس الأمني والاقتصادي ومنطق رابح-رابح والمتمثل في إطلاق الكثير من المشاريع الاقتصادية المشتركة والواعدة، مثل مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي الذي من المنتظر أن يزود أوروبا بالغاز الطبيعي، وإمكانية انضمام المغرب إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (CEDEAO).
– مشكل التصدع الداخلي وضعف التمويل: مما لا شك فيه أن الجزائر بدأت تعاني أزمة اقتصادية حقيقية بفعل تراجع عائدات النفط والغاز وانتهاج سياسة التقشف والرفع من الضرائب، الشيء الذي يؤثر بالنتيجة على الدعم المقدم إلى الجبهة الانفصالية، فضلاً عن التراجع الملحوظ فيما يخص الدعم المقدم من طرف كثير من دول أميركا اللاتينية لمشروع البوليساريو، فضلاً عن بوادر الانشقاقات والتصدعات الداخلية التي بدأت في الظهور حتى قبل تنصيب ابراهيم غالي على رأس الجبهة.
إن العوامل المذكورة أعلاه تجعل في نظرنا من جبهة البوليساريو غير قادرة تماماً على الانخراط الجدي في أي حرب حقيقية بالوكالة على الرغم من التهديدات التي تظهر بين الفينة والأخرى، إلا أن ذلك لا يعني أن الجيش الجزائري لن يكون في قلب أي مواجهة قادمة (لا قدر الله) بالنظر إلى عقيدته القتالية وعدم تعويله على قدرات الجبهة، ولا أدل على ذلك من الحملة الدعائية وحجم الاستنفار العسكري على الحدود الغربية بالتوازي مع أزمة الكركارات.
كما أنه يمكن القول بأن المعركة الدبلوماسية المقبلة على المستوى القاري والدولي قد لا تقل شراسة عن أي مواجهة عسكرية للدفاع عن مغربية الصحراء ومشروع الاندماج المغاربي الذي سيظل حلماً تتطلع إليه شعوب المنطقة كافة على الرغم من التناقضات الآيديولوجية والتباينات السياسية والواقع المأساوي الحالي.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.