يوماً ما سيذكر التاريخ ملايين الشباب ممن دفعتهم مشاعر الانتماء وحب الوطن للمشاركة في ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني المجيدة، فحملوا على عاتقهم طواعية مهمة نصرتها بكل تجرد وإخلاص، لم ينظروا إلى مصالح شخصية ضيقة، ولا مجد أسطوري يخلد تضحياتهم في سبيل رفعة شأن بلادهم، كانوا جنوداً مجهولين في ميادين الثورة فانحصرت الأضواء وشاشات الفضائيات على أقل القليل منهم،
وحينما استشهد بعضهم لم يذكرهم ذاكر، اللهم إلا للمتاجرة بدمائهم والحصول على بعض المكاسب السياسية البخسة، وحينما اكتظت بهم المعتقلات ظل المجهول مجهولاً للجميع، ولم تسلط الأضواء إلا على كبار الساسة وقادة الحركات والجماعات وذويهم من دونهم على الرغم من أن هؤلاء الجند المجهولين هم صانعو النصر ووقود الثورة وفرسان المعركة.
لذا كان لزاماً على كل إعلامي حر ووطني شريف أن يذكر هؤلاء الأحرار الذين قد يكونون مجهولين للعامة، إلا أن أسماءهم محفورة بحروف من نور في لوائح اتهامات نيابات ومحاكم الثورة المضادة التي تم نصبها للثوار منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز المشؤوم، والذي لن يكتب له الحياة طويلاً، وسيندحر يوماً ما بصمود أبناء ثورة يناير وعزيمة كل مؤمن بها.
أكثر من عامين ونصف العام مضت على اختطاف المهندس الشاب حذيفة الغمري من منزله ووضعه رهن الاعتقال ممضياً أجمل سنوات حياته خلف أسواره، وطوال هذه المدة الطويلة ربما لم يسبق ذكر اسمه عبر هذه الفضائية أو تلك، ربما لأنه لم يكن ابناً لقيادي في تلك الجماعة أو هذا الحزب فتسلط عليه الأضواء، وربما لأنه لم يكن يوماً من فصيلة ثوار الفضائيات فتخصص له ساعات من البث المباشر للحديث عنه والمطالبة بحريته، إضافة إلى أنه لا ينتمي لنقابة تبحث عن أعضائها وتناضل من أجل حرياتهم ما استطاعت إليه سبيلاً كنقابتي الأطباء والصحفيين “قبيل تأميمها في الانتخابات الأخيرة”، فالجميع يعلم تمام العلم أن نقابة المهندسين فعل بها النظام أكثر مما فعل الفرنسيون بسليمان الحلبي.
ويعد حذيفة ذلك الشاب الذي لم يتجاوز العقد الثالث من عمره بعد مثالاً صادقاً للنقاء والاعتدال الفكري، لم يستطِع التطرف أن ينال من عقليته على الرغم مما تعرض له من تنكيل وتعذيب في فترة إخفائه القسري على أيدي أعداء السلم الاجتماعي ممن تم ربط مسمى جهازهم زوراً وبهتاناً بالوطن، أو ما تلى ذلك من مضايقات أمنية داخل أسوار المعتقل، هو شاب على سجيته يحبه الجميع قدر حبه لهم دون تمييز أو تفرقة، وعلى الرغم مما ضاع من أجمل سنوات عمره فإنه ما زال صامداً مسلماً لقضاء الله وقدره مؤمناً بأن فرج الله قريب.
حذيفة هذا الشاب العبقري الذي ترى وتسمع ضحكاته أحياناً فيبث فيك روح الأمل، ويختلي بنفسه أحياناً أخرى ليخط خطابات إلى أحبائه خارج الأسوار فيتملكك الحنين، يقرأ القرآن ويقرأ في بعض الروايات القليلة التي يتم تهريبها للداخل، يصلي بالليل والناس نيام، ويمارس الرياضة من فوق فرشته، يتحدث في أحوال الناس ويبكيهم قدر ما يبكي البلاد وأوضاعها، وكم من ساعات تمضي أثناء حسابه للسعرات الحرارية المدونة على علب البسكويت مجهول المصدر الذي كان يبيعه السجن لنا بأسعار خرافية.
كم أتذكر جلستنا مساء على نمرته “النمرة هي مساحة شبرين وقبضة الخاصة بالسجين”، وغناء روائع العظيمين سيد درويش وبيرم التونسي، والعملاقين الشيخ إمام والفاجومي أحمد فؤاد نجم، كم أشتاق لتلك الأوقات الرائعة وأدعو الله بظاهر الغيب أن يفرج عنه كربه ويرزقه وجميع معتقلي الرأي حرية كاملة غير منقوصة.
هذا وتعود ملابسات اعتقال حذيفة إلى فجر الرابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014 حينما قامت قوة من جهاز مباحث الأمن الوطني باقتحام منزله واقتياده إلى سلخانة الدور الرابع بمديرية أمن الإسكندرية وإخفائه بها قسراً لمدة خمسة أيام كان التعذيب هو عنوانها الأبرز، وعلى الرغم من قيام أسرة حذيفة بإرسال العديد من التلغرافات إلى النائب العام تفيد بتاريخ القبض عليه وإخفائه قسراً من قِبل جهاز مباحث أمن الدولة، فإن النيابة العامة ضربت بهذه التلغرافات وبالقانون معاً عرض الحائط، بل وقامت بالمشاركة في الجريمة ذاتها، حينما تم عرضه عليها في التاسع عشر من نوفمبر،
بإثبات تاريخ القبض عليه بالمحضر بنفس تاريخ عرضه عليها في القضية التي ضمت إلى جانب حذيفة اثني عشر متهماً لا يربط بينهم أي رابط مشترك، ومن ضمن الأسماء التي تم ذكرها في محاضر التحقيقات تسعة أشخاص لم يتم القبض عليهم حتى هذه اللحظة، ومنذ هذا التاريخ وتقوم النيابة العامة بتجديد حبسه الاحتياطي بصفة دورية عند عرضه عليها حتى قامت في الخامس عشر من يونيو/حزيران الماضي بإحالة القضية إلى محكمة الجنايات التي نظرت أولى جلسات محاكمته في الأسبوع الأخير من شهر فبراير/شباط الماضي وكان قرار هيئة المحكمة بتأجيل نظرها إلى جلسة الثالث والعشرين من أبريل/نيسان القادم.
ثمانية وعشرون شهراً أتمها حذيفة بالمعتقل رهن “عقوبة” الحبس الإاحتياطي على ذمة قضية سياسية ملفقة تم بناؤها على اتهامات معلَّبة سابقة التجهيز، تماماً كآلاف القضايا المحبوس على ذمتها الآلاف من الشباب في انتظار حكم طبيعي وليس حكماً عادلاً، فلا مكان للعدل في بلاد تحيا السلطة السياسية فيها على أجساد ودماء أبنائها.
لذا لا يسعنا سوى أن نطالب بأصوات عالية بالحرية للجنود المجهولين من المعتقلين إلى جانب المشاهير منهم جنباً إلى جنب، وأن نطالب بأصوات عالية بالحرية للمعتقلين السياسيين من أي فصيل سياسياً كان أو دينياً، وأن نطالب بأصوات عالية بالحرية لكل صاحب رأي وإن اختلفنا مع آرائه، وأن نطالب بأصوات عالية بالحرية لحذيفة الغمري.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.