اختزال

كانوا عائدين للتو من الميدان في معركة الكرامة، تمزقت ملابسهم، وخارت قواهم، لكنهم اليوم راضون عن أنفسهم أكثر من أي وقت مضى.

صاح أحدهم فيهم: أيها الثوار، انزعوا الأقنعة، عدونا هناك.. أرديناه قتيلاً في المعركة.

أخذ بعضهم ينظر إلى بعض.. وفجأة، تفجرت قهقهات بينهم وأخذوا يضربون أكفهم ويقولون: يا لها من ملاحظة دقيقة!

وألقوا في نشوةٍ خوذاتهم على الأرض.. تجمعوا حول هذا الفارس المستجدّ الذي أدهشهم مَنطقه.. فواصل يقول: هذه مدينتكم.. حررتموها بأيديكم.. هي الآن تفيض لكم عسلاً ولبناً؛ وجاهاً وسلطاناً؛ وخدماً ونساء.. وهذه المدينة تحتاج إلى أحكمكم وأقواكم.. فماذا أنتم فاعلون فيها بعد العودة إليها؟
ومن منكم يستحق أن يحكمها؟!

هنا، سادت لحظة صمت عريضة، وشخصت أبصارهم نحو المدينة الجميلة.. أخذ كل منهم يتحسس مقبض سلاحه، فقال الفارس: أيها الثوار، لا تتقاتلوا.. إذن هي مدينتكم، وهناك صخرة عملاقة، من يتسلقها أولاً فستبقى المدينة أسفل نعليه، فيكون هو الأولى بالحكم.

أخذوا يتمتمون: نعم الرأي.

شخصوا أبصارهم نحو المدينة والصخرة، يحركون الشفاه، ويدلكون اليدين.. نادى الفارس فيهم بالانطلاق، فهرولوا بينما وقف هو يراقبهم.

دقائق.. سقط منهم واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة.. عشرة.. آخر يلقي عليه أحدهم صخرة فيخر صريعاً، ينحشر أحدهم بين الأحجار، ويلفحه الريح فيعلق في الصخرة من قدمه، ويسقط آخر وآخر… ماتوا جميعاً إلا واحداً استطاع الوصول إلى القمة وظل يلوح بالكاد من الإرهاق بعلامة النصر.

الفارس يستلُّ سهماً ويقذفه به، فيحمله مع الريح ليتمدد جسده في قلب المدينة.

فيقهقه الفارس وقد قذف بسلاحه أرضاً ويقول: هكذا علمتني الحرب كيف يكون الثأر، وكيف أختزل الأعداء.

وتمتم وهو في طريق العودة: أغبياء.. لم يبصروا قناعي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top