صفق القائد فليصفق الجميع، أعلن القائد الحرب، رفع القائد يديه عالياً إلى المعركة ماذا سأفعل؟ نعم.. نعم سأرفع يدي عالياً هيَّا يا رفاق إلى ساحة المعركة، سقط القائد في الوحل علينا أن نسقط جميعاً في الوحل حتى نصبغ بلون الوحل الذي صبغ به القائد، ما بالكم يا رفاق هل تؤمنون بالفكرة أم بالقائد؟ هل تؤمنون بالقضية؟
إن القائد نرجسي الشخصية يهددنا بالقتل والتعذيب والتنكيل بالنفس والأهل والولد، نحن مهددون بالتهجير من الوطن يا (غسان)، أو بالشنق في ساحة عامة، دع عنك اللوم يا رفيق، ودعنا نكون قطيعاً متناغماً في الشكل، فزع (غسان) من نومه على صوت الهتاف: “نموت نموت ويحيا الوطن”، وأخذ عقله يدور في مدارات الكواكب وتتنازع بداخله كل قبائل قريش، فكان شخص يصفه الرفاق بأنه من قريش لشدته وغلظته في المعاملة والحديث، وآرائه المجنونة والمتعجرفة، وبدأ يظهر على وجهه ضحكة ساخرة ويقول في نفسه قولوها صريحة “نموت نموت ويحيا القائد” الآن سأضطر للاصطفاف في صفوف الجيش المهيب، وسأهتف كما القطيع، سأقتل، سأسجن، سأصفع، سأعذب صعاليك المدينة، فالجميع صعاليك في عين القائد.
وبدأ الحشد داخل صفوف الجيش، غداً يوم المواجهة، غداً يوم التحرير، سنحرر الوطن من التنظيمات المناهضة للحكومة، القتل لن يكون لمن يقتل الآخرين، ولكن لمن يخالفك الرأي، الثورة للجوعى، الثورة للثكالى، الثورة للعاطلين عن العمل، الثورة للجرحى، الثورة للشباب المحملين بدماء أصدقائهم، الثورة لمن يريد إسقاط الدولة وإسقاط الحكومة، الثورة للصعاليك، الثورة من صنع الحاقدين المتفلسفين الحمقى (كما قال القائد) الثورة لكل الجرذان، فغداً المواجهة المواجهة مع من؟ مع الجوعى أم الثكالى أم الجرذان؟
وبدأ صوت خافت يعبث بعقل غسان، إن ما يدور بداخلنا جميعاً الأكثر أماناً والتزاماً وتوافقاً وحباً وتربية وعزيمة وإرادة وإلهاماً للصواب، وأدباً أن نسير ونركض وندافع ونصرخ ونناصر كل البشر ونسير وراء الجميع، فالناس يتدافعون، فلنتدافع وهناك يبكون في وجل آااااااه.. تقطع قلبي، وهناك يبيعون الورد دعنا نزهر، وهناك يقتلون الأطفال؛ لأنهم غير مهذبين هم وآباؤهم، ناولني بندقية معك، وهناك الجميع يقف على حافة الجبل، دعنا نقف معهم، وأخذت نفس غسان تنازعه: ارجع يا غسان، ارجع إنهم حمقى، سيسقطون من حافة الجبل، لا إنهم ذاهبون إلى مدينة أكثر زرعاً، أكثر غناً وتقدماً وثقافة وديناً، دعيني يا نفسي، فأنا ذاهب إلى المدينة الفاضلة، مدينة الأحلام والخير مع كل الجموع.
يا قوافل الخير سيري واستمري.. لا لا يا غسان، أنت على الحافة قِف، وعلا صوت الضحك بين الصفوف ضحكات متتالية، جد يصاحبه المزاح ههههه، لا ندري إلى أين سنذهب؟ والآخر إلى مدينة الأحلام.
ويزداد الضحك، وكلما ازداد الضحك يعلو الهتاف، بدأ غسان يضطرب بالأسئلة المتضاربة الملحة هل الخضوع للقوانين هو العدل؟ إن الدليل الكافي على العدل هو عدم ارتكاب الظلم، فإن لم تصدق انظر فيما سأقوله لك لعله يلاقي لديك ارتياحاً أكبر: أقول عادل ما هو قانوني.
– تقصد بقولك هذا أن العدل والقانون هما واحد.
– أجل!
– ولكني لا أفهم تماماً ما تدعوه قانوناً، وما الذي تدعوه عدلاً.
– هل تعرف قوانين المدينة؟
– بكل تأكيد.
– فما هي باعتقادك هذه القوانين؟
– هي ما أجاز المواطنين، بالاتفاق، عمله وما أوجبوا الاستنكاف عنه.
– ألا تعرف أن أفضل الذين يديرون شؤون المدن هم الذين يتوصلون إلى جعل مواطنيهم يخضعون للقوانين إذعاناً تاماً هي أفضل المدن في السلم وأمعنها في الحرب، الوفاق للقائد الذي يضع القوانين هو أعظم خير للمدن.
– القوانين تثور، تنقض، تتعالى، تستكبر، تسيطر، تتوغل في نفس الفاشية، تسلب منه عقله البشري، ترسم تخطط له القوة والمال والنفوذ، تصنع، تشكل صنماً يدعى بالعدل.
القوانين، العدل، القائد، العقلية الجمعية، وقانون الفرد يتشبع به القطيع، وتقاتل في قضية القطيع وليس من أجل القضية.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.