حمامات الدم.. الولايات المتحدة في مواجهة روسيا

المتتبع لخطوات فريق الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، بدءاً من وزير خارجيته المتشدد ريكس تيلرسون في مجال السياسة الخارجية، وصولاً لوزير الدفاع جيمس ماتيس، المتعطش للحروب في مجال السياسة الدفاعية، يدرك بوضوح حجم التماثل والتشابه في العقيدة والنظرة اللتين يتبعانها مقارنة بعقيدة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ووزير خارجيته آنذاك ألكسندر هيغ ووزير دفاعه كاسبر واينبرغر، والمتمثلة بمبدأ “الإجماع الاستراتيجي”، التي بلورها أركان الإدارة الريغانية السابقة، لمواجهة ما سُمي آنذاك بالتغلغل السوفييتي شرق المتوسط والانطلاق نحو شرق القارة الإفريقية، والمعروفة اختصاراً بـ”عقيدة ريغان” لكسر التوازن الاستراتيجي الذي أعلنه السوفييت مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

ذاتها الخطوات تتبعها إدارة ترامب الحالية بطريقة تثير الدهشة في تسلسلها التصاعدي، بدءاً من تجديد التحالفات مع تيار الاعتدال المتصهين في الشرق الأوسط، ورأينا ذلك جلياً في تجديد الشراكة الأميركية الخليجية والمصرية، وبناء الحزام الأمني الإقليمي لمنع التمدد الروسي باتجاه العراق، وظهر جلياً بتطويق سوريا بعشرات القواعد ونقاط الإمداد اللوجستية للقوات الأميركية في تركيا والعراق والأردن، وصولاً إلى إعادة التأكيد على دور حلف شمال الأطلسي في مواجهة روسيا، رغم أن ترامب قال عنها يوماً إنها منظمةٌ بالية عفا عليها الزمان، وما نشر القوات الأميركية على حدود روسيا سوى نموذجٍ يحاكي نشر أسلحة استراتيجية في أوروبا زمن الاتحاد السوفييتي سابقاً.

وكما هو معلوم شكّلت حقبة ريغان إنهاءً لمرحلة الوفاق في العلاقات الدولية الذي كانت إدارة جيمي كارتر طرفاً فيها، وتدشيناً لبداية حقبةٍ جديدة ٍكان عنوانها سباق التسلح بين القوتين الدوليتين آنذاك، والمعروفة بـ”استراتيجية حرب النجوم”، وهي التسمية التي سادت للدلالة على “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، الرامية إلى إقامة منظومات من الصواريخ الدفاعية بقصد تحصين الولايات المتحدة من هجمات صاروخية نووية سوفييتية مفترضة، واليوم نرى نسختها المتطورة بنشر منظومات “ثاد” الصاروخية في كوريا الجنوبية، ونشر منظومات الدفاع الصاروخي على مقربة من حدود روسيا في رومانيا وبولندا.

من زاويةٍ أخرى المتتبع لأحداث فنزويلا والتي اتهم بها الرئيس نيكولاس مادورو الولايات المتحدة بتدبير انقلاب عسكري عليه، والمدقق أيضاً في كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول حزمه في التصدي لنظرية “الثورات الملونة” في إطار دول معاهدة الأمن الجماعي “حلف طشقند”، يدرك بوضوح أنّ إدارة الرئيس ترامب تسير بخطى حثيثةً لتنفيذ عقيدة ريغان بحذافيرها، بمعنى إثارة القلائل والاضطرابات والثورات وتدبير الانقلابات في كلّ الدول التي تتواجد فيها مصالح حيوية روسية.

قد يقول البعض إنّ التشابه الحاصل في العقيدتين “الترابية” و”الريغانية” هو نتيجة تشابه ظرفيّ في العلاقات الدولية أنتج ذات السلوكيات، وأنه لا يجوز التعميم والنمذجة، وبالتالي بناء سيناريوهات مستقبلية استناداً فقط إلى نماذج مشابه في الماضي، وهذا الكلام دقيق، ومع أهميته لا يمكن إغفال دلالات تصريحات وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون، حول تعطيل إيران لمصالح الولايات المتحدة الحيوية في سوريا، ودراسة خيارات إلغاء الصفقة النووية مع إيران (14/ 7 /2015)، خصوصاً أنّ هذا الكلام أتى مباشرة بعد غارةٍ أميركية ضد حليفتها سوريا مؤخراً، والاستفزازات الأميركية ضد كوريا ووصف الرئيس ترامب لأسطوله المتوجه إلى سواحل لجزيرة الكورية بـ “ارامادا” دلالةً من ترامب على أنّ أسطوله البحري لن يهزم مما يعود بنا إلى المعركة التاريخية التي وقعت منذ مئات السنين بين الأسطولين الإنكليزي والإسباني، والذى مُني الأخير بهزيمة قاسية.

يفهم من سياق هذا التشدد والتوتير للعلاقات الدولية اعتماداً على المقارنة التاريخية السابقة بقرب تبني إدارة ترامب لعقيدة “التدخل العسكري” الجمهورية الطابع – نسبة إلى الحزب الجمهوري- الذي اعتمدها ريغان وجورج بوش الأب والابن، وحالياً يسير الرئيس ترامب في طريقها، هذه العقيدة ساهمت في زمن ريغان في ارتكاب حمامات من الدم في أميركا الوسطى؛ حيث قُتل حوالي (200) ألف شخص في السلفادور ونيكاراغوا وغواتيمالا في معارك ضد اليسار أو عبر دعم أنظمة يمينية، وكلفت مليون شهيد عراقي في فترة بوش الابن، وسوريا ما زالت تستنزف بفعل سياسات أوباما وترامب، ومن هنا علينا ألا نستخف بخطورة السلوكيات الترامبية في سوريا والمستفزة في كوريا، والمتشددة تجاه إيران، والمتآمرة في فنزويلا والتي بلغت حدّ التهديد بالتدخل ضد حكومتها تحت ذريعة حقوق الإنسان، فخيارات التدخل العسكري الأميركي تجاه إحدى هذه الدول ليست بعيدةً أو غير واردة رغم محاذيرها استناداً إلى ما تقدم ذكره.

وفي الطرف المقابل تبدو روسيا هادئة، ولكن هدوؤها لا يعكس نواياها وخططها لمواجهة الترامبية – الريغانية، فهي تدرك أنّها الهدف الكليّ لمجموع السياسات الأميركية حول العالم، وتتحرك بمقتضى الضرورة لردعها وأرسلت عدّة رسائل عسكرية تفيد بخيارة المواجهة بالمثل، بدءاً من تحليق قاذفات استراتيجية فوق ألاسكا (حدود المجال الجوي للناتو والولايات المتحدة)، وإنتاج صواريخ فرط صوتية، وتعزيز ترسانتها العسكرية البرية والجوية وترسانة حلفائها الموثوقين، وتعزيز انتشارها العسكري بقواعد حول العالم بلغ عددها تسع قواعد حتى الآن.

وما قرار موسكو الانسحاب من الاتفاق التاريخي بشأن التخلص من أطنان من البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة (2009) إلّا في هذا السياق، إلى جانب تقارير تفيد بأنّ روسيا نشرت صواريخ ذات قدرة نووية جديدة في كالينغراد على بحر البلطيق في تصعيد للصراع مع الولايات المتحدة، وتبدو هذه الإجراءات الروسية رسالة على الريغانية السياسية وخليفتها الترامبية؛ ليفهمها أركان المجمع الصناعي الحربي الأميركي،

فبوتين ليس غورباتشوف لينزع جيلاً كاملاً من الصواريخ في خضم معركة قاتلة مع الولايات المتحدة من شرق أوروبا، وبوتين ليس غورباتشوف ليغرق في مشكلات حلفائه الداخليين على عكس النموذج السوفييتي في وارسو، كما أنّ فكرة توازن المصالح والقوى مترسخة في ذهنية إدارة الرئيس بوتين على عكس أسلافه السوفييت، ولا يبدو تصريح بوتين إبان أزمة القرم عن استعداده لوضع قواته النووية في حالة تأهب خلال تلك الأزمة، غائباً عن إدراك معناه في أركان إدارة ترامب.. وعن إمكانية وضعه حال تعرض المصالح الروسية للخطر.

المشهد السوري في ظلّ هذا الواقع الدولي المأزوم والحاد الاستقطاب لا يبعث على التفاؤل من ناحية مفاوضات جنيف وحتى أستانا، وتبقى معه الأزمة السورية مفتوحةً كما باقي الساحات الأزموية على كلّ الخيارات في ظلّ لا عقلانية سياسية تبديها إدارة ترامب المتعطشة للحروب على ما يبدو؛ للخروج من واقعها الداخلي المأزوم أيضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top