ذل الأبارتهايد وكرامة الإضراب

من آثار وأهداف الإضراب هو إعادة استيعاب معنى كلمة “كرامة” ومعنى كلمة “ذل”.

فما علاقة إضراب قطاعات التعليم والنقل والمحلات التجارية وجميع مرافق الحياة في الضفة الغربية بهاتين الكلمتين؟

وهل حقاً إضراب هذه القطاعات هو أمر مجدٍ للأسرى؟

اليوم في فلسطين هناك إضراب عام للأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهو إضراب استثنائي مشحون بروح شعبية وطنية كانت غائبة لفترة طويلة من الزمن، وفي المقابل في تل أبيب ومدن الأراضي المحتلة التي يتواجد فيها الإسرائيليين تعمل شتى نواحي الحياة فيها كالمعتاد؛ باعة البوظة والمطاعم وجميع خطوط النقل وجميع مؤسسات التعليم لديهم وهلم جرّاً.

فما الفرق ولماذا المقارنة؟!

إن جميع الأسئلة المطروحة أعلاه هي مرتبطة بالكلمتين: “كرامة” و”ذل”.

فعندما أقرت قوانين منظمات حقوق الإنسان الحق بحرية التنقل وحرية الاعتقاد الديني، وحق أي إنسان بالتمتع بكل جوانب الحياة الكريمة من مسكن ومأكل ومشرب ورفاهية وتعليم والعديد من الحقوق المتوافق عليها دولياً لإنسانيتها الخالصة، هي إقرارات لم تأتِ من فراغ؛ بل جاءت بعد تجارب دولية بأسباب الحروب والنزاعات، وكل البغض والكره بين الإنسان والإنسان مهما كانت معتقداته الدينية أو القومية أو أي محفز انتمائي آخر.

واليوم يثبت إضراب الأسرى الفلسطينيين أن هناك دولة في هذا العالم تدَّعي الديمقراطية والحرية بين بقعة من الدول تمتلئ بالديكتاتورية والفواجع وجرائم الحرب، وأن بقاء هذه الدولة بالتستر بجرائمها وخروقاتها لن يجدي نفعاً حتى لو كان خلف جرائم دول مجاورة لها تلفت الأنظار أكثر بجرائم الحرب لديها.

ويثبت أن الشعب الفلسطيني ما زال يحتفظ بمخزون كافٍ من عزة النفس والكرامة، وأنه لغاية اليوم من الاحتلال الأرعن لن ينحني ويقبل أي تنازل مهما تواقح هذا الاحتلال بعرض شروطه مقابل إبقاء بعض مقومات الحياة الأساسية متاحة للشعب الفلسطيني، مثل طلبهم بإيقاف مخصصات الأسرى والجرحى بحجة قيامهم بأعمال إرهابية، وكأنهم يريدون لنا الذل أكثر بهذا الطلب، وأن قيامهم بقتل الآلاف من الشعب الفلسطيني بأطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه وبهدم مساكنهم وبمنعهم من السفر والتنقل بحرية هو بالأمر الشرعي، وأن محاولة أي فرد من الشعب الفلسطيني بالصراخ ولو بصوت منخفض هو أمر لا يمكن السكوت عنه، وهو دعوة للإرهاب ومعاداة للسامية.

إن هذا الإضراب يذكر الفلسطينيين أنفسهم والعالم من حولهم بأنهم يفاوضون لأكثر من 5 أعوام فقط على حقهم بالحصول على تقنية الاتصال والإنترنت 3G، وإنهم يفاوضون في كل أسبوع على فتح حاجز قرية شوفة الذي يتم إغلاقه بالأسبوع لمرتين أو ثلاث أو ثمانٍ!

إنه يذكر الفلسطينيين والعالم بأنهم يفاوضون لإلغاء قرار منع ما هم دون الخمسين عاماً من دخول المسجد الأقصى في القدس لممارسة معتقداتهم الدينية في أقدس مسجد في وطنهم ونفوسهم.

إنه يذكر الفلسطينيين أنهم ممنوعون من رؤية البحر والشاطئ بحرية ويذكرهم بإعاقة حق التنقل والسفر بحرية بين دول العالم ويذكرهم حتى بمنعهم من الحصول على الوكالات التجارية الدولية، واحتكار الإسرائيليين لها ويذكرهم بأن هناك أحد الشبان قد تم إطلاق النار عليه، واستشهد بحجة الاشتباه بمحاولته لطعن أحد الجنود المدججين بالستر الواقية للرصاص ومدججين بالأسلحة المتوسطة والثقيلة والممنوعة دولياً وبالقنابل اليدوية وقنابل الغاز والسلاح الجديد رذاذ الفلفل الخاص بقذفه على العيون، وكذلك عصيّ الصعق الكهربائي وبكلاب حراسة بوليسية ترافقهم وبأبراج طويلة تحرسهم وبجدران سميكة تحميهم وبمناظير مراقبة عسكرية وطائرات تراقب أي تحركات مشبوهة أمنياً، حسب مفهومهم.

ولكن كاعتذار منهم عن خطأ إعدام الشاب فإنهم من الممكن أن يوافقوا على تسليم جثة هذا الشاب لأهله ليقوموا بتشييعه مع اشتراطهم لعدد محدد من المشيعين؛ لكي لا يقال عن هذا الشاب أنه بطل أو أنه مظلوم أو لكي لا يثير عواطف أبناء شعبه أو وسائل الإعلام الدولية التي من الممكن أن تثير ضجة إعلامية عن حقيقة قتل هذا الشاب.

إن هذا الإضراب يذكرنا جميعاً بأننا ما زلنا تحت احتلال عنصري إسرائيلي جاء برعاية بريطانية ويعيش بحماية وتستر أميركي ودولي.

إن هذا الإضراب يذكرنا أننا نعيش في غابة يحكمها القوي، وإن جميع الحقوق التي تتحدث عنها المؤسسات الدولية الحقوقية هي فقط مجرد أحاديث.

إن هذا الإضراب يذكرنا -نحن الفلسطينيين- بأن هناك أكثر من 7000 أسير فلسطيني ما زالوا يعيشون بكرامة داخل سجن صغير، وأننا نحن نعيش بذل داخل سجن كبير.

إن هذا الإضراب يذكر القادة السياسيين بأن الشعب ما زال يتعطش للكرامة ولن ينسيه إياها تقنية 3G أو رؤية البحر أو مبلغ راتب شهري صغير أو أي شيء بسيط من مقومات الحياة ورفاهيتها، وأنهم يجب أن يتبعوا سياساتهم بما يتناسب مع رسائل هذا الإضراب المعنونة بالكرامة ورفض الذل.

إن هذا الإضراب يذكرنا بأننا نواجه قوة قمع وتمييز عنصرية تتبع نهج الأبارتهايد، فتمتعهم بتقنية 5 أو 4 G ومطالبتنا بـ 3 G وتمتعهم بسهولة السفر والتنقل وحرية التعبير والتعليم والأكل والماء والكهرباء والرفاهية والزراعة والعمل وراتب متناسب مع أسعار السلع لديهم والعديد من مناحي الحياة التي -نحن الفلسطينيين- يمنعوننا عنها بعدما أحكموا قبضتهم وأتعبونا بحمل نعوش أبناء شعبنا واحداً تلو الآخر، وأتعبونا بالعمل والبحث عن عمل في فترة الصباح وفترة المساء معاً؛ ليغطي تكاليف الحياة لإطعام أطفالنا من منتجاتهم وبأسعارهم وكأننا سوق استهلاكية لما يتبقى لديهم من منتجات ذات جودة ثانية أو ثالثة أو غير صالحة.

نعم يتعبوننا بالبحث عن إيجاد فرص عمل نستطيع من خلالها تدريس شبابنا في الجامعات وتجنب مخاطر فقدان حياتهم بين الطرق والحواجز الإسرائيلية.

إنه نظامهم “الأبارتهايد” وإنه نظامنا “الكرامة”.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top