ترانيم (2)

“التيه”

“لا حول ولا قوة إلا بالله”، تلك كانت آخر عبارة سمعها قبل أن يفيق من غيبوبته وقد زعم الناس أنهم رأوه صباح اليوم نائماً على رصيف الشارع بملابسه كاملة والتي تنمّ عن ذوق وتشي بوضع اجتماعي جيد لصاحبها.

فتح عينيه ليرى وجوهاً كثيرة تحملق وتنظر إليه من أعلى، بعضها يرتسم عليها جزع حقيقي، وأخرى تتصنّع الحزن، وقلّة تتشفى دون مواراة. جلس ثم تحسس رأسه بيديه ونفض بعض الغبار والأدران التي علقت بملابسه، ودارت أسئلة كثيرة في رأسه: من أنا؟ وماذا أفعل هنا؟ ومن هؤلاء؟

شعر بيد تربت على كتفه، وصوت يقطر عذوبة وأبوّة يقول: هوّن عليك يا ولدي، لعلك بخير.. ثم قدّم له كوباً من الماء ورجاء للناس بأن يذهب كلّ إلى شأنه، دقائق معدودات وانفض الجمع، وأصبح وحيداً إلّا من رصيف يجلس عليه وكمية لا بأس بها من الأتربة تعلو هامته وتعلق بملابسه.

فترة قصيرة لعلها ساعة أو تزيد، يجلس واجماً ينظر للأمام ولا يرى شيئاً، يعصر ذهنه علّه يتذكر شيئاً أو يعرفه أحد. تذكر أن بعض الوجوه كانت تأسف لحاله، ووجد حقداً ونظرة تشفٍّ في وجوه البعض، دليل أن هؤلاء يعرفونه جيداً أو يعرفون من أين أتى.

قام متثاقلاً يتعثر في خطاه، بحثاً عن العجوز، سأله راجياً ما إذا كان يعرفه من قبل؟! أو يعلم بحاله هؤلاء وأشار للناس حوله، أطرق العجوز للأرض قائلاً: يا ولدي، حالك كحال هؤلاء وكحالي، فجميعنا لا نعرف من أين أتينا ونجهل من نحن؟ لعلك تسأل عمّا لا نملك إجابة عنه.

– لكني لا أعرف أحداً هنا. إلى أين أمضي؟! هل أظل ملتصقاً بهذا الرصيف؟
ضحك العجوز حتى بان بفمه خواءٌ ككهف مظلم وقال: لكلّ رصيف وزاوية يتحصّن بها أو يتخفّى وراءها فجميعنا أسرى أماكن لا نمتُّ إليها بصلة وربما لا نرغب فيها.

“الغرباء”

– بعيداً عن ترهاتك التي استرسلت في الحديث عنها ساعات طويلة، لم أخرج منك بشيء محدد.

تلفّتَ حوله سريعاً وهو يضع يده على فمه منذراً ومحذراً ألّا يسمعهما أحد.

– (متأففاً) لا أحد معنا، ثم كيف يسمعنا أحد ونحن فرادى نجلس بعيداً عن العيون حسب طلبك مسبقاً! والحق، لقد أجهدتني ولا أعلم للقائنا هذا سبباً أو ضرورة!

– لم يكن لقاؤنا عبثاً أو لهواً؛ بل كي أناقش معك قضية خطيرة، وأزعم أنك لن تصدقني.

– هات ما عندك، أوشك صبري أن ينفد.

– لقد خرجت البارحة إلى عملي صباحاً في التوقيت نفسه، ووصلت فعلاً قبيل الموعد بدقائق، فأنت تعلم حرصي على المواعيد وانتظامي في العمل.

– ثم؟!

– جلست إلى مكتبي، فسيطر عليّ شعور بأن المكان قد تغيّر.

– تغيّر؟ كيف؟

– الزملاء كأنهم هم الذين أعرفهم، لكن كلما دققت النظر فيهم من قُرب أجدهم غير من أعرف؛ الوجوه نفسها من بعيد وعندما أقترب من أحدهم أجد شخصاً آخر!

– رجاءً لا تنظر إليّ نظرتك إلى من به مسّ من جنون، فأنا أعقل العقلاء وذهني صافٍ وعقلي راجح.

– لم أقل ذلك، أنت من قال: أكمل. ما دليلك على قولك؟!

– حسناً، علاقتي بالزملاء تعود لسنوات بعيدة، بعضهم أعرفه منذ 20 عاماً أو تزيد، فملامحهم لا تخفى عليّ وطباعهم أدركها كما أدرك نفسي، هؤلاء الحاليون ليسوا من أعرفهم من قبلُ.

– (ضجِراً) حسناً، ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

– ظاهرة؟!

– (متهكماً) نعم، ظاهرة فماذا تسميّها أنت؟ ما تفسيرك لقولك؟

– أجزم بأن قوة خفيّة قد اختطفتهم، أو أن كائنات علوية قد تلبّست أجسامهم.

– جميعهم؟ جمع من بالمكان؟
– نعم.

– إذاً، لماذا لا يكون التغيير قد طالك أنت، وأنك من تلبّسته الكائنات الخفيّة؟ ولماذا اختطفتهم وتركتك أنت؟!

– تحسس وجهه وشعره وسرح بعيداً، ثم عاد من غفوته وقال: أنا أعرف نفسي جيداً، لم أتغيّر لكن التغيير طال الجميع، أصبحوا آخرين لا أعرفهم ولا أدري من أين أتوا!

– ربما يقولون عنك مثل قولك، يرونك قد تغيّرت وأن كائنات علوية قد تلبّستك.

نظر إلى الأفق البعيد وغامت الرؤية في عينيه وتخشّبت أطرافه ونظر لقرص الشمس في كبد السماء، وبدأ في الصراخ منادياً أسماء بعينها، فأثار الفزع بين المارة فانفضوا من حوله والرعب يملأهم.

“المضطر”

– ترى أين وضعتها؟!
حدّث نفسه سائلاً أحياناً وموبّخاً كثيراً. ولا يدري إن كان ما فقده ثميناً أو زهيداً، لكنه يعلم أن قلقاً ملك عليه جوانحه فقرر البحث دون هوادة.

بلغ به الضيق أن قلب البيت رأساً على عقب بحثاً عن ذلك الشيء الفقيد، خلع أبواب الدواليب وأدراج المكتب ونزع حواشي ووسائد الكراسي وبضع بلاطات أرضية الصالة الواسعة، وفتش وراء التصاوير الفوتوغرافية المعلقة على الجدران والتي تحمل بقايا ذكريات باهتة عن أفراد عائلته الذين فقدهم واحداً إثر آخر.

وزادت عصبيته وهو يجد الوقت يتسرّب من بين أصابعه، فأطاح بمكتبته المستقرة منذ سنوات طويلة، فمزق أغلفة الكتب وألبومات الصور وشهادات التقدير وألقى بالأوسمة على الأرض.

زاد من غرابة الأمر أن الزمن توقف به عند تلك اللحظة من البحث الدؤوب المستمر. فنسي نفسه وعمله والناس أجمعين.

“الإحسان”

وجدت أحدهم يجلس على قارعة الطريق، يضع على عينيه عصابة تخفي وجهه ويمد يده اليمنى كإشارة مرور تعترض طريق الفراغ، باسطاً كفّه للمارة كمن يستجديهم.

وكلما تفضّل أحدهم بمال ووضعه في يده، نهره وألقى بالمال على طول ذراعه.

راقبته فترة، ثم تقدمت منه وسألته: لماذا تمدّ يدك وتستجدي الناس ثم ترفض الإحسان!

قال بصوت رخيم كأنه يأتي من بئر عميقة: لا حاجة لي بإحسان أو صدقة من أحد. وإنما أمد يدي آملاً أن ألمس حُلماً فقدته منذ سنوات طويلة، وعسى أن أستشعر ما غاب وتاه عن ذاكرتي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top