مقومات الزعامة العربية.. بين دعم القضية الفلسطينية وتصفيتها

كانت الشعوب العربية تشعر بأنها تنتمي إلى أمة عربية واحدة، وأن الأقليات غير العربية جزء من الجسد العربي، وأن هذه الأمة دينها الإسلام، وأن الإسلام يحترم أهل الكتاب من الشرائع الأخرى، ولذلك عاشت هذه المنطقة بلغة واحدة، وثقافة واحدة، وتعرضت لتاريخ واحد، وشعرت بأنها جسد واحد وروح واحدة.

ولهذا السبب حاول الاستعمار الأجنبي أن يمزق هذه الأمة، رغم أنها لم تكن متحدة، وكان الاستعمار يدرك أن وحدة هذه الأمة سوف تخلق كياناً يهدد مصالحه في استعبادها واستغلالها.

وهكذا لم تكن هذه الأمة بحاجة إلى شعارات القومية، ولكنها كانت بحاجة إلى نموذج فكري وسلطوي وهو ما قدمه لها جمال عبد الناصر.

وقد أوضح عبد الناصر صراحة في كتاب فلسفة الثورة أن فلسطين عضو في الأسرة العربية، وأن السرطان الصهيوني يحاول اختطافها كما أنه سيحاول أن يتسلل إلى بقية الجسد.

من هذا المنطلق صارت كراهية إسرائيل ودعم فلسطين شعاراً يضفي الشرعية على النظم العربية التي لم تحصل على شرعيتها الحقيقية بالأدوات الديمقراطية.

وقد أظهر التاريخ المعاصر للمنطقة أن بعض الشخصيات العربية تاجرت بهذا الشعار حتى تحصل على دعم شعبها وبقية الشعوب العربية.

وظل ذلك قائماً حتى عام 1967 عندما بدأت هذه الأمة تراجع قضية الصراع مع إسرائيل ثم عقد أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد فصار بطلاً للسلام بدلاً من أن يكون بطلاً للحرب، أو كما قال الدستور المصري إنه بطل الحرب والسلام معاً.

ولكن الحرب والسلام لا علاقة لهما بالصراع؛ لأنهما أدوات في الصراع فظل الصراع وساد السلام الإسرائيلي -إن صحَّ التعبير- بين مصر وإسرائيل وهو يعني التخلي عن فلسطين ومنذ ذلك الوقت تدهورت مصر تدهوراً سريعاً، وظن صدام حسين أنه يمكن أن يخلف مصر في زعامة العالم العربي، ثم قفزت السعودية أملاً في هذا المنصب، ونسوا جميعاً أن مصر لا يمكن استبدالها قلباً وعقلاً في العالم العربي فكان الخطر الأكبر هو محاولة اضعاف مصر من كل الطرق تحت وهم أن مكان الزعامة ينتقل إلى غيرها دون التأمل في مقومات الزعامة.

وإذا كان حكام مصر منذ أنور السادات لم يفهموا هذه الحقيقة، وغلب عليهم تركيزهم على مصالح شخصية، فإن معيار الزعامة متصلاً بالقضية الفلسطينية قد اهتز وانتقل المعيار تدريجياً من دعم فلسطين، وانتهى الآن إلى تصفيتها فيما يسمى بصفقة القرن التي تحدث عنها الرئيس السيسي والرئيس ترامب.

وبالطبع فإن هذا التحول قد استغرق عدة عقود تخللتها أحداث كبرى، منها قيام الثورة الإسلامية في إيران ودخولها على خط الصراع مع إسرائيل مع تحول العرب بدلاً من التضامن مع إيران ضد إسرائيل وتعزيز الصف العربي، فإن العرب بدأوا يبتعدون عن القضية الفلسطينية ثم أصبحوا يعتبرون إسرائيل جزءاً من العالم العربي بعد أن تحولت عندهم إلى دولة سنية وأصبحت إيران هي العدو للعرب بدلاً من إسرائيل. ورغم أن العرب يعرفون جيداً أن إسرائيل هي التي جلبت لهم الإرهاب، وأن أوروبا تعاونت معها، وأن إيران كانت تدافع عن القضية الفلسطينية، وإن كانت تناهض إسرائيل لاعتبارات جيوسياسية عبر فلسطين والقدس، إلا أن بعضهم اندفع في التحول الجديد.

وقد نجحت إسرائيل في تبديد القوة العربية ووضع المنطقة العربية في خريطة جديدة ضعيفة مفتتة تنهشها الصراعات والأوهام.

وهكذا نستطيع أن نرسم معالم صفقة القرن بعد أن صار التقرب من إسرائيل فضيلة، والتخلي عن فلسطين من أكبر الهدايا لإسرائيل.

بدأ المشروع الصهيوني بما ظهر منه متواضعاً ثم أسفر عن نفسه منذ عام 2013 وتغير الأوضاع في مصر والمنطقة العربية؛ حيث بدأ ضرب التيار الإسلامي ودخلت روسيا في شراكة وهمية مع الولايات المتحدة ضد الإرهاب، وهي تدرك أن التيار الإسلامي كان أداة الولايات المتحدة ضد روسيا، ثم صار ضرب الإسلام نفسه بأيدي أبنائه تقرباً إلى الله خطاً أساسياً في الاستراتيجية الغربية عموماً، ولذلك ظهرت داعش وسوف تظهر طبعة جديدة لداعش في المستقبل.

من أهم ملامح صفقة القرن هي التسوية في فلسطين وفي سوريا والعراق ومصر والسعودية، وهي الأطراف الأساسية في التسوية، فبدلاً من تسوية المشكلة الفلسطينية مع إسرائيل داخل فلسطين تمنح إسرائيل الحق في التمدد على كل فلسطين، وقد أصدرت إسرائيل قانوناً جديداً يستجيب لهذه الروح قبيل زيارة ترامب الذي اعتبر الرياض وليس القاهرة هي مكان اللقاء، ثم يزور إسرائيل بعد ذلك وبعد أن يلتقي بالحلفاء العرب الذين تم استدعاؤهم إلى الرياض عاصمة القيادة العربية الجديدة التي أبرمت عقد تسليح بمئات المليارات، بحيث صارت الرغبات الأميركية والإسرائيلية توزع على العرب من خلال الرياض.

وإذا كان أوباما قرر أن إيران في صفقة فيينا النووية هي اللاعب الأساسي في الخليج، فإن ترامب عقد لواء الزعامة العربية للرياض بحيث تكون رأس الحربة في الحرب على إيران ومعهم إسرائيل التي تمارس الحرب على إيران تحت هذا الغطاء الذي يضم السعودية ومصر والأردن وإسرائيل فيما عرف بالناتو العربي.

أما الفلسطينيون في صفقة القرن فسوف يمنحون فلسطين لإسرائيل، وسوف تكون اليهودية هي معيار الإقامة في فلسطين، وإسرائيل بالطبع، مما يعني طرد إسرائيل لملايين العرب المقيمين في الضفة الغربية وإسرائيل وإعلان القدس رسمياً عاصمة لإسرائيل؛ لكي تكون القدس المغتصبة عاصمة للمنطقة العربية، وقد ترددت سيناء كوطن بديل.

أما سوريا والعراق فالمخطط يقضي بأنه يتم تقسيمهما إلى كنتونات طائفية وعرقية كانت إسرائيل قد أعلنت خريطتها منذ عدة سنوات.

وهكذا نرى كيف بدأت الفكرة الصهيونية وكيف تمكنت إسرائيل من أن تكون عاصمة المنطقة بعد أن أطفأ العرب أنوارهم بأيديهم تحت أوهام الزعامة العربية، وبعد أن أباد العربُ العربَ بسلاح الغرب وبدم أبنائهم، وبأموال شعوبهم.

تلك هي النتيجة النهائية للتحالف الآثم بين الغرب وإسرائيل من ناحية، والاستبداد العربي من ناحية أخرى ضد الشعوب والوجود العربي نفسه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top