أن تمارس السياسة في البلاد معارضة أو موالاة هو أن تختار الانخراط بين إحدى المدارس هنا، لتلقنك فن إتقان نوتة مميزة. أن تمارس السياسة وسط جماعتنا هي أن تجيد أولاً نوتة موسيقية مهمة، بمثابة صولفيج وسلم موسيقي خاص بمعشر السياسيين، لا يطرب بقدر ما يُحدث الصداع، ليس فيه دو ري مي ولا فا صو لا صي دو، بل فيه نوتتان اثنتان، بينهما تترنح كل الأنغام، وكل الشطحات الجسمانية المرافقة للنغم: نعم ولا.
أن تكون سياسياً عندنا هو أن تقول لا ثم كلا، عندما يقول الجميع نعم، حتى تكلَّ حنجرتك من اللاءات العانسات البائرات العاقرات اللاواتي لا معنى لهن.. أن تقول نعم كالنعم بملء الفم عندما يقول الجميع لا وكلا.. أن تضرب فوق الطاولة حتى تختلط الكؤوس بالفناجين لتختلط القهوة والبن مع اللبن مع العصير الملون، لتربح دعاء عاملة النظافة عليك بالسرطان أو بالإيدز كلما خلدت إلى الراحة مع أيتامها، أو كلما سلَّط الله عليها وجهك في طريق ما، أو في شاشة ملونة وهي لا تدري ما الفرق هنا بين نعم ولا، فكلاهما لهم راتب محترم من الخزينة والصناديق.
أن تسهر الليل وتستفيق الصبح وعقلك مشغول بهَمٍّ واحد يؤرقك وينكد عليك جمال الحياة، هم أصبح رسالة عمرك، كيف تعكر صفو المسؤول وكيف تضيق عليه وتخنقه مهما كان فعله مضراً أو محسناً.. أن ترفض الجلوس مع الموالاة أو الأغلبية في فضاءات السياسة العمومية وأمام الشاشات والعدسات لتختلي بهم في جنبات وزوايا الحانات والمطاعم لتذوق النكهات والتفنن في القهقهات.. أن تكون واعظاً لحسن الخلق بالنهار ومتآمراً نماماً بالليل.
أن تقول نعم ولا وكلا في جملة واحدة، لكل واحدة شطحتها ونطحتها وسط الجماهير.. أن تُخرج عينيك كذئب جائع أمام دجاجة عرجاء حمقاء لا تعرف طريق الهرب إلا إلى بطنك النتنة، وأن تسدلهما خشوعاً ورهبة أمام زئير هائل.. أن تظهر أسنانك وأضراسك الرخامية عندما تصرخ لا وتقسم عليها غليظاً، تصوم الزمان كله ولن تقضي دين الحنث.. أن ترتدي الأبيض في الجنائز للترحم على فعلك الأسود في فقيد قطعت أوصاله بكلامك.
أن تبكي مع الأرملة واليتيم واللاجئ والفقير والمريض ومع كل وجوه التعاسة والقهر.. أن تضحك وتفرح وتبتسم وترقص جميع الرقصات حتى رقصات النحل من أجل العسل، أن تأكل من دون ريجيم أو بحمية قاسية حسب الجليس.
أن تتقمص جميع شخصيات المسرح وتلعب جميع الأدوار بما في ذلك الأب الحنون أو الابن الضال.. أن تنسى الأخلاق حيناً وتعظ الناس باحترامها وتقديسها حيناً.. أن تحشر أنفك في الخصوصيات والعموميات الباطنات الظاهرات في قصص الداخل والخارج، وتلعن كل من يسير على خطوك.. أن تبيع وتشتري مقابل عملة نفسك وشرفك ومبادئك التي أوصيت الناس بالتشبث بها.. أن تغدر الصديق والأخ قبل الحليف والرفيق وتبرر ذلك بمصلحة ما عليا أو سفلى، يمنى أو يسرى.. أن يغرق أخوك أو رفيقك أمام عينيك وتلقي عليه حجارة اللوم والتنكر لتزيده غرقاً.. أن تفر من ساحة المواجهة كلما لم يدفع أكثر أو كلما أخرجوا لك خطيباً غير مؤطر.. أن تصلي وتصوم وتزكي وتحج وتعتمر قبل أن تتشهد.
أن تؤمن بالدولة وتدافع عنها وتطعنها كلما أمرتك بالانصياع كباقي الخلق.. أن تنتقد التعليم العمومي لتكون أول من يغتاله في مدرسة خصوصية.. أن تقول للشعب لا يهم الجوع والمرض، ما يهم هو الحكم بالعدل لتملأ مخازنك بما لذَّ من المآكل والمشارب.. أن تدعو لمقاطعة منتجات “العدو” لتحتفظ لنفسك بكل ماركاته المسجلة وغير المسجلة في الجمارك.
ألا تفرق بين صلاة الأعياد والجمعة والاستسقاء والجنازة فتركع في صلاة من دون ركوع وسجود، وتسر في الجهر، وتجهر في السر.. أن تتشابه عليك الصناديق والأرصدة، فتسأل الله الهداية لأحسنها وإلا كنت من الخاسرين.. أن تعتبر المال حيناً حقاً وخيراً مشاعاً وحيناً مالاً عاماً مقدساً من أكله دون وجه حق، فهو لص آثم، وأنت عنه فتان.. أن يموت أطفال بلدك قهراً وفي جنائزهم تتباكى وتنصب الولائم، ثم ترقص بعد ذلك على الجماجم.
أن تكون سياسياً في البلاد معارضاً أو موالياً هي أن تفعل كل هذا وأكثر، من دون خجل أو حياء أو ندم، المهم أن تتقن الدور فتترقى في الدور العلية، كلما كان الأداء مقنعاً كان الثواب أكبر.. أن تلعن الفساد والمفسدين الذين أفقروا الشعب المجرمين، لتعفو عنهم طوعاً أو كرهاً، حرصاً وخوفاً على الوحدة والأمان.. أن تخلط بين حي على الصلاة وحي على الفساد حسب المآذن.. أن تكفر وترفض التكفير في آن واحد.. أن تشرع وتدافع عن القانون ثم تثور عليه وتنتقده وتطلب إلغاءه حسب المواقع.. أن تسير في المسيرات وتلعن منظميها مخافة المفاتن.
أن تخطب في الملأ محتجاً ونقابياً وحقوقياً مع المساواة والحرية ثم ضدهما مخافة الفتنة، وتسب المحتجين وتلعنهم وتخونهم.. أن تشاهد المباراة لترقص وتعربد وتغني مع الفائز، وتلطم وجهك كالثكالى، وتنوح مع الخاسر.. أن تهدد بالمقاطعة ثم تجلس إلى الطاولة، ثم تشارك، ثم تزكي، ثم تبرر، ثم تتذكر وتتنكر وتتحسر.. أن تبني البناء وتطبل له، ثم تهدمه على رؤوسنا عندما يحتله مغاير.
أن تضع الزلازل والفياضانات وانقطاع الكهرباء والماء وانعدام الغذاء والدواء وحجب قنوات بين سبورت ومباريات الكؤوس والخبز في جوال واحد، وتنسبه للموالاة دفعة واحدة.. ثم أن تضع كل هذه الآفات والعاهات في سلة واحدة وتسميها القدر الذي لا راد له، وتوصينا بالصبر والجلد.. أن تقول هذا عبث ثم تنمقه ليصبح مجرد حدث.. أن تقول اللهم إن هذا منكر ثم تعود وتتنكر.. أن تؤكد وتنفي المؤكد وتؤكد المنفي.
أن تشترك معارضة وموالاة في بيع الأحلام والأوهام في موسم الصناديق.. أن تبكي مع الوطن بكاء أرملة فقدت عزيزها أو صاحبها، ثم تجلده وتقول له ثكلتك أمك، إن أنت فقدت مقعداً هنا، أو غرَّرت بك الآلات الذكية لحساب الأصوات الخرساء أو بفعل لاعب متهور.. أن تجمع الصحفيين حولك وتوزع عليهم الشكولاتة والحلوى، ثم تخرب بيوتهم واحداً واحداً إن هم قالوا عنك غير موقر.
أن تجبَّ اتفاقات الصباح عهود الليل، وأن تنسى وعودك وأيمانك، وأن وأن وأن بلا عدد…
كتلة من التناقصات في جثة بشر، بل آلة لا تمل من الترنح ما بين الطيب والخبث في قلب واحد، لا لشيء سوى للسير إلى قدرها المحتوم يوماً ما إلى ما تحت الثرى. أن تكونوا معشر السياسيين كذلك فذاك شأنكم، وأن نكون نحن العاجزين ممتنين للقدر إذا استجاب لرحليكم فذاك شأننا، ونعدكم إن قدر وحدث، أن نكون لنسيانكم مخلصين كما أخلصنا دائماً لكل ربوع الوطن.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.