العلمانية في معناها المبسط هي فصل السلطة الدينية عن نظام الحكم في الدولة لاعتبار أن الدولة تمثل أطيافاً وأدياناً مختلفة، ثاني معنى ممكن يكون الاهتمام بالواقع المعيشي للأفراد بالقانون الوضعي، وبعيداً عن نظرة الدين لهذا الواقع من حيث جوازه أو لا، وهي ليس معناها الإلحاد في حد ذاتها، هي ممكن تكون ارتبطت في العالم العربي بالمعنى ده لسوء التفسير.
لما تعيش في المجتمعات الغربية، وتتأمل حقيقة القيم العلمانية – اللي الناس عايشة بيها – واختلافها عن قيم الإسلام بالنسبة لنظام إدارة الدولة، الإسلام يكفل الحرية لكل الأفراد اللي بيعيشوا في المجتمع على اختلاف العقيدة، وليس هناك أي أساس لما يروج له من اضطهاد أو عدم تساوي الفرص، فالمبدأ ده أصلاً هو مبدأ إسلامي أصيل، ولكن أوروبا اضطروا يضعوه كمبدأ أساسي لفكرة العلمانية لمعاناتهم من تسلط الكنيسة في عصور سابقة والمسلمين بيطالبوا بيه دلوقتي؛ لأنهم بيعانوا برضه من فساد بعض المؤسسات الدينية الإسلامية الحالية.
من مقولات د. مصطفى محمود: “احترام الفرد في الإسلام بلغ الذروة.. وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوق عليه.. فماذا يساوي الفرد الواحد في الإسلام؟ إنه يساوي الإنسانية كلها.. “مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً” – المائدة 32″.
الجزء التاني اللي يخص واقع الحياة اليومية للأفراد ما فيهوش اختلاف كبير، غير في بعض العادات اللي مرتبطة بظروف اجتماعية وثقافية – وليست دينية – في الدول الغربية والحاجات دي طبعاً مرفوضة في الإسلام زي ما هي مرفوضة في الأديان السماوية الأخرى (وإن كانت بعض منها بتحصل في العالم العربي الآن، بس أنا هنا بتكلم عن الصح مش عن اللي موجود).
ادخل بقى في أي تفاصيل تانية زي ما انت عايز هتلاقي كل قيم العلمانية – في الحياة اليومية ووضع المجتمع عموماً – من الحرية وضمان العدالة واحترام الآخر ورفض العنصرية، وأي شيء يخطر في بالك، سواء صغير أو كبير، هتلاقي أصله في الإسلام.
الواقع أن الإسلام اهتم بكل تفصيلة ولو صغيرة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.
يعني محدش يدخل في حياتك، مش بيعلق على لبسك وكلامك، والمبدأ ده عرفناه في الغرب، وبنحكي ونتحاكى عنه من سنين، وهو في الأصل إسلامي ومذكور في حديث نبوي.
ولكن.. بعض الناس مقتنعة بتطبيق فكرة العلمانية التامة على بعض مساوئها وإن هي الحل في العالم العربي، أنا شخصياً متفهم الفكرة؛ لأنه صعب جداً أو تقريباً مستحيل إنك ترجع الناس إنها تطبق الدين الإسلامي بقواعده الصحيحة في ظروف المجتمع الحالية السيئة جداً – والتقييم ده مش مبني على أساس ديني على الإطلاق، ولكن من منطق إنساني بحت – عشان كده هما فكرتهم إننا لازم الأول نبدأ بفترة علمانية فيها حرية تامة للفكر، وبعد كده الناس لما يتفتح قدامها كل الاختيارات بدون تحديد هيختاروا صح، بس المهم الأول نضمن الحرية للجميع.
ده على اعتبار أن فكرة العلمانية ممكن تحل مشاكل كتير، أولاً هتجمع كل الأطياف عليها بدون اختلاف؛ لأن الكل عايز يضمن حريته، ثانياً هتخرج السلطة العسكرية تماماً من أي عمل سياسي، ثالثاً هتمنع تأثير المؤسسة الدينية.
من ناحية تانية، إحنا فعلياً ولحد دلوقتي لسه مش شايفين مثال ناجح لدولة إسلامية بالتصور اللي في عقل ناس كتير؛ لأنه لحد الآن ما زال تصور لم يتم تطبيقه عملياً، ممكن الحرية اللي هتوفرها وجود الدولة العلمانية تُنتج لينا فيما بعد تطبيق عملي لدولة إسلامية حقيقية، ده غير إن بعض المساوئ اللي ممكن تظهر من تطبيق العلمانية مقارنة بالوضع الحالي في الدول العربية تعتبر صفر على الشمال.
نظرياً الكلام ده ممكن تطبيقه، ولكن عملياً لو أخدنا الموقف المصري كمثال، النظام المصري ليست مشكلته مع الإسلام أصلاً بالعكس هو بيستخدم الدين للترويج لنفسه في بعض الأحيان، هو مشكلته الأساسية مع الحرية والديمقراطية والمساواة ده غير إن فئة كبيرة من الشعب بتتبع نفس منهج تفكير الدولة وبتعتبر الإسلامي إرهابي والعلماني خاين وعميل.
الخلاصة: إن الأصل في اللي يحكم مصر والناس ترضى عنه إنه لازم يتصرف بشكل معين بعيداً عن خلفيته الفكرية أو الثقافية، عشان كده شخص زي البرادعي صعب تلاقي اتنين متفقين إنه كويس؛ لأنه بيفتقد الفكر المصري في التعامل، وده هو وضّحه في آخر حوار له على سبيل السخرية من بعض الأحداث “إحنا مش في قهوة بلدي يا خالد”، بس الحقيقة إننا في قهوة بلدي، وعشان كده النتيجة النهائية إن البيئة أصلاً سيئة، ومش هينفع أي نظام “إسلامياً كان أو علمانياً” يبقي موجود إلا لو اتعامل مع المصريين بهذا النموذج.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.