كلنا نستحق بعضاً

يصرخ سكان منطقة ما لسنوات: نريد طريقاً مسفلتاً ليخدم منطقتنا، فهل من مُجيب؟!

فيخرج من وسطهم منقذ متحدثاً بثقة: سوف أذهب للمحافظ وأتكلم عنكم فهو صديق الطفولة، قالها وهو يعلم أن ابن خاله -سائق المحافظ- لن يرفض له طلب بعدما نقط ابنته في فرحها منذ يومين بـ100 جنيه ورقه واحدة.

وفي اليوم التالي يحدثه في المحمول، يُحرج السائق ألا يرفض طلبه، ويُلح على المحافظ ويخبره بأهمية هذا الطريق، فهو الأول في منطقة مبنية منذ سنوات مخبراً إياه عن طوله، فهو كيلو واحد فقط، ولكنه شُريان تلك المنطقة، فلم يقتنع إلا عندما أخبره أن لديه ابن عمة سينفذها بأقل سعر وأكبر مكسب، فلمعت عينا المحافظ وقرر ما سيفعل.

في اليوم التالي أحضر سكرتيره ليُخبره للبحث عن استشاري كما تنص القوانين لتنفيذ ذلك الطريق، ويراقب المقاول بس يكون مننا وعلينا، فيتذكر السكرتير ذلك المكتب الاستشاري المسؤول عن مشروع سابق، وكان له لقمة حلوة منها فيُكلمه وربك يرزق.

يأتي المهندس الاستشاري جرياً، معطياً مُحاضرة فصيحة للمُحافظ عن قدراته وأمانته وعن مدى التزامه، بعدما انتهى اتفق من أول جملة على العمل مع المُقاول المنشود، لتحقيق المكسب للجميع، إحم، أقصد لتحقيق مصلحة الوطن والمواطنين.

أسبوعان بالكثير ويبدأ العمل من أجل سرعة تنفيذ المصلحة -مصلحة الوطن- ويبدأ بغلق الطريق الحيوي الوحيد المؤدي لتلك المنطقة.

وتمر سنة كاملة والوضع كما هو عليه مجرد شارع مُغلق، ويتغير المُحافظ ويأتون بآخر معروف عنه النزاهة وسط أقرانه؛ ليفتح كل الملفات المُغلقة ويكشف المستور في ذلك المشروع الفاشل، ويبقى عاماً آخر بلا جديد سوى أوراق ومحاضر ومناقصات نزيهة كما تُعلن الجرائد لتأتي بمقاول آخر، صدفة وليس بأكثر زوج أُخت المحافظ الجديد، ولكن للنزاهة أتوا باستشاري تابع للمحافظة بعد جلسات طويلة للتوفيق ما بين الثلاثة في مصلحة الوطن، ومن سيخدمها أكثر، ليخرجوا معلنين لوكالات الأنباء عن استمرار العمل بطريقة نزيهة وسريعة وصحيحة لخدمة المواطنين بلا تأخير.

ويمر عام آخر ليأتي المحافظ ليفتتح الطريق بعدما تسلمه الاستشاري، وتتغنى الصحف بجمال الطريق وأنه لا يقل في المواصفات عن طرق أوروبا وأميركا، وأنه تم تزيينه بإشارات وأعمدة من أحدث التكنولوجيا في العالم.

منذ اليوم التالي وتحدث الحوادث من السرعة المفرطة على ذلك الطريق رغم النُّقر الكثيرة الموجودة به، وطريقة عمله الخاطئة غير الهندسية بالمرة، فيأتي الحل وتم عمل مطب لولبي حتى لا تصدم السيارات الأشخاص، أسبوع آخر وتم عمل إشارة أخرى غير التكنولوجية التي لم تعمل وجعلوا عليها عسكرياً لا يعرف أي شيء سوى أنه خرج من البلد ليقضي تجنيده فأخذوه ووضعوه في مفترق طرق وسيارات تذهب وتعود يومياً حاملة من يقود، وهو يتحدث بمحموله، وآخر يلعب عليه، وأب واضع ابنه على رِجله ومدام بتسوق، وهي تضع الميك أب وسيارات نقل تحمل أكبر من الارتفاع المسموح به وميكروباصات بلا أبواب، ولو بها أبواب فالناس مكتظة لخارجها وأوتوبيسات متهالكة وتكاتك ودراجات عادية وبخارية وسيارات بلا نمر، وهو لا حول له ولا قوة ولا يهون عليه سوى الناس الشيك اللي بيحنوا عليه في المناسبات بإفطار مرة أو حسنة مرة أو ميَّة في الحر مرة، والكل غير مرتاح لذلك الوضع ولكنه متحامل، ويظن المشكلة فيمن فوقه بلا حل.

حتى يأتي يوم ما وتحدث الكارثة! فهل نفوق؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top