<a ومضات.. طفل يتوسل ألا يمزقوا ثيابه الجميلة والجديدة حتى وهم يحاولون إنقاذ جسده الممزق بفعل قنابلهم، هو يريد أن ينضم لأخويه الشهيدين بأجمل حلة، ويريد أن يغادر شاشاتنا السخيفة لنضحك حتى الثمالة على مشاهد البلاهة الآتية، ثم نملأ خزائن أطفالنا بملابس الخزي والعار. ملاك صغير يلفظه البحر الآثم من جوفه بعد أن اغتال خلوده؛ ليلقيه في أحضان ذرات الرمل الساكن على شاطئ بعيد عن وطنه الغارق بالوحل والأنقاض. نشاهده ثم نبني مع أبنائنا قلاع الرمل الواهن على شطآن الانكسار، وننسى أن المد الجارف لخذلاننا سيجرف تلك القلاع بساكنيها. برعمان يبحثان فوق الأرض على فتات خبز بين الرمل والحصى لعل أقدامها الصغيرة تقوى بعد ذلك على حمل هياكلهما المنصوبة على عمدان الحسرة. نشاهدهما ثم نرمي أرغفتنا المغمسة بطعم التخاذل في الحاويات التي سترفض يوماً أن تضم بقايانا. متى ماتت قلوبنا؟ متى تحولت إلى حجارة صلدة مدفونة في هذه التماثيل البائسة؟ هل حضرنا جنائزنا بين قوافل الجنائز اليومية التي أصبحنا نتابعها بلا وعي؟ ألم يستوقفنا بكاء الشجر والحجر علينا؟ أموات نحن نمشي بثياب الأحياء، نجتر طعامهم وشرابهم، ونكدر صفو عالمهم الذي لا ندرك أننا طردنا منه. ألا يدرك أولئك الأحياء أن لنا حقوقاً عليهم؟ هم يخبئون شهادات وفاتنا في جنباتهم أملاً بعودتنا للحياة بعد الموت، يتألمون، يتعذبون، يصرخون على الشاشات أمامنا ولا يكلون من محاولة إنعاش هذه الصخور التي كانت يوماً بنيانهم المرصوص. أتعجب من إصرار هؤلاء البؤساء على ألا يشعروا بوحدتهم في هذا العالم الغادر. أنتظر اليوم الذي سيقررون فيه توزيع شهادات الوفاة علينا فجثثنا تنتظر الدفن، ورائحة الغدر والخيانة أصبحت تملأ الآفاق، فليخرجوا هذه الأوراق البالية من بين ثنايا جروحهم وليمدوا أيديهم المقطعة فترميها في وجوهنا الزرقاء. أصبحت الأرض مظلمة باردة، ورائحة الموت غطت على أنفاس الأحياء، والشمس ملَّت من الشروق على أكوام الموتى والتماثيل. البرد صديق الحجارة والصوان ومنه يتنفس الرخام، لكنه عدوهم الذي تآمر على نبضاتهم الدافئة ووقف إلى جانب الجلاد، فلنتكسَّر نحن ولنتحطَّم على عتبات التاريخ، وليجمعوا هم شهادات وفاتنا في كومة يريقون عليها الدموع والحسرات حتى تشتعل أمامهم فيسري الدفء في عروق الأرض وتبدأ بالدوران من جديد. <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>