ماذا تبقى من الإخوان

بالطبع، سيكون العنوان صادماً للبعض ممن يتمسكون بفكر الإخوان المسلمين بجمود شديد ورفض لكل ما يدعو إلى التجديد أو التدقيق أو المراجعات؛ بل سيكون الأمر مدعاة للتخوين وكيل الاتهامات التي تُلقى جزافاً -كما حدث معي في مرات سابقة- وربما يكون صادماً للبعض الآخر الذي من الممكن أن يضع غشاوة على عينيه ويسير في ركب المنقسمين بعد النظر في الجزئيات وعدم الأخذ في الاعتبار بصورة المشهد الكاملة.

لكنه سيكون مناسباً لكل من يهتم بالعمل الإسلامي ويحرص كل الحرص على استمرار الحركة الإسلامية ومشروعها الحضاري الممتد، وسيجد كل باحث عن الحق بُغيته فيه، أنا هنا في هذا المقال أُورد ما سيسألني عنه الله تعالى وأكون مسؤولاً عنه، فبعدما قرأت مقالاً قد كتبه المعتقل عيد البنا -نُشر مؤخراً- وقد لمست كلماتُه كلَّ ذي ضمير وقلب وعقل، ومما لا شك فيه أنه لا مزايدة على الاستاذ عيد أو أي من المعتقلين فهم يكتبون تاريخاً بصمودهم، ولا مجال للتشكيك في أي منهم إلا من ذوي الأمراض العقلية.

فرغت من هذا المقال ودققت النظر في كل ما آلت إليه أوضاع الإخوان، سواء في الداخل أو بالخارج، فلم أجد سوى الفكرة في الصدور محفوظة ولا شيء ملموساً على أرض النزال، لا جديد سوى شجب الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانون وتحميل النظام مسؤولية ذلك.

حاولت تحسس أي شيء خفيٍّ ربما وصل الإخوان إليه من خلال سلوكهم للاستراتيجية نفسها منذ يوليو/تموز 2013، فلم أجد جديداً سوى التقهقر إلى الوراء ولا جديد من الانتصارات الاستراتيجية التي تُحسب لصالح الإسلاميين الذين تقودهم جماعة الإخوان.

فكل الملفات التي فشل فيها النظام المنقلب جاءت ثمرة مجهوداته الفاشلة وليست بفعل الإسلاميين؛ ولذلك يُحاول دائماً إلصاق هذه التهمة بالإسلاميين، سواء في محاربة الإرهاب المزعوم أو في ملفاته الإقتصادية ذات الفشل الذريع.

لم أجد تحركاً واحداً ملموساً قد أتى بانفراجة على المعتقلين، الذين زادت أعدادهم بنسب دعت النظام إلى تشييد عدد هائل من السجون، في إشارة إلى كل معارض بطول الأمد في المكوث داخل المعتقل، في ظل تبخُّر أي أمل قد يؤدي إلى حدوث انفراجة تُخرجهم من هذا الظلام الدامس، في ظل أحكام جائرة تصل إلى السجن المؤبد والإعدام.

لم أجد تحركاً ملموساً قد أوقف أياً من الانتهاكات المتزايدة بحق المصريين؛ بل تزداد التصفية الجسدية كل شهر عن سابقه، بعد أن تخطت كل الخطوط وطالت أحد أعضاء مكتب الإرشاد، ويزداد مسلسل الاختفاء القسري حتى الظهور في قضية تلي تاريخ الاختفاء ربما بشهور!

لم أجد كذلك أي نتيجة للتحركات الخارجية لأعضاء الإخوان في الخارج ولا أي ممن يواليهم تحت اسم المجلس الثوري المصري، حتى زيارة الكونغرس السنوية لم تُسفر عن جديد سوى أن تم تفسيرها بأنها استجداء ممن ليس عندهم الخير.

لم أجد شيئاً مؤثراً سوى شيء من القنوات الإعلامية التي تعيد الحديث نفسه ليل نهار بالقيم والمسميات نفسها، فقط باختلاف الأحداث التي تتشابه في مضامينها؛ من قتل واعتقال ومحاكمات وأحكام وبراءات وانتهاكات بحق معتقلين وفشل اقتصادي للنظام… إلخ، عجزت التجربة الإعلامية عن تقديم ما يؤهل الناس للثورة من أجل العدالة والحرية.

تقف المعارضة المصرية، خاصة الإسلامية، منهكة أمام اللاجديد، فقط تقهقرٌ ورجوعٌ للخلف في ظل تقدم سياسي للنظام بدعم غربي؛ من أجل مشاريعهم الخاصة التي تُستخدم فيها تلك الأنظمة كفاعل لتنفيذ تلك المخططات، لدرجة أني قرأت لشاب يتساءل: ما التجاوز الذي إذا تخطاه النظام فلن يهدأ للإسلاميين بال؟!

وهو سؤال له دلالات كثيرة، منها: ضبابية المشهد، والعجز عن قراءة أبعاده، أو الثقة بالجماعات الإسلامية التي تخوض المقاومة السياسية. فضلاً عن مئات الكلمات التي أقرأها لشباب أصابه الملل من التقهقر الطاغي على المشهد السياسي للإسلاميين.

و من منظور داخلي، تقف الكتلة الشبابية على مفترق طرق حاد بين “التطرف” و”التهاون”، كثير من شباب الحركة الإسلامية أصابهم العطب جراء السير في بالاستراتيجية نفسها منذ 4 سنوات وآمنوا بفشلها وأنها لا تقدم جديداً؛ ومن ثم كان طبيعياً أن ينجرفوا نحو استراتيجية أكثر تطرفاً أودت بالكثير منهم إلى الإيمان بأفكار متطرفة، خاصةً من خاض منهم تجربة الاعتقال وعانى آلامها النفسية والجسدية، والبعض الآخر ممن سئم العمل العام وأراد الالتفات إلى المهنة والإعداد لمشاغل الحياة، في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية التي تعصف بحياة المواطن العادي، فابتعد عن العمل العام؛ حتى لا يجر على نفسه متاعب الملاحقات الأمنية أو التصنيف السياسي.

نقف بعد كل هذا على وجود انحراف فكري عام أخذ يعصف بالمجتمع المصري كاملاً، سببه التغييب المتعمَّد للجماعات الإسلامية عن المجتمع وفقر المتصدِّين -ممن تبقوا- حتى وصل هذا الانحراف لأبناء الحركة الإسلامية أنفسهم، سواء كان انحرافاً يمينياً أو يسارياً بسبب غياب البعث الفكري والتربوي الذي راح ضحية الأزمة السياسية.

أختتم تلك الكلمات، بأنه لا سبيل للتقدم سوى بمراجعة كل شيء؛ فقد أثبت الزمان أن سلوك هذا الطريق خطأ بشري لا بد من مراجعته، وأن تلك العقليات التي أودت بالحركة الإسلامية إلى هذا النفق المظلم لا بد لها أن تُحاسب ولو بعد حين، وأن التخبط والانقسام لا يصبان سوى في مصلحة العودة آلاف الأميال إلى الوراء، وأن جَلْد الذات سبيل لمعرفة الحقيقة، وأن النقد البنّاء لا يستلزم المهاجمة والتخوين، وأن التفاوض لا يعني الخيانة في ظل الضعف الظاهر. يبقى فقط أن نذكّر بأنه لم يتبقَّ من الإخوان سوى الفكرة راسخةً في النفس بلا مُوجِّه ناجح!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top