إذا نظرنا إلى مصر -ولا أدري إن كان هذا التوصيف أيضاً موجوداً في دول عربية أخرى!- ففي وجهة نظري هناك جنسيتان مصريتان: مصري أصيل ومصري افتراضي. وكان أول من صرح بهذا التقسيم الفنان علي الحجار في أغنيته الشهيرة “إنتو شعب وإحنا شعب”، الجنسية الأصيلة هي التي تتمتع بكل مميزات المواطنة في مصر مثل أي دولة تحترم مواطنيها.
وتتكون هذه الطبقة من أفراد القوات المسلحة والشرطة والسلك القضائي وبعض الإعلاميين ومشايخ السلطان ولاعبي كرة القدم والفنانين، وأظن أن هذه الطبقة لا تتعدي المليون شخص، أما الجنسية المصرية الافتراضية فهم فقط من وُلدوا على تلك المنطقة الجغرافية في الشمال الشرقي من قارة إفريقيا والتي تسمى مصر، ويمثلون أغلبية سكان هذه المنطقة والتي يبلغ عددهم نحو 90 مليون نسمة.
الجنسية الأصيلة هي التي تكوّن الحكومة، لكي تحكم وتتحكم وتسيّر شؤون المصريين الافتراضيين. بالطبع، كل التشريعات والقوانين والقرارات التي تقوم بها تلك الجنسية الأصيلة تكون في صالحهم ولا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالمصري الافتراضي، فإذا حدث أي عجز في موازنتهم يأخذون أموال الضرائب من المصري الافتراضي حتى لو وصل بهم الأمر إلى دعوة أصحاب الجنسية الافتراضية إلى “صبّح على مصر بجنيه” أو “أنا عاوز الفكة” أو زيادة فواتير الكهرباء والماء والمشتقات البترولية.
وأذكر بعض الفوارق بين الجنسيتين للمثال وليس للحصر:
تجد دائماً المصري الأصيل يعتز بجنسيته المصرية ويدندن بأغانيها الوطنية ولا يفكر أبداً بالسفر خارج موطنه للبحث عن الرزق أو الحياة الكريمة أو الحرية، فلا ترى شرطياً مصرياً أو ضابطاً بالقوات المسلحة يطير قلبه فرحاً إذا وجد فرصة عمل في دولة أخرى! ويرى المصري الأصيل أن من يتخلى عن جنسيته المصرية للحصول على جنسية دولة أخرى هو نوع من أنواع الخيانة ونكران الجميل للجنسية المصرية -مثلما حدث مع المصارع البلغاري.
الرعاية الصحية، فالمواطن المصري الأصيل له مستشفياته، كل فئة لديها مستشفياتها الخاصة، مثل مستشفيات القوات المسلحة ومستشفيات الشرطة، والتي لديها كل التجهيزات والإمكانيات، حتى بعض الزملاء العاملين في هذه المستشفيات يتحاكون عن كمية الأدوات والأجهزة الحديثة الموجودة في تلك المستشفيات والتي في أحيان كثيرة لا يعلمون كيفية تشغيلها أو الاستفادة منها. وللفئات الأخرى غير أفراد القوات المسلحة والشرطة، هناك المستشفيات الخاصة التي يتعاقد معها بقية أفراد تلك الجنسية الأصيلة، فالمصريون الأصلاء لهم الحق في العلاج بهذه المستشفيات وبأسعار مخفضة قد تصل إلى المجانية.
على العكس، الجنسية الافتراضية تتمتع بالرعاية الصحية الكاملة في مستشفيات وزارة الصحة المصرية التي تفتقر معظمها إلى المعدات والموارد، وفي القريب إذا تمت الموافقة على قانون المهن الطبية فسوف تفتقر إلى الأطباء أنفسهم. وإذا كنت تحتاج إلى إجراء أي عملية جراحية أو أي خدمة طبية، فعليك أولاً شراء كل المتطلبات اللازمة من مالك الخاص. ولو كان المصري الافتراضي لديه بعض المال، فيمكن أن يذهب إلى العيادات الخاصة والمستشفيات الخاصة ليحصل على الخدمة الطبية بأعلى الأسعار.
الأجور، فسوف تجد أصغر فئات تلك الجنسية وهم أمناء الشرطة مثلاً، له مرتب أساسي نحو 3 آلاف جنيه، هذا غير الحوافز والبدلات والإتاوات التي يفرضها علي المصري الافتراضي. عكس ذلك تماماً، المصري الافتراضي، لا يجد أي فرصة عمل، ولو وجد فتكون بأقل الأجور، ولو اعتمد على نفسه وحاول أن ينفذ أي مشروع صغير فسيأتي هذا المصري الأصيل ليقفل له كل أبواب الرزق أو يفرض عليه إتاوة يومية أو شهرية.
كذلك المصري الافتراضي الغني، إذا أراد القيام بأي مشروع كبير فلا يتم الموافقة على هذا المشروع إلا بإدراج أحد أفراد المصريين الأُصَلاء كشريك له في المشروع؛ كي يسهّل كل الإجراءات لكي يحصل على التصاريح اللازمة، وأيضاً تكون الإتاوة الشهرية، أو لنختار لفظاً أكثر لباقةً “نسبة من الأرباح”.
السكن، فللمصري الأصيل تجمعاته السكانية الخاصة؛ بل مدن سكنية خاصة، أولاً: يأخذ تلك العقارات بأسعار مخفضة. ثانياً: من دون مقدم. ثالثاً بقسط شهري بسيط لمدة طويلة من الزمن. فيأخذ ما يحلو له من العقارات، وإن لم يسكنها، فهي نوع من أنواع التجارة الرابحة يبيعها للمصري الافتراضي بأعلى الأسعار.
أما المصري الافتراضي، فلا بد أن يسير في كل التعقيدات والإجراءات كي يحصل على أي عقار بالقسط. ولحل هذه المشكلة، قامت حكومة المصريين الأُصَلاء بتشييد بعض العقارات وإجراء قرعة للمصريين الافتراضيين؛ لضمان الشفافية والعدل في التوزيع، وطبعاً تجد أسماء المصريين الأُصَلاء هم من فازوا بالقرعة!
لو جئنا للأمن والحرية، فالمصري الأصيل فوق القانون الموضوع للمصري الافتراضي، فإذا كان صاحب سيارة فلا يضع أرقاماً لسيارته، يكفي فقط أن يضع “هيئة قضائية” أو “نسر” على لوحة الأرقام؛ كي لا يسأله أحد أو لا يعترضه أحد من المصريين الأُصَلاء إخوانه في الوطن.
إذا كان يمشي في أحد الطرق السريعة فلا يدفع “إتاوة الطريق” مثله مثل المصريين الافتراضيين. إذا نشبت بينه وبين أحد المصريين الافتراضيين مشاجرة، فيستطيع بكل أريحية أن يقتله؛ لأنه فوق قانونهم ولا أحد يستطيع أن يحاسبه، فإذا انتشرت قصته -وهذا لا يحدث إلا قليلاً- على مواقع التواصل الاجتماعي فلا تقلق، سيقوم المصريون الأُصَلاء في الحكومة بتجميع الأدلة على أن ذلك المصري الافتراضي القتيل هو إرهابي، أو عميل لدولة أجنبية، أو خلية نائمة، أو طابور خامس، وعندها سوف تكون في نظر المصريين الافتراضيين البطل الذي دافع عن أرض وطنه وقتل الإرهابي.
ولا أريد أن أظلم من يعتقدون أنهم مصريون أُصَلاء؛ فهم مقسمون أيضاً إلى طبقات لا يستطيع أحد منهم التعدي على الطبقة الأعلى منه، فلا يتساوى أمين الشرطة مع اللواء أو القاضي مثلاً. لكنهم متساوون في ظلمهم واحتقارهم وقهرهم للمصريين الافتراضيين.
أنا أرفض مبدأ “التعميم”؛ فلا بد أن هناك الكثير من المصريين الشرفاء داخل من يعتقدون أنهم مصريون أُصَلاء، ويعترضون على هذا الظلم، ولكنهم قلّة، ولا يقدرون على الإفصاح عن نواياهم، ولو أفصحوا فسوف يكون مصيرهم مثل مصير أي مصري افتراضي.
في النهاية، نتمنى أن يظهر لنا شخص مثل أحمد عرابي يجمعنا كـ”مصريين أحرار”، ويخرج أمام من يحكمونا ممن يعتقدون أنهم مصريون أُصَلاء والذين يدّعون أن “كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت مُلك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا”، ليرد عليه قائلاً: “لقد خلقنا الله أحراراً ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً، فوالله الذي لا إله إلا هو لن نُورّث ولن نُستعبد بعد اليوم”.