هوامش إضافية على دفتر النكسة

-1-

“أنعى لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمة
والكتبَ القديمة
أنعى لكم..
كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة”
***********
بالطبع لم أدرك النكسة، ولكني أعرفها جيداً، فقد كنت أراها بوضوح في جيل آبائنا التي أصابتهم، وهم في مقتبل شبابهم وفي ذروة اندفاعهم نحو أحلامهم الشخصية والوطنية؛ لتتركهم في حالة من الصدمة وعدم الثقة بالنفس والانكفاء على الذات، والأهم من ذلك أنها علمتهم الحذر المرضي من الأحلام وإن كانت مشروعة، وهي الصفات التي حرصوا على أن يورثوها لمن بعدهم باعتبارها خبرة السنين!

-2-

“ما دخلَ اليهودُ من حدودِنا
وإنما..
تسرّبوا كالنملِ.. من عيوبنا”
***********
تجيء الذكرى الخمسون للنكسة لتذكرنا أن أعداءنا هم الصهاينة الذين يغتصبون الأرض والإنسان والتاريخ والحضارة، وأن المقاومة بكافة أشكالها حق وشرف، وهي البديهيات التي ضاعت بين السماسرة الذين يقايضون عليها في مقابل ثمن بخس، وبين المرابين الذين يبذلون في سبيلها درهماً ويريدون في مقابله قنطاراً.

-3-

“نجعلُ من أقزامنا أبطالا..
نجعلُ من أشرافنا أنذالا..
نرتجلُ البطولةَ ارتجالا..”
***********
في مصر لم نتعلم من درس النكسة شيئاً، فلا يزال العسكريون يظنون أنهم كهنة معبد الوطنية المصرية، فيفتحون السجون لآلاف المصريين ممن ينادون بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بزعم أنهم “أعداء الوطن والطابور الخامس”، ويصادرون الإعلام لصالح بيانات الشؤون المعنوية الملفقة وأكاذيب الأمن الوطني، ولدينا أنصاف آلهة معصومون من عينة “ناصر” وأدعياء ثرثارون من عينة “عامر” وأغبياء عديمو الكفاءة من عينة “شمس بدران” في كل أجهزة الدولة، ثم في النهاية نتعجب لماذا صارت النكسة نكسات، سياسية واقتصادية وأمنية وصحية وتعليمية ومجتمعية.

-4-

“نريدُ جيلاً غاضباً..
نريدُ جيلاً يفلحُ الآفاقْ
وينكشُ التاريخَ من جذورهِ..
وينكشُ الفكرَ من الأعماقْ
نريدُ جيلاً قادماً..
مختلفَ الملامحْ..
لا يغفرُ الأخطاءَ.. لا يسامحْ..”
***********
منذ أكثر من خمسة عقود، ونحن ننتظر جيلاً “مختلف الملامح”، لكننا لا نثق إلا فيمن يشاركنا أفكارنا، ويفهم الدين كما نفهمه، ويقرأ التاريخ كما اعتدنا أن نقرؤه، ويعتنق ذات المبادئ التي نعتقدها. حقاً نحن لا تعجبنا أحوالنا، لكننا لا نثق إن نحن أعطينا الأجيال التي تلينا حرية الاختلاف أن يقودونا إلى ما هو أسوأ.
حقا.. هل ظل هنالك ما هو أسوأ؟!

-5-

ويلحق جيل الثورات العربية بمن سبقه من أجيال النكسة وكامب ديفيد وحروب الخليج وسقوط بغداد؛ ليقف محبطاً وعاجزاً، مخاطباً أطفاله بذات الكلمات التي رثى بها نزار قباني جيله منذ خمسين سنة:
“لا تقرأوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ
فنحنُ خائبونْ..
ونحنُ، مثلَ قشرةِ البطيخِ، تافهونْ
ونحنُ منخورونَ.. منخورونَ.. كالنعالْ
لا تقرأوا أخبارَنا
لا تقتفوا آثارنا
لا تقبلوا أفكارنا
فنحنُ جيلُ القيءِ، والزُّهريِّ، والسعالْ
ونحنُ جيلُ الدجْلِ، والرقصِ على الحبالْ
يا أيها الأطفالْ:
يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ
أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمة
وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمة”

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top