<a أكيد أن الجزائريين من العنوان علموا عمن نحن بصدد الحديث عنه، نعم إنه الجنرال محمد مدين توفيق، رب الجزائر، كما كان يلقب قائد جهاز الاستخبارات لربع قرن من الزمان، الرجل الذي لم تظهر له صورة، وحتى الصور التي ظهرت فيها شكّ كبير أنها ليست له. الجنرال توفيق لم يتحرك رغم الحراك السياسي الكبير في الجزائر، ولم يولوه أي منصب منذ أن تمت إقالته بطريقة غريبة جداً، حتى إنه لم يتم تكريمه نتيجة الخدمات التي قدمها لطيلة عقدين من الزمان للجزائر، وكذلك لا ينكر أي جزائري أن محمد مدين توفيق كان من الذين طالبوا بترشح بوتفليقة سنة 1999، وكان له ذلك بفوز عبد العزيز بوتفليقة بكرسي قصر المرادية، كذلك دعم محمد مدين الرئيس بوتفليقة في 2004 حين انقسم الجيش بين داعم لابن فليس وداعم لبوتفليقة؛ حيث تخلّى هناك الفريق عن أصدقائه العربي بلخير ومحمد العماري من أجل بوتفليقة. هل ارتكب الجنرال توفيق خطأً فادحاً؟ بعد دعمه اللامشروط لرئيس الجمهورية طيلة عهدتين رئاسيتين، دعم قائد جهاز المخابرات الرئيس لعهدة ثالثة؛ حيث سمح له بتغيير الدستور والترشح والفوز كذلك بالانتخابات، وهو ما جعل الجميع يشكك هل حقاً المخابرات هي من تُعيّن الرؤساء كما كان يشاع عنها أم أنها مجرد جهاز أمني تنفيدي كباقي الأجهزة الأمنية. فقدت المخابرات هيبتها، ولكنها سرعان ما عادت واعترضت على ترشّح بوتفليقة لعهدة رابعة، كون السبب الذي كان وراء قبولهم العهدة الثالثة هي حالة الغليان التي كانت تشهدها البلدان العربية، وما يطلق عليه اسم الخريف العربي الذي أتى على الأخضر واليابس حينها. لم تكن تريد المخابرات الخراب للبلاد ولا للعباد، لم تكن ترغب في أن تلفحها نار جهنم التي كانت على الحدود، ورؤية منها سياسية بحتة دعّمت النظام الحالي للبقاء في السلطة، لكن دور المخابرات لم يكن يقتصر على تعيين الرؤساء، بل كذلك كانوا مكلفين بتتبع القضايا الوطنية، وخاصة منها تلك المتعلقة بنهب المال العام بجهاز يسمى الشرطة القضائية، أحد أبرز الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية الخزينة العمومية، فتحت المخابرات العديد من الملفات لقضايا فساد راح ضحيتها عدد من الوزراء في مختلف القطاعات، لكن العدالة لم تتحرك لمحاسبة أولئك الذين تورطوا في قضايا كهذه، وهو ما جعل المخابرات تفقد الأمل في مصداقية العدالة الجزائرية، فخرجت علناً للإعلام طارحة كل الملفات على شاشات التلفزيون والجرائد؛ ليعلم المواطن أين هي أمواله وما مصير ألف مليار دولار، تنقل ضباط المخابرات بين مختلف الدول لتوفير الأدلة الدامغة على هؤلاء الأشخاص، لكن لمن تقرأ زابورك يا داوود! إقالة محمد مدين وحل المخابرات عمل هذه الأخيرة على ملفات ثقيلة أزعج أطرافاً داخلية وخارجية، وهو ما عجّل بحل الجهاز المرعب الذي كان يرعب كبار القوم والمواطنين على حد سواء. كرونولوجيا سقوط المخابرات بدأت الحملة من أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم بالبلاد عمار سعيداني، ففي كل خرجة أو تصريح إلا وكان الجنرال توفيق حاضراً فيها مكيلاً إياه كل أنواع التجريح والكلام القاسي، تلتها تبعات على منبر قناة إخبارية جزائرية تحسب على أطراف في السلطة اتخذت القناة نفس توجه الأمين العام السابق، وهو التنكيل بسمعة محمد مدين، لِيَلِيها بعدها بأيام مرسوم رئاسي إحالة مدين على التقاعد. انتهت الأسطورة وبقي الصدى محمد مدين يخرج للعلن برسالة موجهة للرأي العام خرج محمد مدين بعد مدة للعلن ليس بفيديو ولا بتسجيل صوتي، بل برسالة نقلها أحد معارف جنرال سابق للصحافة، كان مضمون الرسالة الدفاع عن الجنرال حسان الذي كان متهماً بتهم خطيرة تسيء لسمعة المؤسسات الأمنية وللجزائر، كذلك الجنرال توفيق في خرجته تحمّل المسؤولية كاملة/ وقال: الجنرال حسان كان يعمل تحت إمرتي وما قام به كان بطلب منّي، وكل شيء فعله إلا وأورد تقريراً مفصلاً لشخصي، وكأنه يقول: إذا كان لديكم شيء ضده فهو ضدي، تعالوا ولنقف أمام المحاكم ولنرَ مَن منا سيحكم له ومَن سيحكم ضده؟! خرجة محمد مدين لم تكن اعتباطية، بل جاءت لتعيد صوته المسموع، وهو مهما علا وارتفع صوتكم فلا صوت يعلو فوق صوتي، وأنا مَن يسيركم حتى ولو كنت مُقالاً أتعبكم وأرهقكم، مضمون الرسالة كان دفاعاً عن حسان، وكذلك جاء تحدياً ضمنياً للسلطة الحاكمة بقوله: كل شيء فعله كان بطلب منّي وبموافقة من شخصي، فهل لكم الجرأة كي تتحدوني؟! السلطة لم ترد على رسالة محمد مدين، ولا الرئاسة نشرت بياناً للرد عليه، لكن الرسالة قابلتها حركات كبرى على وسائل التواصل الاجتماعي، ففئة كبيرة من الشعب أبدت ولاءها التام لرئيس مخابراتها، في حين قال كبار الساسة الملتزمين بالحياد: هل يمكن لبلد كالجزائر أن يعيش دون جهاز مخابرات قوي؟ السلطة كانت مجبرة على ما يسمى الدولة المدنية، ولكن هل تعتبر المخابرات سلطة عسكرية وهي مستقلة كلياً عن قيادة الأركان؟ لم أشأ أن أتحدث في كثير من الأمور التي ربما لو كشفت عنها ها هنا سأجد نفسي مهاجراً غير شرعي بوطني، أو لاجئاً سياسياً ببلد آخر. ما يسمى حرية التعبير غائبة، وكان الله في عون الجميع. <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>