تجد روسيا نفسها في خانة التساؤل حول مستقبل البلد بعدما ينهي الرئيس الحالي فلاديمير بوتين شوطه الأخير في قيادتها. والسؤال الأدق هو: من الخليفة الذي سيصطفيه بوتين؟
راهن الرئيس فلاديمير بوتين كثيراً على هذه الانتخابات ليثبت من خلال الأرقام شعبيته التي اكتسبها كأقوى رجل في العالم. ولكن هذه الانتخابات لا تتمحور فقط حول فوزه، بل تبشر ببداية عهد روسيا ما بعد بوتين.
البحث عن بطل جديد
ويُعدّ دور بوتين اليوم في أذهان عامة الروس على أنَّه مؤسس الدولة الحديثة وحامي الكرامة الروسية، ومن أعاد للدولة مكانتها كقوة عظمى. والشباب الذين تقلُّ أعمارهم عن 25 عاماً هم أشد مؤيديه، خلافاً للتصورات الغربية بهذا الشأن.
تحليل على صحيفة “New York Times” تحت عنوان “أهلاً بجيل بوتين”، تحدث عن الجيل الشاب الذي شبّ على بوتين كرئيس منذ توليه الحكم العام 1999، أي عندما لم يتخطوا العشرة أعوام.
ونشرت صحيفة Mocsow Times على سبيل المثال تقريراً أشارت فيه إلى ولادة 1.4 مليون طفل ذاك العام، صوتوا لأول مرة قبل أسبوعين.
تحليلات مشابهة تكررت على صحف أميركية مثل Washington Post و Time وغيرها الكثير. كلها تتحدث عن دور هذا الجيل الذي انتخب بوتين قبل أيام ويتحضر لتسلم ما يعدّه بوتين لها قبل الرحيل.
ووفق تحليل New York Times، لا يفكر بوتين في هوية خليفته، بل يريد أن يخلفه جيلٌ كامل. فهو يرتب لنقل السلطة من جيله إلى “جيل بوتين” (أو Generation P)، أي سياسيين نشأوا وتشكّلوا في فترة حكمه. ويستشهد الكاتب إيفان كراستيف بتعيين 9 سياسيين شباب كحكام محليين قبل الانتخابات بأشهر.
يأمل بوتين أن يحافظ هذا الجيل على الإنجاز الكبير الذي حققه: صعود روسيا مجدداً كقوةٍ عظمى، وأن يكون قادراً وعازماً على مقاومة الولايات المتحدة. فبوتين لا يعتبر السياسة الخارجية مجرد أداة، بل هي بالنسبة له هدفٌ نهائي.
شبان تكنوقراط منفتحون على العالم
تشمل مجموعة الشباب هذه تكنوقراطيين من خبراتٍ وخلفياتٍ متباينة، ولكن يجمعهم أمرٌ واحد: الولاء للنظام الحاكم، مع إدراكهم لأوجه القصور لديه. يرون أنفسهم كمديري أزمة أكثر من كونهم قادة وأصحابَ رؤية، ويثقون بالتكنولوجيا ويرتابون في السياسة. يتقنون تنفيذ أوامر بوتين، ويجهلون كيفية الاختلاف معه.
هذا الجيل يعد الأكثر تواصلاً مع الآخرين بفضل قدرته على الوصول إلى المعلومات أكثر من أي من جيل سبق. ويبدو أن استراتيجية الكرملين التي استمرت لسنوات حول “الديمقراطية المُدارة” – والتي أوجدت مظاهر الحرية السياسية على الرغم من الواقع المتسلط – نجحت على ما يبدو، والدليل نتيجة الانتخابات.
لكن التغيير الجيلي المرتقب في الواقع الروسي يخبرنا القليل عن مستقبل النظام الحاكم، لأنَّ الرئيس بوتين هو العنصر الأهم فيه، ولكنَّه أيضاً نقطة الضعف الكبرى. فهو يهيمن على المشهد السياسيّ لدرجة أنَّه لا يُرقِّي إلى القمة سوى الأشخاص أصحاب الطموحات المحدودة، الذين يعرفون فقط كيف يعملون بفاعليةٍ مع الرئيس، ولكن لا يمكنهم أن يصبحوا رؤساء.
حتى وقتٍ قريبٍ كان السؤال الذي يطرح نفسه في أعقاب كل انتخاباتٍ روسيةٍ هو ما الاتجاه الذي سيسيطر على الكرملين: اتجاه التحديث الغربي، أم الاتجاه المتشدد المُعادي للغرب؟ ولكنَّ هذا السؤال لم يعد مناسباً بل أصبح: ماذا بعد؟
فحتى وإن كان أبناء جيل بوتين يتحدثون اللغة الإنكليزية وتخرجوا في جامعة الغرب، أو يعملون في شركاتٍ دولية كبيرة، لن تدل هذه الأشياء الكثيرة عن الآراء السياسية لقادة روسيا المستقبليين. فجيل تكنوقراطيي بوتين نشأ على النمط الغربي، لكنَّه لا يؤيد الغرب.
فأبناء هذا الجيل يعرفون الاشتراكية من خلال كتب التاريخ، ويستخدمون أجهزة الآيباد ويعشقون هواتفهم الذكية ويستخدمون شبكات الإنترنت كل يوم.
نادراً ما يشاهدون التلفاز، ويعيشون على الخطوط الرمادية التي دمجتها التكنولوجيا بين الشرق والغرب. لكن هذا الانفتاح على العالم يثير مخاوف بشأن ظهور حركات شعبوية.
البعض يحلم بالديمقراطية على الطريقة الغربية، ولكن العديد من الشبان الروس يحلمون أن تعود روسيا قوة دولية عظمى.