اجتمعوا، تناقشوا، وحدَّدوا ساعة التنفيذ.. كواليس اتخاذ زعماء أوروبا قرار التصعيد مع بوتين

فرض الحديث عن روسيا نفسه على اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي مساء الخميس الماضي في عشاء عمل داخل المقر الجديد للاتحاد في العاصمة البلجيكية بروكسل. استعرضت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي معلومات تفصيلية حول احتمال أن تكون روسيا وراء الهجوم بغاز الأعصاب على الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في مدينة سالزبري البريطانية.

وفي صباح اليوم التالي، وافق زعماء الاتحاد الأوروبي على ضرورة اتخاذ موقف موحد، وقرروا استدعاء سفير الاتحاد إلى روسيا، الدبلوماسي الألماني ماركوس إدرر لمدة شهر للتشاور. فيما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة أن يعود كل زعيم إلى وطنه لدراسة فكرة طرد الدبلوماسيين الروس، بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقال الرئيس الفرنسي: “فلنفعل ذلك يوم الإثنين في الثالثة مساءً”، بحسب ما أورده أحد كبار المسؤولين الأربعة، الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم نظراً لحساسية القضية.

سابقة أولى لتنسيق طرد الدبلوماسيين

ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يعتد مثل هذه المواقف الحادة، فإن طرد الدبلوماسيين الروس في أنحاء أوروبا يوم الإثنين كان بمثابة إشارة حادة وواضحة، جاءت بالتنسيق مع خطوة مماثلة أوسع نطاقاً اتخذتها الولايات المتحدة التي قامت بطرد 60 روسياً، وأشارت إلى إجراءات أشد قسوة لمعاقبة السلوك السيئ الذي يمارسه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقال أيان بوند، الدبلوماسي البريطاني السابق في موسكو: “لا أذكر أي مناسبة سابقة قامت خلالها العديد من البلدان بالتنسيق معاً بشأن طرد الدبلوماسيين”، مضيفاً أنه بالنسبة للبلدان الأصغر “فإنها المرة الأولى التي تطرد أي دبلوماسي روسي منذ انتهاء الحرب الباردة”.

ورغم أن روسيا هي مورد الطاقة الرئيسي لأوروبا إلا أنها سياسياً تظل قضية شائكة دائماً بالنسبة للاتحاد الأوروبي، خاصة مع انقسام الرأي بين الزعماء الأوروبيين حول مدى وكيفية مواجهة بوتين. لكن المسؤولين الأوروبيين لم يستطيعوا تجاهل فجاجة حادث الجاسوس الروسي.

تبرير غير مقنع وتصعيد بريطاني

وقد قدمت روسيا عدة تبريرات لتوضيح الهجوم على الجاسوس وابنته ونفي أي مسؤولية عنه. وهو ما اعتبرته لندن تضليلاً. فيما انتقد السفير الروسي الجديد في ألمانيا سيرغي نيتشاييف بيان الاتحاد الأوروبي، المتضامن مع بريطانيا في القضية، وقال إن “مثل هذه اللهجة غير مقبولة”.

لكن أحد كبار المسؤولين الأوروبيين علق بقوله: “إنها عملية استخباراتية تم تنفيذها باستخدام أسلحة كيميائية. ما يعني أن الأمور انتقلت إلى مستوى مختلف تماماً”.

وفي بريطانيا، قامت ماي بالفعل بطرد 23 دبلوماسياً روسياً في وقت سابق من هذا الشهر، بينما تحدث أعضاء مجلس وزرائها بلهجة حادة وصارمة ضد بوتين.

عندما توافق ألمانيا وفرنسا ماذا يفعل الاخرون

وكان الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من أشد مؤيدي دعوة ماي لاتخاذ إجراءات صارمة، حيث قاما بالتنسيق مع بريطانيا في التصعيد ضد روسيا. وقدمت السلطات الفرنسية إلى السلطات البريطانية مساعدات تقنية حول تحليل قضية التسمم وتوصلوا إلى النتيجة نفسها. وحينما وافقت فرنسا وألمانيا على تلك الإجراءات، انصاع الآخرون في الاتحاد الأوروبي   للأمر، رغم بعض التذمر.

في صباح الإثنين الماضي تم الانتهاء من صياغة القرار ، وتم إعداد بيان لدونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي، حيث تم التصويت على اتخاذ قرار تصعيدي ضد الدبلوماسيين الروس  وكانت النتيجة موافقة 16 دولة من بلدان الاتحاد الأوروبي على طرد واحد أو أكثر من الدبلوماسيين الروس لديها، بينما كانت تدرس بلدان أخرى، مثل أيرلندا، الانضمام إلى القائمة.

الذين قالوا لا في وجه من قالوا نعم

لقيت النتيجة رضا تاماً في بروكسل، لأن الدول التي لها علاقة وثيقة مع روسيا بوتين وافقت على القرار الأوروبي حيث وافقت المجر، التي تحظى بعلاقات طيبة مع بوتين، وافقت على طرد دبلوماسي روسي واحد. ولم تكن اليونان وقبرص، ولديهما علاقات وثيقة مع موسكو، ترغبان في القيام بذلك من دون ظهور أدلة دامغة على تورط روسيا في الأمر. ولم ترغب بعض البلدان الصغيرة، مثل مالطا، في فقدان تمثيلها الكامل في موسكو والمخاطرة بقطع العلاقات نهائياً.

وخيبت النمسا آمال دول التصعيد حيث رفضت طرد أي دبلوماسي بعد أن أصبح حزب الحرية اليميني يسيطر على وزارة الداخلية. في حين طلبت بلغاريا، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد، عدم المشاركة في ذلك القرار مشيرة إلى ضرورة التزام الحياد رغم أن علاقاتها بموسكو واضحة.

وقال رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف يوم الجمعة الماضي: “إننا ندعم موقف بريطانيا. ورغم وجود احتمالية كبيرة للتورط، إلا أننا لا نستطيع اتخاذ قرار بهذا الشأن، دون وجود أدلة”.

التشيك حالة خاصة

أما جمهورية التشيك، التي كانت قد طردت بالفعل 3 دبلوماسيين روس، فتمثل  حالة مثيرة للاهتمام، حيث أشارت بعض القنوات الإعلامية الروسية إلى أن غاز الأعصاب قد وصل إلى بريطانيا من خلالها. فيما نفى  رئيس الوزراء بالإنابة أندريه بابيس ذلك يوم الإثنين الماضي تورط بلاده، قائلاً: “إن روسيا تجاوزت كل الحدود عندما أعلنت أن المادة السامة نوفيتشوك قد جاءت من خلال جمهورية التشيك. إنها كذبة كبرى”.

في حين رفض الرئيس التشيكي ميلوش زيمان، القريب من روسيا، فكرة طرد الدبلوماسيين. ودعا أجهزة الاستخبارات، في بيان له، إلى التأكد مما إذا كان نوفيتشوك قد تم تصنيعه أو تخزينه بالبلاد – رغم أن مسؤولي الحكومة أنكروا ذلك تماماً.

إيطاليا تنتقد القرار

وأثار رد الفعل الإيطالي غضب البعض، نظراً للمفاوضات الجارية لتشكيل حكومة جديدة بعد الظهور القوي للأحزاب الشعبية خلال الانتخابات الأخيرة. وقد انتقد زعيم حزب الاتحاد ماتيو سالفيني – والذي يعد حليفاً لبوتين – قرار طرد الدبلوماسيين. وكتب يوم الإثنين بعد إعلان إيطاليا طرد اثنين من الدبلوماسيين الروس يقول: “إن مقاطعة روسيا وتجديد العقوبات وطرد الدبلوماسيين لن يحل المشكلات بل يؤدي إلى تفاقمها. الحوار هو الوسيلة المثلى. أريد حكومة تعمل لمستقبل من السلام والنمو والأمن. فهل أطلب الكثير؟”.

وفي بروكسل، ذكر بعض المسؤولين أن تنسيق عملية طرد الدبلوماسيين يثبت أن تضامن بلدان الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتجاوز قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي أو المفاوضات  بشأن ذلك القرار، في حين رفض آخرون ذلك التفسير. إلا أن عمليات طرد الدبلوماسيين يوم الإثنين كانت بمثابة انتصار لتيريزا ماي.

وفي بيانها الذي أدلت به أمام مجلس العموم يوم الإثنين، ذكرت ماي أنها ناقشت مع نظرائها الأوروبيين “ضرورة أن يكون هناك إعادة تقييم لكيفية معالجة جهودنا الجماعية للتحدي الذي تفرضه روسيا في أعقاب إعادة انتخاب الرئيس بوتين بالصورة المثلى”

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top