بينما تخطو السعودية والعراق نحو مزيد من التقارب في المجال السياسي، الذي يفترض أن يخفف التوتر الطائفي بالمنطقة- تبدو العقبة الرئيسية أمام تحقيق هذا الهدف متمثلةً في حرب الأفكار التي يشنها المذهبان الشيعي والوهابي أحدهما ضد الآخر.
ولكن مع سعي العراق بقيادة العبادي لتحقيق مصالحة داخلية وانفتاح على المحيط العربي، وإعلان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عزمه القيام بخطوات في مجال الإصلاح الديني وتوجيه انتقاداً ضمنياً للوهابية– فإن هناك حاجة لحوار ديني واسع لمناقشة دور الشيعة والسنّة بالمنطقة، حسبما يرى بايام محسني وعمار نقشواني، الخبيران في الشؤون الإيرانية لدى جامعة هارفارد، في مقال نُشر بمجلة National Interest الأميركية.
فهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) فتحت فصلاً جديداً للعراق في الملحمة الجيوسياسية المحتدمة المُعقَّدة بالفعل في الشرق الأوسط، لتتيح بذلك فرصةً مهمةً لحل التوترات الطائفية وإعادة بناء الدولة العراقية والمجتمع العراقي مرةً أخرى.
فانحسار التهديد الجهادي المتطرف نصرٌ واضح رائع، لكنَّه محفوفٌ بالمخاطر التي قد تؤدي إلى عودة صراعٍ دموي طويل، حسب الكاتبين.
الأزمة.. كيف صنع السيستاني الحشد الشعبي؟
قبيل صعود داعش، كان العراق قد تحول لدولة جوفاء؛ بسبب 10 سنوات من المحاولات الفاسدة الفاشلة لبناء الدولة، فضلاً عن الحركات الجهادية المعارضة للوجود الأميركي في العراق، والتوترات السُنِّية الشيعية المُدمِّرة، وإهمال السُنَّة والطبقات الدُنيا من الشيعة والجماعات المُهمَّشة الأخرى.
كان السبب في نجاح تنظيم داعش يعود جزئياً إلى ضعف الدولة العراقية؛ إذ تلاشى الجيش العراقي تماماً في مواجهة 2000 مقاتل من تنظيم داعش بالموصل عام 2014، وأسفر التطرُّف وسط السُنَّة العراقيين عن التعاطف نوعاً ما مع قضية داعش في البداية.
ولعب المرجع الشيعي علي السيستاني دوراً في التصدي للتنظيم؛ عندما أصدر في بداية توسُّعه فتوى حاسمة، غيَّرت المعادلة على أرض المعركة جذرياً؛ إذ دعت الشيعة للقتال، وأسهمت في ظهور “قوات الحشد الشعبي”، وجلبت عدداً كبيراً من المتطوعين إلى محاربة داعش بكميةٍ أكبر مما يمكن استيعابها.
وأثبتت الجماعات الشيعية المُسلَّحة، التابعة لإدارة الإيرانيين والمُدرَّبة على أيديهم، باستعادتها السريعة شمال العراق ونجاحاتها الاستراتيجية عبر الحدود في سوريا، أنَّها طرفٌ فاعل على الأرض في تشكيل الواقع الجيواستراتيجي الجديد، بحسب المقال.
بيد أنَّ الانتصار على داعش في العراق، بما فيها نتائج فتوى السيستاني، تمخَّض عن معضلاتٍ فريدة أمام مكافحة الطائفية.
عولمة للطائفية.. كيف سيلتقي المعسكران في الانتخابات؟
المشكلة أن هذه المعارك وضعت جهاديين وهابيين من أنحاء العالم في مواجهة مقاتلين شيعة عابرين للحدود بأماكن مثل سوريا والعراق، وهو ما يُمثِّل عولمة للطائفية الدينية في بؤر الصراع بجميع أنحاء الشرق الأوسط.
وبينما ساعدت فتوى السيستاني -بلا شك- في دعم قوات الحشد الشعبي، فإنه كان دائماً ما يصوغ كلامه بتأكيد شرعية قوات الأمن الحكومية العراقية، ويوضِّح موقفه المتحفظ المتوازن تجاه قوات الحشد الشعبي.
وعلى الرغم من ذلك، تُعَد قوات الحشد الشعبي مظلة كبيرة تضم العديد من الفصائل التي تعمل على نحوٍ مستقل تماماً، مع أنَّها جزءٌ من قوات الأمن الحكومية العراقية على المستوى الرسمي، بحسب المقال.
ومن أسرع نتائج ذلك، ظهور عناصر فاعلة قوية جديدة في النظام العراقي ستقلب الحسابات السياسية وتوازُن القوى داخل البلاد؛ إذ أعلنت قوات الحشد الشعبي ائتلافاً انتخابياً لخوض الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في شهر مايو/أيار من العام الجاري (2018).
ومن المُرجَّح أن يُحقِّق الائتلاف نتائج جيدة في صناديق الاقتراع. ومع أنَّ قوات الحشد الشعبي غير مسموحٍ لها من الناحية الفعلية بخوض الانتخابات، ولكن هناك مُرشَّحون وساسة منتمون إلى الحركة -مثل هادي العامري الذي استقال من منصبه في قوات الحشد الشعبي لخوض الانتخابات- لديهم انتماءاتٌ عامة وسياسية واضحة.
وبينما تحدثت تقارير إعلامية عن سعي رئيس الوزراء العراقي لنزع تدريجي لسلاح الحشد الشعبي؛ فإنه يبدو أنَّ إستراتيجية قوات الحشد الشعبي هي تأسيس وجود قوي في البرلمان، ووضع نفسها قوةً سياسية مشروعة ذات صوتٍ في الحكومة، مع الحفاظ على جناحها العسكري، حسب الكاتبين، وهو ما اعتبره البعض تكراراً لتجربة حزب الله اللبناني.
السنّة.. كيف سيتعاملون مع الصعود السياسي للحشد الشعبي؟
السؤال الذي ليس له إجابة محددة الآن هو مدى تأثير السياسات التي تنتهجها قوات الحشد الشعبي بعد الحرب، في الديناميات الطائفية داخل العراق.
فصحيحٌ أنَّ إعادة دمج أفراد قوات الحشد الشعبي ومقاتليها داخل الدولة أمرٌ حاسم لاستقرار العراق الداخلي، إلا أن مشاركة قادة الحركة في الانتخابات تخلق حالةً من القلق بالعديد من الأوساط، لا سيما السُنَّة، حيال مدى التغيير الذي سيطرأ على السياسة العراقية من جرَّاء مشاركة قواتٍ أمنية في خوض الانتخابات.
بيد أنَّ السيستاني والمرجعية الشيعية في مدينة النجف العراقية قد يؤديان دوراً موازِناً مهماً في التوسُّط لدى قوات الحشد الشعبي، والسعي لإشراك السُنَّة والفئات المُهمَّشة الأخرى، وتخفيف نفوذ إيران في السياسة العراقية، حسب الكاتبَين.
إذ يرى الكاتبان أن دور آية الله على السيستاني -الذي يحظى باحترامٍ في العراق ويتمتع بنفوذٍ كبير بالسياسة العراقية- سيكون حاسماً في هذه العملية الساعية لبناء السلام. لكنَّ العراق لن يستطيع فعل الكثير بصفته قوةً معتدلة إذا لم يُحرَز تقدمٌ جاد في الحوار الدائر بين السُنَّة والشيعة، وحل النزاع بين إيران والمملكة العربية السعودية في السياق الإقليمي الأوسع.
العراق والسعودية.. هناك حاجة لما هو أكثر من تبادل الزيارات
سيطرة الشيعة العراقيين على السلطة بعد الإطاحة بصدام، عزز المخاوف السعودية، ودعَّمت بعض التصوُّرات عن مدى ازدياد قوة إيران وصعود ما يعرف بـ”الهلال الشيعي“.
وبينما ذاب القليلُ من الجليد المتراكم على العلاقات السعودية-العراقية مؤخراً في ظل الزيارات الثنائية الأخيرة وفتح السفارة السعودية لدى العراق، هناك قيودٌ هيكلية خطيرة على أي علاقاتٍ هادفة على المدى البعيد بين الدولتين، بحسب المقال.
التكفير: معضلة كبرى من يبادر بحلها؟
يربط معظم العراقيين بين الجماعات الإسلامية المتطرفة التي أشعلت الصراع الأخير في البلاد والمعتقدات الوهابية المشتركة بين المملكة العربية السعودية وكذلك داعش الذي يُكفِّر الشيعة رسمياً.
وصارت صورة المملكة العربية السعودية في الشارع الشيعي ليست على مايرام؛ بسبب إعدامها رجل الدين الشيعي السعودي البارز نمر النمر عام 2016، والحرب الدائرة في اليمن، ودعمها للنظام في البحرين في مواجهة المحتجين الشيعة.
وبطبيعة الحال، فإنَّ المؤسسة الدينية الشيعية في العراق وإيران -التي تتجاوز سلطتها حدودها الوطنية- تَعتبر الوهابية تهديداً خطيراً، وتعمل بمثابة حاجزٍ مؤسسي ضدها.
ومن ثَمَّ، فإنَّ زيادة انعدام الثقة لدى الشيعة العراقيين بالمملكة العربية السعودية يحول دون أي تواصلٍ هادف تُحاول السعودية إقامته مع العراق، ولن تنجح أي سياسةٍ ساعية لموازنة نفوذ العراق وإيران ما لم تُتخذ خطواتٌ جادة نحو تخفيف التصعيد الطائفي في المنطقة برمتها، كما يقول الكاتبان.
ولسد الفجوة، يجب أن يكون هناك حوارٌ مذهبي واسع؛ لمناقشة دور الشيعة والسنّة في المنطقة، وصياغة مساحة مشتركة لضم جميع الطوائف.
سبُّ الصحابة.. هل يزول أكثر ما يُغضب السنّة؟
يشير الكاتبان إلى أن بعض أبرز آيات الله الشيعة اتخذوا خطوات إيجابية متمثلةً في منع شعائر سبِّ أشخاصٍ معينين من صحابة النبي محمد وآل بيته والخلفاء الأوائل، الذين يحظون بتبجيلٍ في المجتمعات السُنِّية.
وبالإضافة إلى ذلك، اعترف الأزهر، الذي يُعَد أبرز مؤسسة علمية سُنِّية، بالمذهب الجعفري الشيعي باعتباره “المذهب الخامس” من مذاهب الإسلام، وعمل بقوةٍ على التقريب بين الطوائف الإسلامية.
ويرون أنه إذا تخلَّى العلماء السُنَّة الوهابيون عن تمسُّكهم بالتكفير، واعترفوا بالشيعة مسلمين حقيقيين، ستُتخذ خطوةٌ كبيرة نحو تحقيق مصالحة أكبر، بإمكانها وضع الأسس اللازمة لتحقيق قدر أعمق من التسامح بين المذاهب.
سيكون دور السيستاني في هذا المسعى أمراً حاسماً؛ لأنَّه يمتلك سجلاً حافلاً في تحسين العلاقات بين الشيعة والسنّة، فضلاً عن كونه شخصيةً معتدلة موثوقة يمكنها كبح جماح العناصر المتشددة في العراق التي قد تعارض حل الأزمة، كما يقول المقال.
اختبار صعب للإصلاحات: هل يقود بن سلمان مصالحة سلفية – شيعية؟
في ظل الإصلاحات التي يُجريها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في المملكة العربية السعودية، قد يكون هذا الوقت مناسباً لدفع المؤسسة الدينية إلى التصالح مع الشيعة، حسبما يرى الكاتبان.
ولكن، لم يتضح بعدُ مدى إمكانية سير استراتيجية التحرُّر الثقافي التي ينتهجها ولي العهد السعودي على المستوى المحلي مع تخفيف التصعيد على المستوى الإقليمي، أو ما إذا كان هذا السعي للتحرُّر سيكون مصحوباً باسترضاء المتشددين الوهابيين لمواجهة الشيعة وإيران على الجبهة الإقليمية. لكن هذا السيناريو الأخير لن يُسفر إلَّا عن تفاقم التوترات الطائفية، وتوطيد الروابط بين إيران والعراق، بحسب الكاتبان.