الرابحون والخاسرون.. مَن المستفيد إذا نفَّذ ترمب وعده قريباً وأخرج بلاده من سوريا؟

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير المتوقَّع، يوم الخميس 29 مارس/آذار 2018، بخصوص “خروج الولايات المتحدة مِن سوريا في وقتٍ قريبٍ جداً” مخاوفَ بعض مسؤولي الأمن القومي داخل الولايات. وقد حذَّروا مِن أنَّ الانسحاب الآن لن يقوِّض المصداقية الأميركية في المنطقة وحسب، بل سيؤدي إلى تصعيدٍ كبير في الوضع المُتداعي بالفعل.

وفي حين أنَّ ترمب كثيراً ما يروِّج للمكاسب التي تحقَّقت ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منذ توليه منصبه، لكنَّ تعليقاته الأخيرة فاجأت مسؤولي إدارته، بما في ذلك مسؤولو الدفاع، الذين حذَّروا مِن كون هذا الوقت ليس الوقتَ المناسب للانسحاب مِن سوريا، حسب تقرير شبكة CNN الأميركية.

وقال ترمب لمؤيديه مِن مدينة كليفلاند بولاية أوهايو الأميركية، خلال خطابه الذي كان مِن المُفتَرَض أن يُركِّز فيه على تطوير البنية التحتية: “لقد أذقنا داعشَ الهزيمة، وسنخرج مِن سوريا قريباً جداً، فلندَعْ الآخرين يُكملون الأمرَ”.

على جانبٍ آخر، قال العديدُ مِن مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية، لشبكة سي إن إن الإخبارية، إنَّ وزارة الدفاع (البنتاغون) لم تصِلها أي تفاصيل إضافية مِن البيت الأبيض منذ تصريحات الرئيس، مُضيفين أنَّ السياسة الأميركية لم تتغيَّر، وأنهم مستمرون في التركيز على قتالهم ضد داعش.

يضيف تقرير شبكة CNN، أن أحد المسؤولين قال إنَّه يُفترض أنَّ الرئيس إنَّما كان يُصرِّح بعباراتٍ موجزة، أن داعش على وشك الهزيمة، وأنَّ العديدين اعتبروا أنَّ ترمب كان ينتقل إلى الخطوة التالية بلاغياً لا أكثر.

وفي حديثه لشبكة سي إن إن، قال مسئولٌ رفيعٌ آخر في الإدارة الأميركية، إنَّ أي قرار مِن جانب ترمب بالانسحاب مِن سوريا سيخالف أيضاً التقييم العسكري الحالي، وهو ما ترك بعضَ مسؤولي الأمن في قلقٍ بشأن تأثير هذا الانسحاب.

مَن أكبر الخاسرين؟

لدى الولايات المتحدة حوالي 2000 جندي أميركي في الأراضي السورية، ويدعمون في المقام الأول قواتِ سوريا الديمقراطية في قتالها ضد داعش. وهذه القوات تقودها قوات سورية كردية.
مِن المرجَّح أن تثير رغبة الرئيس الواضحة في الخروج مِن سوريا في أقرب وقتٍ ممكن المخاوفَ بين الجماعات المدعومة من الولايات المتحدة في المنطقة، وخاصةً قوات سوريا الديمقراطية، ومِن شأنها أيضاً أن تُجرِّئ وتُقوِّي شوكة قوى النظام السوري وإيران وتركيا، تلك القوى التي رفضت في غالب الأحيان مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة في سوريا، خشية الرد الأميركي.

وقال ديفيد أديسنيك، مدير الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: “إنَّ الكثير مما يُبقي قوات سوريا الديمقراطية في الميدان هو القوى الأخرى، التي لا تستطيع الاقتراب منها”. وأضاف متسائلاً: “وكيف سيتصرَّفون بدون دعم الولايات المتحدة، وإذا وجدوا أنفسهم في موقفٍ ضعيف، فهل سيُبرمون صفقةً مع النظام؟”.

في الآونة الأخيرة، حال وجودُ القوات الأميركية دون سيطرة قوات المرتزقة الروسية، وقوات النظام على حقول النفط وغيرها من الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. ولكن دون وجود القوات الأميركية هناك، لن يكون هناك شيءٌ يمنع هذه القوى نفسها من الهجوم مرة أخرى.

وهناك دينامية مماثلة في مدينة منبج، الواقعة شمال شرقي محافظة حلب، في الشمال السوري، ونقطة التنف الحدودية، حيث حالت القوات الأميركية دون قيام القوات التركية وقوات النظام بأي هجمات واسعة النطاق.

وتساعد الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية في تأمين الحدود السورية مع العراق، ولكن هذا العمل يصبح أصعبَ بدون مساعدةٍ أميركية.

انسحاب الولايات المتحدة يمكن أن يخدم داعش

لو قرَّرَت الولايات المتحدة الانسحاب، فإنَّ مجالات التأثير المفروضة بفعل الأمر الواقع، التي جنَّبَت شرقي سوريا الاقتتال وسفك الدماء اللذين جلبتهما الحرب الأهلية إلى غربها، يمكن أن تنهار.

وقالت هيذر نويرت، المُتحدِّثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، الأسبوع الماضي: “القتال في غربي سوريا على مدار الشهرين الماضيين، بما في ذلك معركة عفرين، قد شتَّتَ الانتباهَ عن الحملة ضد داعش، وقدَّمَ فرصةً للتنظيم ليبدأ إعادة هيكلة صفوفه في بعض المناطق”.

لكن الخارجية التركية، قالت الأسبوع الماضي: “إنَّ الزعم القائل بأنَّ العملية التي نجريها ضد الإرهابيين في عفرين يمكن أن تتسبَّب في إفشال المعركة ضد تنظيم داعش عارٍ تماماً عن الصحة”، وأضاف البيان: “إنَّ ما يُقوِّض الحرب ضد الإرهاب في سوريا فعلاً هو استخدام تنظيم إرهابي لقتال آخر”.

وفي خطابٍ ألقاه وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، في يناير/كانون الثاني الماضي، لإرساء استراتيجية إدارة ترمب بشأن سوريا، قال الوزير إنَّ الولايات المتحدة ستظل في سوريا حتى هزيمة تنظيم داعش. وقال تيلرسون في جامعة ستانفورد: “ستُبقِي الولايات المتحدة الأميركية على وجودها العسكرية في سوريا، مع التركيز على ضمان عدم قدرة تنظيم داعش على الظهور مرةً أخرى”، وأضاف: “الحرب على تنظيم داعش لم تنتهِ بعد”.

استفادة متوقعة لإيران وروسيا وتركيا

عقَّدَت مشاركة قوات أميركية وروسية من الصراع الدائر في سوريا، وتركت البلدين يسيران على وترٍ مشدود، تجنُّباً لوقوع مواجهة مباشرة بينهما.

غير أنَّ هذا لم يكن مُمكِناً دائماً.

فقد أوقعت غارات أميركية، في فبراير/شباط الماضي، قتلى في صفوف مقاولين شبه عسكريين، استأجرتهم روسيا للقتال في صفوف قوات الأسد، حسبما أفاد أقارب وأصدقاء القتلى. وقد أبقى البلدان على قنواتِ اتصالٍ مفتوحة “لتفادي الاشتباك”، وذلك تجنُّباً لوقوع مواجهة مباشرة بينهما، غير أن تلك الخطوط لا تمنع كل الاشتباكات.

ومن شأن الانسحاب الأميركي من سوريا أن يخلق حالةً من الفراغ في المنطقة، تُشبه تلك التي حدثت بعد الانسحاب من العراق، ويتفق معظم خبراء السياسة الخارجية أنَّ هذا الفراغ ستملأه روسيا على أرجح التقديرات.

وفي حديثٍ لشبكة سي إن إن، الجمعة 30 مارس/آذار، قالت أنجيلا ستنت، مديرة مركز دراسات أوارسيا وروسيا وشرق أوروبا، بجامعة جورج تاون، الواقعة في واشنطن العاصمة: “إذا قرَّرَت الولايات المتحدة الانسحابَ، فإنَّ هذا سيُطلق يدَ روسيا، على ما يبدو لي” في سوريا، مع “إضعاف القوات التي تحارب الأسد”.

وأضافت: “أتساءل هل خَطَرَ هذا الأمر على بال الرئيس حين أعلن الانسحاب؟”، وأشارت إلى أن رحيل القوات الأميركي سيُعزِّز موقف روسيا باعتبارها “الوسيط الأساسي في تلك المنطقة”.

بالإضافة إلى ذلك، قالت أنجيلا، إنَّ أي انسحاب للولايات المتحدة من شأنه أن يساعد إيران، التي تحارب قواتها إلى جانب الروس في سوريا.

ولو انسحبت الولايات المتحدة من قاعدتها، التي تقع في منطقة التنف جنوب شرقي سوريا، فإن إيران ستكون قادرةً على تأمين الطريق البرية من دمشق إلى طهران، بما يزيد من تأمين نفوذها الإقليمي.

ومع الأخذ في الاعتبار أنَّ ترمب لطالما كان مناصراً لسلك سياسات أكثر صرامةً إزاء إيران، قال أديسنيك إنَّ الولايات المتحدة ستبدو “كمن يجدع أنفه بيده”، إذا ما انسحبت من سوريا.

ويمكن لإيران والنظام السوري، بالإضافة إلى روسيا، الاستفادةُ أيضاً من المزايا الاقتصادية من السيطرة على حقول النفط الخاضعة في الوقت الحالي، لسيطرة حلفاء الولايات المتحدة.

ووفقاً لأديسنيك فإن النظام السوري قد خسر ما يقرب من 90% من إنتاجه من النفط، عند بداية الحرب الأهلية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top