ترامب سيفجر قنبلة إذا انسحب الشهر القادم من الاتفاق النووي والصراع المسلح مع إيران أصبح أكثر احتمالاً

يُصبح الصراع المسلح بين الولايات المتحدة وإيران أكثر احتمالاً يوماً بعد يوم مع تعيين سياسيين أكثر تشدداً في إدارة ترامب. إذ كان مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد جون بولتون قد دعا إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وعبَّر عن دعمه لعملية تغييرٍ فوري للنظام في طهران، فيما قال وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو، إنَّ الاتفاق الذي قد ينسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب منه، في 12 مايو/أيار يُمثِّل “كارثة”، حسب تقرير نشره موقع صحيفة The Independent.

ووفقاً لصحفيين إسرائيليين، أبلغ ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنَّه لن يقبل اتفاقاً بـ”تغييراتٍ تجميلية” مثلما تقترح البلدان الأوروبية. وإن كان الأمر كذلك، فالاتفاق عملياً في حكم الميت.

الخوف من المواجهة

يتسبَّب التصعيد الأميركي-الإيراني في تموجاتٍ صغيرة تُنذر بالخطر، قد تتحول قريباً إلى أمواجٍ في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. فأسعار النفط الخام مرتفعة بسبب المخاوف من تعطُّل الإمدادات من الخليج. وفي إيران، وصلت قيمة الريال إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، بعدما فقدت ربع قيمتها في الشهور الستة الأخيرة. وفي العراق، يعترف رئيس الوزراء حيدر العبادي، أنَّ أكبر مخاوفه تتمثَّل في حدوث مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في بلاده.

وهناك جانب خطير في النهج المتشدد للغاية ضد إيران، يشبه ذلك الذي اتَّبعته إدارة بوش في الفترة السابقة لغزو العراق في 2003. ففي كلتا الحالتين كان -أو لا يزال- لدى أولئك الذين ينادون باستخدام القوة العسكرية معرفةٌ قليلة للغاية عما يُقدمون عليه. فبومبيو كان لديه حلٌّ بسيط للمشكلة الإيرانية، حين كان لا يزال عضواً بالكونغرس، إذ قال للصحفيين إنَّ الأمر سيتطلَّب “أقل من ألفي طلعة جوية لتدمير القدرات النووية الإيرانية”.

حسب صحيفة The Independent يرفض المتفائلون هذا الخطاب العدواني، رغم أنَّ عددهم تناقص كثيراً في واشنطن في الأسابيع القليلة الماضية. لكن أيَّاً ما كان ترامب ومساعدوه يعتقدون أنَّهم يفعلون، فإنَّ لكلماتهم عواقب. فالحكومات يجب أن تأخذ التهديدات على محمل الجد، وأن تضع تدابير مضادة لمواجهتها إذا ما حلَّ الأسوأ. بعد سقوط الزعيم العراقي صدام حسين في 2003، أعلن المحافظون الجدد الأميركيون بتَبَاهٍ قائلين: “اليوم بغداد، وغداً دمشق وطهران”. وكانت هذه الشعارات كافية أن تقوم الحكومتان السورية والإيرانية بكل ما في وسعهما، لضمان ألَّا تستطع الولايات المتحدة البقاء في العراق.

بالنظر إلى الوراء، مثَّل غزو العراق نقطةَ تحوُّل للهيمنة الأنغلوساكسونية -أي الأميركية البريطانية- على الساحة العالمية؛ إذ أدَّى التسويغ المضلل للحرب وإخفاق أولئك الذين شنُّوها في تحقيق أهدافهم على حساب خصومهم الضعفاء نسبياً، إلى تحويل الصراع الذي كان يهدف لإظهار القوة إلى إبرازٍ للضعف. وأدَّت التدخلات الأجنبية في ليبيا وسوريا في عام 2011 إلى كوارثَ شبيهة.

ترامب فكَّك ملكيات الخليج بعد أن كانت متحدة ضد إيران

وإن كنا على شفا أزمةٍ جديدة في الشرق الأوسط، تتمحور حول إيران، فإنَّ الولايات المتحدة إذاً في موقفٍ أضعف كثيراً مما كانت عليه قبل مجيء ترامب؛ إذ لم يعد بمقدور الولايات المتحدة المُنقسِمة داخلياً، ولا تمتلك ما يكفي من الحلفاء التحكم في قواعد اللعبة، مثلما كانت تفعل في السابق. وثمة مثالان على هذا، حدثا على مدار العام الماضي: ففي مايو/أيار، زار ترامب السعودية، مانِحاً دعماً لا لبس فيه لحكامها، ومُحمِّلاً إيران مسؤولية مشكلات المنطقة، لكن ما حققه  ترامب هو أنَّه فكَّك جبهة مَلَكيات الخليج، التي كانت متَّحدة في السابق ضد إيران.

وفي سوء تقدير آخر من الولايات المتحدة، في يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير الخارجية حينها ريكس تيلرسون -الذي يُفتَرَض أنَّه كان معتدلاً في سياساته- أنَّ الولايات المتحدة ستُبقي على قواتها في سوريا، بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأنَّها تهدف للتخلص من الرئيس السوري بشار الأسد، والتصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة.

كان هذا الطموح في معظمه خيالياً، لكنَّ رد الفعل الروسي والتركي كان حقيقياً. فبعد 4 أيام من إعلان تيلرسون المتعجرف، تدفَّق الجيش التركي إلى شمالي سوريا بتصريحٍ روسي، وفي غضون شهرين كان قد أسقط منطقة عفرين التي يقطنها الأكراد، حلفاء الولايات المتحدة الوحيدون في سوريا. ويأمل الأكراد الآن بشدة ألا تتخلَّى عنهم الولايات المتحدة، في حال وقع هجومٌ عسكري تركي على المنطقة الرئيسية التي يسيطرون عليها شمال شرقي سوريا.

يُعَدُّ السهل الموجود شمالي سوريا شرقي نهر الفرات منطقةً مسطحةً تماماً، ليس بها غطاءٌ كبير، في حين تقع المدن الكردية الرئيسية على الحدود التركية مباشرةً، وتعدُ ضعيفةً للغاية. ولا تمتلك الولايات المتحدة إلا ألفي جندي هناك، وفاعلية هؤلاء تعتمد على قدرتهم على استدعاء ضربات سلاح الجو الأميركي المُدمِّرة. يُعَد هذا خياراً قوياً، لكن هل ستستخدمه الولايات المتحدة حقاً دفاعاً عن الأكراد ضد تركيا حليفتها بالناتو؟.

ما يدَّعي ترامب أنَّه كان ضعف إرادة من قبل الرئيس أوباما، وتردياً في مهاراته التفاوضية كان في الواقع قدرةً ذكية على التوفيق بين وسائل الولايات المتحدة ومصالحها، وتجنُّب استدراجها إلى حربٍ لا يمكن الانتصار فيها. لكنَّ هذا لم تفهمه قط مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، التي لا تزال عالقة في حقبة ما قبل 2003، حين كانت الولايات المتحدة في أوجّها، في سنوات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فكيف وهي في قبضة سياسيين متشددين للغاية مثل بولتون وبومبيو، ليس لديهما أدنى فكرة عن حقول الألغام السياسية والعسكرية، التي يوشكان أن يزلَّا فيها.  

ذعر المؤسسة الأميركية

قد تكون المؤسسة الأميركية وحلفاؤها مذعورين من إمكانية انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، لكن يبدو إقدامه على فعل هذا أكثر من مُرجَّح. وقد يُعاد فرض العقوبات على إيران، بصرف النظر عن المعاناة التي يتعرَّض لها عموم السكان، لكنَّ هذه لم تكن قط بطاقةً رابحةً كما تصوَّر فارضوها. ربما تتضرر إيران جرَّاء العقوبات الأحادية التي يفرضها ترامب، لكنَّها أيضاً ستعزل الولايات المتحدة.

أيَّاً ما كانت نتيجة أي مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فإنَّها لن “تجعل أميركا عظيمةً مرةً أخرى”. لطالما كان الممر الشمالي للشرق الأوسط وجنوبي تركيا وشمالي السعودية مقبرةَ النزعة التدخلية الأميركية: حدث ذلك في لبنان في الثمانينيات، حين فُجِّرت السفارة الأميركية في بيروت، وحين قُتِل 241 جندياً أميركياً (بينهم 220 من جنود المارينز)، جرَّاء سيارةٍ مفخخة في المدينة. وحدث ذلك في العراق بين عامي 2003 و2011، وفي سوريا منذ 2011 حتى الآن.

حمَّلت الولايات المتحدة بصورة عامة إيران مسؤولية خيبات الأمل تلك، وهو تفسيرٌ فيه بعض الصحة، لكنَّ السبب الرئيسي هو أنَّ الولايات المتحدة تقاتل طائفةً بدل أن تقاتل دولة. فكل هذه البلدان التي أخفقت فيها الولايات المتحدة، إمَّا لديها أغلبية شيعية كما في حالة إيران والعراق، أو أكثرية كما في لبنان، أو أقلية حاكمة كما في حالة سوريا. وتتمتع إيران بوصفها أقوى دولة شيعية بميزة هائلة، حين يتعلَّق الأمر بمحاربة أعدائها في هذه المنطقة المتدينة المتعاطفة.

تُوصف المجموعة الجديدة في واشنطن بأنَّها “حكومة حرب”، وقد يتضح أنَّها هكذا بالفعل، لكن بالنظر إلى رجالٍ متغطرسين جاهلين، مثل بولتون وبومبيو، من الصعب تجنُّب الشعور بأنَّ كل هذا سينتهي بكارثة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top