السعودية عينها على رجل واحد في النجف يمكن أن يُقنع ملايين الشيعة بالتقارب مع الرياض، لكن ماذا سيستفيد العراقيون؟

لا حديث في الأوساط السياسية العراقية الآن إلا عن التقارب الواضح مع السعودية، التي عادت مرة أخرى تنظر إلى العراق باعتباره رأس الحربة، أمام رغبة الرياض في منع توغل طهران بالعواصم العربية، لكن هناك قلق من عدم وصول هذا التقارب إلى مبتغاه.

التقارب الذي يريده السعودية مع العراق، وخاصة الشيعة العرب الذين ما زالوا ينظرون إلى محيطهم العربي؛ 2بل ويشتاقون إليه، بات مرهوناً بمدى قدرة القادة الشيعة -وخاصة السيستاني- على إقناع مريديه بالضيف السنّي الذي عاد بعد غياب جاوز ربع قرن، بحسب صحيفة The Financial Times البريطانية.

وتحت القبة الذهبية لضريح الإمام علي، تمتد مدينة النجف المتداعية، وهي المدينة العراقية المقدَّسة عند الشيعة الذين يتوافدون عليها بالآلاف. وينحني الزوار العرب في أثناء مرورهم بجوار الضريح، ويجلس الإيرانيون تحته يُردِّدون أنشوداتٍ إيقاعية، بينما يقرع المصلون الباكستانيون صدورهم قرعاً إيقاعياً.

في ظل احتواء النجف على القليل من الثروات أو الموارد، ربما لا تبدو مسعىً محتملاً لأي شخص باستثناء الحجاج الشيعة. بيد أنَّ المدينة، الواقعة على بُعد 160 كيلومتراً جنوب العاصمة العراقية بغداد، لديها متودِّدٌ جديدٌ استثنائي: القوة الغنية بالنفط على الجانب الآخر وهي المملكة العربية السعودية. فتودُّد المملكة الخليجية السنّية إلى النخبة الدينية الشيعية في العراق على مدار العام الماضي (2017)، قد يُمثِّل تغيُّراً كبيراً في الاستراتيجية الإقليمية للسعودية.

وعلى مدار عقودٍ، استغلت المملكة العربية السعودية ومُنافِستها الشيعية إيران، الانقسام القائم منذ قرون بين الشيعة والسنة لخدمة صراعاتهما على القوة في العصر الحديث. والآن، يتواصل مسؤولون سعوديون مع بعض رجال الدين الشيعة البارزين في النجف، الذين يريدون الاستماع إلى السعودية رغم قلقهم حيال سحبهم إلى صراعٍ بالوكالة، بحسب الصحيفة البريطانية.

زيارات سعودية للعراق

ففي العام الماضي (2017)، زار وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، العراق في أول زيارةٍ يجريها مسؤولٌ سعودي بارز إلى هناك منذ عام 1990. ولمح قادةٌ عراقيون إلى أنَّ ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قد يزور بلادهم قريباً، وقال البعض إنَّه سيضع النجف حتماً ضمن مخطط زيارته. لكنَّ وزارة الخارجية السعودية اضطُّرت إلى إصدار بيانٍ، ذكرت فيه أنَّها لم تُخطِّط لإجراء زيارةٍ كهذه بعد نشوب احتجاجاتٍ في بغداد نهاية الأسبوع الماضي ضد أي زيارةٍ من هذا النوع، بحسب الصحيفة البريطانية.

ولا شكَّ في أنَّ رهانات هذا التقارب المؤقت عالية. ففي أفضل الحالات، يمكن لجهود السعودية الرامية إلى إيجاد حلفاء شيعةٍ ضد إيران، أن تنزع فتيل الطائفية التي خلقت صراعاً دموياً في مختلف أنحاء المنطقة. أمَّا في أسوأها، فيمكن أن يتحول العراق إلى مسرحٍ جديد للتنافس الإيراني-السعودي الذي جرى في الآونة الأخيرة في اليمن وسوريا ولبنان.   

وقال علي الأديب، السياسي العراقي الشيعي: “ربما تكون الأوضاع هادئةً الآن في العراق… لكنَّ الصراع بين هاتين القوتين وصل إلى ذروته، ولا أرى أي جانبٍ من الجانبين مستعداً للحوار. هذه منطقةٌ حبلى بالمفاجآت”، بحسب الصحيفة البريطانية.

لطالما شجعت قوى غربية، خصوصاً الولايات المتحدة، إعادة العلاقات إلى مسارها بين السعودية والعراق. وتعزَّزت هذه الجهود العام الماضي (2017)، بزيارتين أجراهما زعيمان شيعيان عراقيان بارزان: مقتدى الصدر رجل الدين والزعيم السياسي الشهير، وحيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي. ويبدو الآنَّ أنَّ بن سلمان تبنَّى هذه الاستراتيجية كوسيلةٍ لتحدي نفوذ إيران الإقليمي المتسع، فيما يشرع في إصلاح اقتصاد بلاده إصلاحاً جذرياً.

قال ضياء الأسدي، البرلماني العراقي المُقرَّب من مقتدى الصدر، للصحيفة البريطانية: “أدركت السعودية عدم إمكان الاستغناء عن التعايش مع الشيعة أو التسامح معهم. والآن، يريد السعوديون إخبار الناس بأنَّهم ليسوا ضد الشيعة، لكنَّهم ضد الشيعة المتأثرين بإيران”.

الهدف.. الإعمار

وينسجم هذا النهج مع بعض الشيعة العراقيين القلقين حيال دور إيران القوي في بلادهم. ولطالما كان بعض رجال الدين بالنجف حذرين إزاء النزعة التدخُّلية الإيرانية. بينما يُشدِّد بعض الساسة الشيعة، الذين يمتطون موجة القومية العراقية بعد هزيمة داعش، على هويتهم المشتركة مع دول الخليج العربية، في إطار محاولاتهم الحصول على دعمٍ لجهود إعادة الإعمار التي يُقدَّر حجمها بنحو 88 مليار دولار. ويرون أنَّ أهمية التنمية لا تقتصر على إعادة الإعمار بعد حربٍ استمرت 3 سنوات ضد داعش؛ بل تشمل إنهاء دورة العنف الطائفي التي استمرت عقداً قبل هذه الحرب، بحسب الصحيفة البريطانية.

وقال أحمد الكناني، السياسي الشيعي الذي يرأس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان والذي كان مُصطفَّاً في السابق إلى جانب أحزاب موالية لإيران: “نأمل أن تُسرِع هذه الدول العربية وتدخل السوق. فالعراق جزءٌ مهم من العالم العربي، وينبغي أن يعود إلى الحضن العربي”.

وقالت إليزابيث ديكنسون، مُحلِّلة الشؤون الخليجية في مجموعة الأزمات الدولية، للصحيفة البريطانية: “تضع السعودية أسس تقارب متأنٍّ طويل المدى، وتبذل جهداً شاقاً لإعادة بناء الروابط والعلاقات، وحتى صورتها العامة. لذا، نرى احتمالية حقيقية لنجاح تقارب السعودية مع العراق في صياغة نموذج جديد في كيفية ردع النفوذ الإيراني بالمنطقة”.

من الطبيعي أن تستهدف السعودية النجف؛ إذ يحظى رجال الدين البارزون في المدينة بنفوذٍ هائل في العراق، والعالَم الشيعي ككل. وقد تتخذ السعودية خطوةً مفاجئةً كبرى، تتمثل في التقارب مع آية الله علي السيستاني في النجف. فقليلٌ من رجال الدين يتمتعون بنفوذٍ كبير كالذي يحظى به هذا المُسِنُّ. ففي عام 2014، أصدر فتوى تسبَّبت في إرسال عشرات الآلاف من الرجال العراقيين للانضمام إلى الجماعات شبه العسكرية التي كانت تقاتل تنظيم داعش بعد استيلائه على أكثر من ثلث البلاد.

وقال مسؤولون عراقيون إنَّ مكتب السيستاني، المنتقد هو ذاته للتدخُّل الإيراني، ما زال حذراً من المبادرات السعودية، لكنَّه بقي على اتصالاتٍ عبر قنواتٍ خلفية مع السعودية. وفي النجف ومختلف أنحاء العراق، تستعين السعودية بالهوية العربية المشتركة للتقارب مع العراقيين، وهو أمرٌ لا يتشاطره العراق مع إيران ذات الأغلبية الفارسية، بحسب الصحيفة البريطانية.

وواجه المنتخب السعودي لكرة القدم نظيره العراقي ودياً بمدينة البصرة العراقية الجنوبية في شهر فبراير/شباط 2018، في أول مباراةٍ يخوضها المنتخب السعودي داخل العراق منذ ثمانينيات القرن العشرين، وحضر المباراة 60 ألف مُشجِّع. ورغم خسارة المنتخب السعودي المباراة بنتيجة (4-1)، تعهَّد الملك السعودي ببناء ملعب يسع 100 ألف متفرج في بغداد.

وأرسلت المملكة كذلك وفوداً من رجال الأعمال والصحفيين، الذين لم يزر الكثيرون منهم العراق منذ عقود، مما أجَّج الحنين إلى الحقبة التي سبقت الحروب التي دمَّرت العراق. وقال الاقتصادي العراقي أدهم الفاخر إنَّ بعض الموفدين السعوديين بكوا في أثناء استقبال المسؤولين العراقيين لهم. وأضاف: “لقد فُوجِئتُ حقاً؛ إذ كان الجانبان متحمسَين جداً للالتقاء”.

فترت الحماسة

وبحسب The Financial Times البريطانية، فإن الحماسة فترت حين بدأ الزوار السعوديون في الاصطدام بالحجم الهائل لمشكلات الفساد والبنية التحتية المُدمَّرة بالعراق؛ إذ قال فاخر إنَّ عضو أحد الوفود السعودية أرسل مُذكِّرةً إلى مجلس الأعمال الوطني العراقي تُفصِّل المخاوف السعودية حيال الأمن والنظام المصرفي العراقي، الذي يقول المنتقدون إنَّه عفى عليه الزمن وفاسدٌ ومترددٌ في تمويل الاستثمارات.

الاستثمارات هي أكثر ما يريده العراق. وحتى الآن، حصل العراق على خطوط طيران مباشرة جديدة مع السعودية، وتوقيع 18 مذكرة تفاهم لمشروعاتٍ في مجال النفط والغاز، لكنَّه لم يحصل إلَّا على القليل من الاستثمارات المباشرة. وفي مؤتمر إعادة الإعمار الأخير الذي عُقِد في الكويت، لم تُقدِّم دول الخليج سوى القليل من المساعدات، وجاءت معظم المساعدات التي تعهَّدت بها دولٌ خليجية بقيمة 3.5 مليار دولار في صورة قروضٍ وتسهيلات ائتمانية.

وقال أحد المصرفيين العراقيين: “كنا نظن أنَّ الأموال ستتدفَّق، لكن بعد المؤتمر، شعرنا بأنَّ الكثير من هذه الوعود مجرد كلام”، بحسب الصحيفة البريطانية.

لكن في البصرة، مركز العراق النفطي والاقتصادي، لا يزال علي جاسب، رئيس هيئة استثمار البصرة، متفائلاً، ويقول: “حتى لو كان كل هذا مجرد كلام، لا يهم. فلا تزال تلك محاولة لبداية جديدة وعلاقاتٍ متجددة”. ويضيف أنَّ افتتاح قنصلية في البصرة يُمثِّل إشارة على أنَّ الرياض تهدف إلى دعم المستثمرين السعوديين، مُشيراً إلى مباحثاتٍ بين الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) وشركة شل للاستثمار في مشروع البتروكيماويات الخاص بشركة شل، البالغة قيمته 11 مليار دولار. في الوقت نفسه، تهدف هيئة استثمار البصرة إلى جذب أموال الخليج من أجل مشروعات سكك حديدية وزراعية.

ويقول ثائر عبد الزهرة، أحد مُلَّاك مركز تسوق بصرة تايمز سكوير الشهير بالبصرة، إنَّه لاحظ زيادة في اهتمام المستثمرين الخليجيين. والتقى شركاؤه مؤخراً، ممثلين عن مجموعة الشايع الكويتية، وهي شركة كبرى مالكة لأفرع سلاسل تجارية كبرى، مثل العلامات التجارية “إتش آند إم” و”ماكدونالدز” و”ستاربكس”. ويضيف: “إن شاء الله سترى في غضون بضعة أشهر متجراً لـ(ستاربكس) في الطابق السفلي”.

لكنَّ مبعث قلقه هو أنَّ الأحزاب المدعومة إيرانياً التي تسيطر على المناصب الإدارية، ربما تحاول التضييق على عروض المستثمرين السعوديين للحصول على الأرض والترخيصات عن طريق إجراءات الروتين. ويقول: “هناك طريقٌ طويلة وطريقٌ قصيرة للحصول على هذه الأشياء. وسيدفعون السعوديين إلى الطريق الطويلة”.

إيران ثاني أكبر شريك للعراق

يقول رجال أعمال إنَّ المسؤولين الأميركيين يسهلون الكثير من الأنشطة لمواجهة نفوذ طهران. ووفقاً لوسائل الإعلام الإيرانية التابعة للدولة، صدَّرت إيران، ثاني أكبر شريك تجاري للعراق، بضائع بقيمة 12 مليار دولار العام الماضي (2017).

ويثير التدخل الأميركي قلق بعض أنصار التقارب السعودي، مثل داعمي الصدر، الذين قاتل الكثيرون منهم القوات الأميركية في السابق. ويجادلون بأنَّه إلى جانب الخطاب العدواني المناوئ لإيران القادم من واشنطن، قد يدفع ذلك الرياض للتصرف بثقة زائدة، اعتقاداً منها أنَّها في موقف أقوى مما هي عليه. يقول صلاح العبيدي، أحد رجال الدين بالنجف وقريب الصدر: “لا نرغب حقاً في أن ينتهي الحال بالعراق كسلة مهملات نزاعٍ إقليمي إيراني-أميركي-سعودي”، بحسب الصحيفة البريطانية.

ويقول دبلوماسيون إنَّ إيران بقيت على الهامش، في محاولة منها لتقييم ما إذا كان هناك أي استفادة لها من إقامة حضورٍ خليجي بالعراق أم لا. وانهارت في غضون أيامٍ، محاولة طهران توحيد عدة كتل سياسية شيعية لتعزيز موقعها في البلاد قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية في مايو/أيار 2018. يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: “تُظهِر لنا تلك الحادثة ألّا نُصدِّق مَن يقولون إنَّ إيران تسيطر على كل شيء. فالورقة الكبرى التي يلعبونها هي: انظروا، سنكون هناك دوماً من أجلكم”.

ويشير الكثير من القادة الشيعة إلى أنَّ طهران، وليست الرياض أو واشنطن، كانت هي من هرع دعماً للعراق حين هاجمه داعش في 2014. فيقول ممثل أحد رجال الدين البارزين في النجف: “انسحب الجميع وشاهدوا ليروا متى سنُهزَم تماماً. باستثناء إيران”.

اختبار النوايا

يقول المتشككون إنَّ حسن نية الرياض يجب أن يُختبَر من خلال إحداث تغييرات في المعاملة القمعية التي تلقاها الأقلية الشيعية بالسعودية. فقبل عامين فقط، أعدمت الرياض الشيخ الشيعي نمر النمر. وينادي آخرون بإنهاء حرب اليمن، أو يطالبون رجال الدين السعوديين بإصدار فتوى تعلن المذهب الشيعي فرعاً شرعياً من فروع الإسلام، بحسب الصحيفة البريطانية.

ويشير مؤيدو التقارب إلى التحسينات التي طرأت مؤخراً، مثل معاملة الحجاج الشيعة العراقيين إلى السعودية. لكنَّ الشكوك عميقة. ففي اليوم السابق على مباراة البصرة، ظهرت في زوايا الشوارع لافتات تحذر من إنشاء قنصلية سعودية، قبل أن تجري إزالتها سريعاً.

وتجادل بعض القيادات الشيعية بأنَّ السعودية لا تزال تتحمَّل المسؤولية عن صعود الحركة الجهادية. يقول رجل دين من النجف: “سمعنا الكثير من الخطابات اللطيفة، وسمعنا عن رؤيتهم الجديدة. لكنَّنا ننتظر رؤية تحرك على الأرض”.

ولا مكان تكون فيه هذه الشكوك أكثر قوة مما هي بين المُشيِّعين الذين يزورون مقبرة وادي السلام في النجف -المقبرة الأكبر في العالم- حيث يأتي الشعية العراقيون ليدفنوا موتاهم بالقرب من ضريح الإمام علي. وفي “بقعة شهداء” مُخصَّصة للقوات الموالية للصدر، يقف شاب هزيل أمام قبرٍ حُفِر حديثاً لرفيقٍ له قتلته فلول داعش. ويشير إلى قبرين آخرين مُزيَّنين بأزهار بلاستيكية يخصان شقيقي صديقه المتوفى الأكبر، بحسب The Financial Times البريطانية.

ويقول: “نتفهَّم لِمَ نحتاج علاقاتٍ أفضل مع السعودية. لكن في قلوبنا، من الصعب تقبُّل ذلك. بم سيعوضوننا؟ بملعب كرة قدم؟!”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top