التونسيون أدخلوا تحديثات لتطبيقها في الانتخابات القادمة.. تركوا آليات قديمة لا تستخدم في الديمقراطيات الحقيقية

مع اقتراب الانتخابات، تنكبُّ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على تنظيم الانتخابات البلدية، المزمع عقدها في السادس من مايو/أيار 2018. وقد راجعت الهيئة جميع التحديثات المتعلقة بعملية التصويت.

أخيراً، ستُجرى أول انتخابات بلدية في تونس منذ سقوط نظام بن علي، بعد أن تم تأجيلها في مناسبتين. وتضم البلاد 350 منطقة بلدية، في تجسيد لمبدأ اللامركزية، الذي لم يتبلور على أرض الواقع إلى الآن. مع ذلك، تعتبر هذه الانتخابات سابقة من نوعها لعدة أسباب. فقد شهدت عملية تنظيم رابع انتخابات بعد الثورة عدة تحديثات، في ظل قانون الانتخابات والاستفتاءات، الذي تم التصويت عليه في يونيو/حزيران 2016، حسب ما رصد تقرير صحيفة Jeune Afrique الفرنسية.

القوات الأمنية والعسكرية ستصوت للمرة الأولى

من المقرر أن يتم السماح لأكثر من 36 ألف عنصر من المؤسسات العسكرية والأمنية بالمشاركة في التصويت لأول مرة في هذه الانتخابات البلدية. وخلال شهر يناير/كانون الثاني 2017، أقرَّ مجلس نواب الشعب بممارسة عناصر الجيش لحقِّ التصويت في الانتخابات.

وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً تحت سقف البرلمان التونسي، حيث عبر بعض النواب عن رفضهم له، نظرا لأن ممارسة هذا الحق لا تحترم الشرط الدستوري الذي يفرض الحياد التام على المؤسسات المعنية إزاء جميع الجهات السياسية الفاعلة، بمختلف توجهاتها. وقد تم تحديد مشاركة أعوان الأمن والجيش في عملية التصويت يوم 29 أبريل/ نيسان، أي قبل أسبوع واحد من تاريخ التصويت الرسمي.

من جهته، أفاد عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أنه “سيتم إجراء عملية التصويت الأمني والعسكري بحضور مراقبين وممثلين عن قوائم المرشحين في مراكز الاقتراع من أجل ضمان تكريس مبادئ الشفافية والنزاهة”.

كما أفاد رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، محمد التليلي المنصري، بأنه لن يتم عرض السجل الانتخابي للجيش وعناصر الأمن في مراكز الاقتراع لحماية بياناتهم الشخصية. وأكد أيضا أن بطاقات الناخب الخاصة بالعسكريين والأمنيين سيتم خلطها مع بطاقات المواطنين لتجنب الاطلاع على خياراتهم.

المساواة والحضور القوي للشباب

يفرض القانون المؤرخ في شهر يونيو/حزيران 2016 أيضًا على القوائم المرشحة احترام عدة معايير، بما في ذلك التكافؤ العمودي والأفقي بين الرجال والنساء (في أعلى القائمة وفي العدد الإجمالي للمرشحين فيها). كما يفرض وجود شخص واحد ذو احتياجات خاصة على الأقل في كل قائمة، و3 شبان تقل أعمارهم عن 35 سنة.

وستساهم هذه الشروط في تسجيل العديد من المرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة بنسبة 52 بالمائة على مستوى البلديات، إضافة إلى تشريك عدد كبير من النساء بنسبة 49 بالمائة. وتعتبر هذه التحديثات بمثابة تغيير طفيف. في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت خلال 2014، مثلت النساء نسبة 47 %من المرشحين.

في المقابل، يظهر الفرق هذه المرة على رأس القائمة المرشحة، حيث تم تسجيل نسبة 13 %فقط من النساء سنة 2014 على رأس القوائم المرشحة، في حين أنهن حاضرات بنسبة 30 بالمائة الآن. بالإضافة إلى ذلك، يرأس 18 قائمة أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، بينهم 13 رجلاً وخمس نساء، في 2018.

التقسيم الانتخابي

خلال يونيو/ حزيران 2016، قامت وزارة الشؤون المحلية بإتمام تقسيم البلديات على كامل تراب الجمهورية، كأحد الشروط الدستورية لتنظيم الانتخابات البلدية. وقد أعلنت الحكومة التونسية في البداية عن إنشاء 25 بلدية خلال سنة 2015 و61 بلدية سنة 2016، التي تنضاف إلى 264 بلدية موجودة بالفعل، والتي شهد بعضها رسم حدوده من جديد.

وذكر مدير عام الجماعات المحلية بوزارة الداخلية، مختار الهمامي، للصحافة سابقا أنه قد تم وضع خارطة انتخابية جديدة مبنية على أسس تقنية، مشيرا إلى أنها “عبارة عن تقسيم تقني بالاستناد إلى مؤشرات علمية وموضوعية، من بينها؛ المؤشر الجغرافي، والمؤشر الديموغرافي، ومؤشر التضمين، ومؤشر التنمية الإقليمية”.

التخلي عن حبر الانتخابات الذي لا يمكن إزالته بسهولة

أعلن مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مع نهاية شهر يناير/كانون الثاني، أنه لن يتم اعتماد حبر الانتخابات الذي تصعب إزالته، خلال  الانتخابات البلدية في سنة 2018. وتجدر الإشارة إلى أنه يتم التعرف على الناخبين بواسطة الحبر، الذي يظل لأكثر من 48 ساعة، ما يجعل مشاركة شخص ما في العملية الانتخابية لأكثر من مرة أمرا مستحيلا.

في الحقيقة، لم يكن اعتماد هذه الآلية المستخدمة خلال الانتخابات الثلاثة السابقة يهدف إلى جعلها دائمة، إذ يُستخدم الحبر بشكل عام في البلدان التي تعيش ظروفا سياسية إستثنائية، ولا تعتمده كبرى الدول الديمقراطية. ورغم أن خيار إلغاء هذه الآلية يرتبط أساسا بالقيود المفروضة على ميزانية الهيئة، التي تعتبر تكلفة الحبر مرتفعة جدا، إلا أنه يكشف عن دخول البلاد مسارا جديدا من الانتقال الديمقراطي.

وقد نفى عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فاروق بوعسكر، أن يؤدي إلغاء العمل بحبر الانتخابات إلى التشكيك في نتائجها، حيث أفاد في التاسع من مارس/آذار لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أن “قرار الهيئة بإلغاء استخدام الحبر يعود إلى تكلفته المرتفعة، إضافة إلى تخلي جميع الأنظمة الديمقراطية عن استخدامه في الانتخابات، حيث أضحى هذا الحبر آلية قديمة”.

وأكد بوعسكر أن “الوثيقة الوحيدة التي تحدد هوية الناخب في الانتخابات البلدية هي بطاقة الهوية الوطنية، خاصة وأن الاقتراع البلدي هو عبارة عن انتخابات محلية. وبالتالي، لا يشكل الإمضاء خطرا على التصويت لأن الناخب مسجل في دائرة انتخابية واحدة، بالإضافة إلى حضور مراقبين يسهرون على ضمان الالتزام بالشفافية في الانتخابات”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top