روسيا تستعين بطفل كشاهد إثبات وحيد على “فبركة” الخوذ البيضاء لفيديوهات كيماوي دوما.. فلماذا كل هذا العداء لعمال الإغاثة السوريين؟

رغم اعتراض مفتشي الأسلحة الكيماوية الذين لا يزالون يعملون في سوريا، مُحاولين تحديد ما إن كان الغاز قد استُخدِم لقتل عشرات المدنيين في معقل المعارضة السابق في دوما يوم 7 أبريل/نيسان الجاري، نقلت روسيا 17 سورياً جواً من منطقة الحرب إلى مدينة لاهاي الخميس 26 أبريل/نيسان، حيث شهِدوا جميعاً أنَّهم لم يروا أية علامة على حدوث هجوم كيماوي.

وكتب المحرر الإخباري إد براون تغريدةً على موقع تويتر بجانب صورةٍ نشرها للمؤتمر: “صبي سوري، واحدٌ بين مجموعةٍ من عدة سوريين أحضرتهم السفارة الروسية في هولندا إلى جلسة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مدينة لاهاي لمحاولة إثبات أنَّ فيديو هجوم دوما كان مُلفَّقاً”.

وقد وقع الاختيار على هؤلاء السوريين لأنَّهم ظهروا في مقطع فيديو سجَّله ناشط معارض عقب حدوث الهجوم مباشرةً. وظهر في الفيديو الذي التقطه الناشط ما بدت أنَّها جهودٌ محمومة في مستشفى البلدة لعلاج الناجين من تعرُّضهم المحتمل لعاملٍ كيميائي، من خلال صب الماء عليهم ومساعدتهم على التنفس، بحسب تقرير لموقع The Intercept الأميركي

ومع أنَّ أحداً لم يزعم أنَّ المستشفى هُوجِم بأسلحةٍ كيماوية، إلَّا أنَّ روسيا جعلت تدمير مصداقية هذا الفيديو بالذات محوراً لجهودها الرامية لإثبات عدم استخدام أية أسلحة كيماوية في قصف النظام السوري الأخير على المدينة، التي فقدت المعارضة السيطرة عليها في اليوم التالي.

شاهد “الإثبات” الروسي

تضمَّنت المجموعة التي جلبتها روسيا إلى هولندا عدة عاملين طبيّين ظهروا في مقطع الفيديو ومريضاً واحداً، هو حسن دياب (11 عاماً)، والذي وصفه المسؤولون الروس باعتباره الشاهد الرئيسي لدعم حجَّتهم بأنَّ الحادثة برمّتها كانت مجرد تمثيلية دبَّرها عاملو الإنقاذ المتطوعين للتحريض على تدخلٍ عسكري غربي ضد حليفهم السوري بشار الأسد.

وكتب الصحفي رايموند بور، مع مقطع فيديو نشره للصبي: “حسن دياب البالغ من العمر 11 عاماً لا يدري ماذا يحدث حوله عند وصوله إلى فندق كراون بلازا في لاهاي”.

عندما أخبر حسن التلفزيون الحكومي الروسي الأسبوع الماضي أنَّه تلقَّى حلوى في مقابل المشاركة في تصوير الفيديو الذي التُقِط في المستشفى، وقال والده إنَّه قد جرى صب الماء على الصبي دون سبب، إذ لم تكُن هناك أية علامة على حدوث هجوم كيماوي، أعلن سفير روسيا لدى الأمم المتحدة خطةً لعرض المقابلة أمام مجلس الأمن.

ومع ذلك، لم تُقر روسيا بالمخاوف من أنَّ الصبي ووالده ربما لم يشعرا أنَّ لديهما الحرية لوصف ما حدث بدقة، بالنظر إلى أنَّ المقابلة المذكورة سُجِّلت في منشأة عسكرية سورية يستخدمها المستشارون العسكريون الروس، بحسب الموقع الأميركي.

وأخبر زملاء سابقون لعاملي مستشفى دوما صحيفة The Guardian البريطانية أنَّ المسعفين تعرَّضوا “لترهيبٍ شديد” على يد المسؤولين السوريين، وهدَّدوهم بإيذاء عائلاتهم إذا أتوا على أي ذكرٍ للأسلحة الكيماوية.

وعندما وصلوا هولندا الخميس 26 أبريل/نيسان، اصطُحِب حسن والعاملون الطبيون أولاً إلى مقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتقديم الحجَّة الروسية بأنَّ الهجوم المزعوم كان تمثيلية.

ونشر الحساب الرسمي للسفارة الروسية في هولندا تغريدة كُتِب فيها: “بدأت الآن الإحاطة المشتركة من جانب الاتحاد الروسي والجمهورية العربية السورية في مقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ودُعيَت جميع الوفود الوطنية لحضور هذا الحدث الفريد بمشاركة شهود حقيقيين على ‘الهجوم الكيماوي’ الملفَّق في دوما”.

 

لماذا تعادي روسيا الخوذ البيضاء؟

وأثناء تقديم العرض، وصف النص المعروض خلف المندوب الروسي لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ألكساندر شولغين، الفيديو المُسجَّل في مستشفى دوما يوم 7 أبريل/نيسان باعتباره “فيديو زائفاً” أنتجه عاملو الإنقاذ المتطوعون والمعروفون باسم الخوذ البيضاء.

ونظراً لأنَّ الفيديو سجَّلته في الحقيقة مجموعةٌ أخرى، هُم النشطاء الذين يديرون صفحة فيسبوك المسمَّاة “Douma.Revolution” -وتتضمَّن الصور المستخدمة من جانب روسيا شعار الصفحة- ليس واضحاً السبب الذي يجعل المسؤولين الروس يُصِرُّون على نسب المقطع للخوذ البيضاء. أحد التفسيرات الممكنة لهذا هو وجود حملة روسية قائمة بالفعل هدفها شيطنة المجموعة التي تتلقَّى تمويلاً من حكوماتٍ غربية ووثَّقت من قبل آثار القصف الروسي على المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، بحسب الموقع الأميركي.

وكانت روسيا قد تجاهلت طلباً تقدَّمت به منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للسماح لمفتشيها الموجودين في سوريا بإجراء مقابلات مع الشهود أولاً، والانتظار حتى يُقدِّم المحققون تقاريرهم قبل طرح النظرية الروسية لما حدث.

وعندما مضت الإحاطة الروسية قُدُماً بالفعل، استُنكِرَت من 17 دولة قرَّرت مقاطعتها باعتبارها “ممارسة ترويجية فجة”، وتضمَّنت الدول المُقاطِعة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وتلك الدول الثلاث لديها قناعة بأنَّ النظام السوري قد استخدم أسلحةً كيماوية بالفعل، ونفَّذ ضربات جوية انتقامية قبل أسبوعين، حتى قبل أن يبدأ مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عملهم للتحقيق في الواقعة.

مؤتمر صحفي غريب

وبحسب الموقع الأميركي بعد ذلك، قُدِّم وفد المواطنين السوريين إلى وسائل الإعلام في مؤتمر صحفي غريب عُرِض فيه فيديو ناشط المعارضة المذكور الذي ظهر فيه كل واحدٍ من هؤلاء في المستشفى ليلة حدوث الهجوم على شاشةٍ كبيرة خلفهم، فيما أدلوا بتصريحاتٍ مُعدَّة مسبقاً للصحفيين.

ونقلت المراسلة ميشيل كليفورد صورةً من المؤتمر، قائلة في تغريدة: “حسن دياب يظهر في مقطع الفيديو في المؤتمر الصحفي، فيما يقول والده إنَّهما أُمِرا بالذهاب إلى المستشفى يوم 7 أبريل/نيسان. وإنَّهما رأيا إطاراتٍ تُحرَق ودخاناً يتصاعد. بدأ الناس بصبّ الماء على حسن. وقِيل لهما فيما بعد إنَّ ذلك كان ملفقاً، ولم يريا أية حالات تسمم. والجميع في صحةٍ جيدة”.

 

عبَّر عديدٌ من الصحفيين الحاضرين في الغرفة عن انزعاجهم من مشهد الصبي، الذي توجَّه لهم بالكلام لمدة 40 ثانية، مُدافِعاً عن النظام السوري الذي ظل يقصف مدينته لفترةٍ بلغت نصف عمره.

وغرَّد الحساب الرسمي لشبكة تليفزيون روسيا اليوم الروسية عبر موقع تويتر فيديو لحسن دياب وهوَ يتحدث، وكُتِب: “لا هجوم، ولا ضحايا، ولا أسلحة كيماوية: شهود دوما يتحدثون في الإحاطة المقامة بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي”.

https://twitter.com/RT_com/status/989572512664178688

 

الجانب الأغرب في الحدث

 

وبحسب الموقع الأميركي ربما يكون الجانب الأغرب من الحدث هوَ كم بدا الأمر غير متصل بالموضوع. إذ أقسم شاهدٌ بعد آخر أنَّه لم توجد أية علامة على التعرُّض لعاملٍ كيميائي ولا وفيَّات بين المرضى الذين عالجوهم في المستشفى، وأصرَّ والد حسن دياب أنَّ أحداً من عائلته لم يمرض بسبب الغاز، لكن لم تكن أي من تلك الشهادات متصلة بما حدث في الليلة ذاتها في مبنى سكني قريب، حيث سجَّل النشطاء فيديو يصوِّر أكواماً من الجثث، منها جثث تظهر رغاوي حول الفم، وأسطوانة معدنية كبيرة صفراء مُطابِقة لتِلك المستخدمة في هجماتٍ سابقة استُخدم فيها غاز الكلورين.

كذلك كان التركيز الحصري على ما جرى في المستشفى تلك الليلة، على مدار ساعتين تقريباً من الإدلاء بالشهادات، غريباً بشكل خاص لأنَّ شاهدين اثنين مختلفين أخبرا الصحفيين في دوما الأسبوع الفائت، في جولةٍ صحفية نظَّمها النظام السوري، أنَّ عائلتيهما قُتِلتا بالغاز في المبنى السكني المذكور.

وأخبر أحد الشهود، ويُدعى ناصر عامر حنن، الصحفي ستيفان بورغ التابع للشبكة التلفزيونية السويدية TV4 أنَّه نجا من الهجوم لكنَّه فقد زوجته ووالدته وإخوته جرَّاء الغاز. وعندما تحدَّث الرجل ذاته مع الصحفي سيث دوان التابع لشبكة CBS News الإخبارية الأميركية داخل بيته المهدَّم الواقع داخل المبنى، قاد المراسل إلى دورٍ علوي، حيث كانت أسطوانة الغاز الصفراء الكبيرة ما زالت موجودة، بحسب الموقع الأميركي.

وأخبر شاهدٌ آخر في دوما، يُدعى خالد محمود نصير، مراسل وكالة أسوشيتد برس للأنباء باسم مروة أنَّ زوجته وابنتيه قتلا بالغاز في ملجأ تحت الأرض ظلَّت به رائحة غريبة بعد 10 أيام من الهجوم.

وألقى نصير، متحدثاً إلى وكالة أسوشيتد برس خارج مستشفى دوما، باللوم في حدوث هجوم الغاز ليس على النظام السوري، بل على المعارضين الإسلاميين الذين ظلوا يسيطرون على المدينة حتى يوم 8 أبريل/نيسان. وعاب على الخوذ البيضاء أيضاً عدم إنقاذهم لعائلته.

اتهمات للخوذ البيضاء بفبركة الواقعة

ومع أنَّ ذلك يناقض المزاعم الروسية بأنَّ الغاز لم يُستخدَم في أي مكانٍ في دوما، وأنَّ الصور المأخوذة من المستشفى كانت مفبركة من جانب الخوذ البيضاء بتوجيهٍ من الاستخبارات البريطانية، إلَّا أنَّ فيديو مقابلة أسوشيتد برس مع نصير نُشِر على حساب قناة Press TV على الإنترنت، وهي قناة متحدثة باللغة الإنكليزية مملوكة لحليفة سوريا إيران، بحسب الموقع الأميركي.

ونشر حساب القناة على موقع تويتر الفيديو مرفقاً بتعليق جاء فيه: “انظر بنفسك: شهادة مروعة من شاهد عيان على الهجوم الكيماوي المزعوم في بلدة دوما السورية يربط الهجوم بالمجموعة المثيرة للجدل المدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا المدعوَّة بالخوذ البيضاء”.

 

وبرغم ذلك، تصرَّف السفير شولغين والمندوب السوري، غسان عبيد، أثناء المؤتمر الصحفي الذي عُقِد الخميس كما لو كانت شهادات الشهود تثبت على نحوٍ لا جدال فيه أنَّه لم يقع أي هجوم بالغاز على الإطلاق، بحسب الموقع الأميركي.

وقرب نهاية الفعالية، قارن شولغين ما أسماه بـ”تمثيلية الهجوم الكيماوي” بحادثة غلايفتز، وهوَ هجومٌ زائف نفَّذته ألمانيا النازية واستخدمته كذريعة لغزو بولندا في بداية الحرب العالمية الثانية. كذلك حمَّل شولغين أفعال الغرب في سوريا مسؤولية تقريب العالم باتجاه خطر نشوب نزاعٍ عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا أكثر من أي وقتٍ مضى منذ أزمة الصواريخ الكوبية.

وقال شولغين متشائماً: “يقف العالم الآن في مفترق طرقٍ خطير، معاذ الله أن تحدث أية مواجهة نووية. هذا ما يقوله الجميع في روسيا، معاذ الله أن تقوم حربٌ أخرى، فَقَدنا 27 مليون شخصٍ في الحرب الأخيرة، كل ما نريده هو السلام”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top