في العام 2007 قدَّم الفنان الراحل خالد صالح، في فيلمه الشهير “هي فوضى”، نموذج أمين الشرطة المتسلط الذي لا يرى أحداً، ولا يخشى أحداً كونه اليد العليا التي تضرب بها الدولة مَن تريد في الوقت الذي تحدده هي.
أبرَزَ العمل قدراً كبيراً من الجهل المتأصّل لدى هذه الفئة، وهو جهل يتناقض تماماً مع ما يتناقله الإعلام المصري لشخصية منصور أبو جبل، الذي برز اسمه بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، واشتهر بالاعتصامات والإضرابات أمام أقسام الشرطة ومديرية أمن الشرقية؛ للمطالبة بحقوق أمناء الشرطة.
قضت محكمة جنايات الجيزة، السبت 28 أبريل/نيسان 2018، بمعاقبة أبو جبل و10 آخرين بالسجن ثلاث سنوات، ووضعهم تحت المراقبة الشرطية مدة مساوية للحكم، كما عاقبت 2 آخرين بالسجن 5 سنوات، بعد إدانتهم بـ”التجمهر وتحريض زملائهم على تعطيل العمل والإضراب بالمخالفة لأحكام القانون، ما من شأنه الإضرار بمصالح جهة عملهم”.
بداية الأزمة
في العام 2014 تصدَّر أبو جبل مشهد الإضراب الكبير الذي نفذَّه مئات الأمناء أمام مديرية أمن الشرقية، بعد تشييع زميل لهم قتل في حادث إرهابي.
وخطب أبو جبل خلال الجنازة في زملائه، مطالباً بالكشف عمن يقف وراء الاغتيالات التي تطال أفراد الشرطة، وقال “إن من سيسكت اليوم فسيذبح غداً”.
تصاعدت وتيرة الاحتجاج التي استمرت، من منتصف أغسطس/آب 2015، حتى 21 فبراير/شباط 2016، بدائرة قسم شرطة الزقازيق، وتخللها اقتحام مكتب مدير الأمن.
واجه أبو جبل، الذي كان يتزعم ما عرف بـ”ائتلاف أمناء الشرطة”، وزملاؤه تهم الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نفاه مراراً قبل توقيفه، مؤكداً مشاركته في كل المواجهات التي وقعت بين الأمن ومؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، بعد يوليو/تموز 2013.
ومع كثرة الأحاديث وتبادل الاتهامات، حاول “عربي بوست” الوقوف على أسباب وتداعيات ما حدث لأبو جبل ورفاقه.
هل أذنب أبو جبل فعلاً أم أن للأمر أبعاداً سياسية؟
من المعروف لدى قطاع كبير من المصريين أن فئة أمناء الشرطة كانت وما زالت تمثل صداعاً في رأس المواطن، وفي رأس الدولة ذاتها، كونها الفئة الأكثر استقواءً على الشعب من جهة، والأكثر تنفيذاً لأوامر الدولة من جهة أخرى، ما يجعلها تتعامل مع الطرفين من منطلق “ليّ الذراع”.
أشرف، واحد ممن شهدوا الواقعة التي حُبس أبو جبل بسببها، يؤكد حقيقة أنه كان مختلفاً تماماً عن طبيعة أمين الشرطة المعتادة، وأنه كان دائم الحديث عن حقوق أمناء الشرطة.
ويؤكد أشرف، وهو أمين شرطة كان يعمل في قسم شرطة الزقازيق، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 2016، لـ”عربي بوست”، أن أبو جبل، وهو أمين شرطة بمرور الزقازيق، كان يتحدَّث من منطق فئوي بحت، لكنه “تجاوز الحدود”.
كان أبو جبل شخصيةً قياديةً، كما يقول أشرف، لكن خياله جنح به حتى اعتقد أنه قادر على إرغام الدولة على تنفيذ ما يريد، لمجرد أنه قادر على المواجهة.
ويتابع أشرف “مشكلة أبو جبل أنه كان يريد مساواة أفراد الشرطة بأفراد الجيش، ليس فقط في الأمور المادية، وإنما في الأمور المعنوية، وخصوصاً فيما يتعلق بحمايتهم خلال المواجهات”.
أبو جبل كانت له قائمة طلبات يصعب تنفيذها، لكن وقوف مئات الأمناء في صفّه منحه شعوراً بأنه تمكّن من توفير الحشد الكافي لتخويف الدولة، التي لا تخاف، كما يقول أشرف.
وطالب أبو جبل برفع بدل المخاطر من 60 إلى 100%، وبالرعاية الاجتماعية للأفراد، وبناء مستشفى خاص لهم بالشرقية، وزيادة مكافأة نهاية الخدمة، وإلغاء الحبس الاحتياطي لأمناء الشرطة في وقائع تتعلق بالعمل.
مؤكداً أن الأزمة الكبرى هي أنه حرَّض فعلاً على إغلاق عدد من أقسام الشرطة بالسلاسل، ومنع المواطنين وحتى الضباط من دخولها، ثم يصل بك الأمر أن تقتحم مكتب مدير الأمن، ثم لم يقبل بفضِّ التجمهر حتى بعد تدخل الجيش في الأزمة.
حاول اللواء كمال الدالي، مساعد وزير الداخلية للأمن العام آنذاك، وبعض القيادات العسكرية بالشرقية، إقناع أبو جبل بتنفيذ هذه المطالب تدريجياً، مقابل فضِّ الاعتصام، لكنه لم يقبل، وتمادى في رفضه حتى بعد أن تحولت المفاوضات إلى تهديد علني، بحسب أشرف.
وأضاف أشرف “بعدما فشلت المفاوضات، حاصرت قوة كبيرة من الجيش منطقة مديرية أمن الشرقية، وفضَّت الاعتصام بالقوة، وأظهرت العينَ الحمراء لأبو جبل وغيره، وانتهى الأمر”.
يتوقع رفقاء أبو جبل أنه لم يكن يتحرَّك من منطلق إيدولوجي كما يقال، ولكنه كان مقتنعاً بأن الظرف السياسي يسمح بتحقيق أكبر قدر من المطالب، وحاول استغلال ذلك، لكن كان عليه أن يضع نفسه في حجمه، خصوصاً أن قائمة مخالفات أمناء الشرطة طويلة، ويمكن للدولة ليّ ذراعهم بألف طريقة، كما أن هناك آلاف الأمناء لا يتبنّون هذه المطالب، لكن هناك من لا يفهم ذلك.

“اضرب المربوط يخاف السايب”
أمين شرطة آخر يعمل في إحدى قرى صعيد مصر، يرى أن الأمر كله مجرد “ضرب للمربوط”، وأن الدولة عاقبت أبو جبل لكي يعلم، غيره أنه لا أحد أقوى من الحكومة، لافتاً إلى تضامن بعض الأمناء في المحافظات الأخرى مع حركة أبو جبل، أقلقت الوزارة.
ويضيف الأمين -الذي طلب عدم ذكر اسمه- هم لا يستطيعون تصفية أمناء الشرطة كما يقول البعض، لكنهم يستطيعون تأديب عدد منهم، كما حدث. في النهاية الدولة بحاجة لهذه الفئة، وتتغاضى عن كثير من ممارستها، لأن تستخدمهم في أمور كثيرة، لكن ليس لدرجة أن تخضع لهم.
ويتابع “الضباط لا يعملون تقريباً. هم يعتمدون على الأمناء في كل شيء، بدءاً من التحريات إلى عمل المحاضر وانتهاء بالمخالفات القانونية، كالاعتقال التعسفي والتعذيب والتلفيق، بل وتحصيل الرشاوى. كل هذا يقوم به الأمناء، لكن هذا لا يعني أن يرغموا الوزارة على ما لا تريد”.
ويؤكد الأمين أن إغلاق الأمناء لمبنى مديرية الأمن اعتراضاً على إيقاف أبو جبل عن العمل عام 2013، ثم تكرار الأمر واقتحامه بنفسه مكتبَ مدير الأمن، كلها أمور لا يمكن للوزارة أن تتجاهلها”.
ويضيف “أنا شخصياً تعرَّضت لمشكلة عندما أطلقت النار على أحد المواطنين في خلاف خاص، وأصبته في ذراعه، وعندما تم استدعائي للتحقيق دخلت على رئيس المباحث، وهدّدته بفضح ما يحدث في أروقة لو لم يتدخل لإنهاء الموضوع، لكنه لم يخضع للتهديد”.
وتابع أمين الشرطة ضاحكاً “رئيس المباحث قال لي حرفياً: يمكنك أن تطلب مني إنهاء الأمر، لكن لا يمكنك أن تأمرني بذلك. وبالفعل، تراجعت عن طريقتي في الحديث، وجنحت لاستعطافه من منطلق أنني رجُله، فتدخل مع النيابة العامة، وتم حفظ المحضر، لكنه عاقبني بعدها ونزلت إلى عسكري درجة ثانية (درجة وظيفية أقل)”.
تحسين الأوضاع لا يعني المساواة بالجيش
أحد ضباط مديرية أمن الجيزة، قال لـ”عربي بوست”، إنه سمع أن أبو جبل ومَن معه كانوا بالأساس يطالبون بتحسين أوضاعهم، لأنهم لا يقبلون بالرِّشا، مضيفاً “سمعت أيضاً أنه كان يقنع من حوله بأن عليهم مطالبة الدولة بتوفير ما يكفيهم”.
لكن، والحديث للضابط، كان يمكنه أن يطلب ما يريد بطريقة مختلفة، ولو صبر لحصل على ما يريد، لكنه صدَّق أنه زعيم، وغرَّه تجمُّع كثيرين حوله. عقليته أصغر من أن يفهم تبعات ما كان يفعله. لقد كان يتحدَّث لوسائل الإعلام، وهذه وحدها مخالفة تستحق السجن”.
ويسخر الضابط، وهو برتبة ملازم أول، قائلاً “أبو جبل كان عايز يشيل وزير الداخلية. ده مفروض يتعدم مش يتحبس”.

وكانت الصفحة الرسمية لـ“ثورة أمناء الشرطة” (تم حجبها لاحقاً)، نشرت على موقع فيسبوك، وقت الاحتجاجات، أن مطالب المعتصمين تتلخص في: التدرج الوظيفي، وإنشاء وحدات سكنية خاصة بهم، والحصول على حوافز وأرباح قناة السويس، أسوة بالقوات المسلحة، والحصول على أربعة شهور عن كل عام خدمة، أو عشرين شهراً كحدٍّ أدنى مكافأة بنهاية الخدمة.
كما طالب الأمناء بالحصول على تعويض مئة ألف جنيه، وجنازة عسكرية لكل مَن يُقتل منهم، أسوة بباقي جهاز الشرطة، ورفع بدل المخاطر إلى 100%، بدلاً من 60%، ورفع بدل الغداء إلى عشرين جنيهاً، وتلقِّي العلاج في مستشفيات الشرطة، وتعديل أوقات عمل الخفراء الذين يعملون 12 ساعة في اليوم.
وبعد هذه الاحتجاجات، شنَّت الحكومة المصرية حرباً إعلامية على فئة أمناء الشرطة، مستغلةً تورُّطهم في حوادث قتل مواطنين لأسباب شخصية، وحمَّلتهم مسؤولية كل ما يحدث من تجاوزات.