في حفرةٍ في الأرض، رقدت مومياء ملطخة بلون الطين، بعد أن أخرجت من قبرها أسفل لوح أسمنتي سميك. اكتُشِفت المومياء بالقرب من مرقد الشاه عبد العظيم الحسيني ذي المكانة الرفيعة لدى الشيعة، حيث ووريت جثامين الملوك والنبلاء الثرى. فجأة غرق أحد الحفارين الذين كانوا يعملون بالقرب من الموقع في صمت عميق، وسُمعَت أصوات ضجيج العمال المشدوهين.
يضيف تقرير صحيفة The New York Times: لم يكن هذا الاكتشاف ليحظى بذكر في الصحافة المحلية إن كان قد حدث في القاهرة؛ ولكن إيران ليست معروفةً بالمومياوات كما مصر؛ فهنا يدفن الموتى في كفن أبيض فضفاض، وسرعان ما تتحلل جثامينهم.
التقط مشغل الحفار صورة سيلفي مع الجسد المُحوَّل إلى مومياء الشهر الماضي ونشرها على الشبكات الاجتماعية، ومن هذه الصورة برزت نظرية استهوت البعض وانتشرت على نطاق واسع: إن هذه البقايا يمكن أن تكون لرضا شاه بهلوي، العميد القوقازي الذي اضطلع الإنكليز بدورٍ كبيرٍ في تنصيبه شاهاً لإيران عام 1925، ليبدأ حكم سلالته الذي استمر 54 عاماً.
https://twitter.com/IRAN_the_Great/status/988692842909487104
وذكر أقارب سائق الحفار لقنوات أجنبية أنه استُدعي للتحقيق. بل إن بعض الناس ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا إنه اعتُقِل، وهو أمرٌ لم يتسنَّ لـThe New York Times التحقق من صحته من مصدر مستقل.
وتصاعد التشويق في القصة بعد أن انتشرت أخبار المومياء في أرجاء البلاد، لتصبح نقطة شعبية للاحتشاد ضد حكومة آيات الله في إيران وأقضت مضاجع الجهات العليا في البلاد؛ إذ بدأ الناس يحتشدون عند المرقد، ويستنجدون برضا شاه. ويظهر أحد مقاطع الفيديو مشجعي نادي برسبوليس الإيراني لكرة القدم وهم يهتفون: “يعيش رضا شاه” أثناء إحدى المباريات.
بل إن بعض القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية التي تبث من خارج إيران استبشرت باكتشاف المومياء باعتباره نذيراً بأن أيام الجمهورية الإسلامية باتت معدودة. وصاغ حفيد رضا شاه، ولي العهد رضا بهلوي، والذي يعيش في حواري واشنطن، بياناً يدعو فيه إلى تحقيق مستقل. وكانت عودة الشاه محل جدل محموم في أرجاء إيران، في محال البقالة ومحطات الحافلات والعيادات وفي كل مكان.
وقال أكبر، الذي كان يبيع الحلي الإسلامية في بازار بالقرب من المرقد ورفض أن يفصح عن اسم عائلة لشخص أجنبي يجري تحقيق ونواياه غير واضحة: “هذه المومياء لرضا شاه، لا شك في ذلك”. ويضيف: “نحن الإيرانيين نؤمن بالخرافات، ولهذا أنا شخصياً موقنٌ أن في عودته رسالةٌ مفادها: “أصلحوا هذه الفوضى”.
وفي الأشهر الأخيرة، شهدت إيران احتجاجات على تأخر الاقتصاد وعلى إلزام النساء بارتداء الحجاب الإسلامي. وفي الوقت نفسه، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أنه يرغب في مراجعة الاتفاق النووي الإيراني، الذي كان العديد من الإيرانيين يعلقون آمالهم عليه لوضع البلاد على المسار “الطبيعي”.
بدلاً من ذلك، وجد الإيرانيون أنفسهم عالقين في حالة من التيه تبدو سرمدية. وثمة حالة من الحنين إلى الأيام التي سبقت اندلاع الثورة الإسلامية، وهي أيامٌ زار فيها الرئيس الأميركي جيمي كارتر إيران ليلتقي الشاه محمد رضا بهلوي، نجل رضا شاه، بدلاً من مساومات خبراء الأسلحة على أجهزة الطرد المركزية النووية. بطبيعة الحال يبدو أن الناس يغفلون بعض الشيء ميول الشاه السلطوية، والانتهاكات التي ارتكبها البوليس السري، المعروف باسم السافاك، في عهده، والتي تسببت في تأجيج الثورة التي أطاحت به عام 1979.
وفي حين رفضت السلطات البت في ما إذا كان الاكتشاف الأخير يعود فعلاً إلى البقايا المحنطة لرضا شاه، فإن العديد من الإيرانيين استقبلوا تململ السلطة وموقع الاكتشاف والغياب الفعلي لأي مومياوات أخرى في البلاد كدليل على صحة هذا الاستنتاج.
وصاحت بي والدة زوجتي الإيرانية خلال نقاش على طاولة المطبخ: “لا بد أنه هو. نحن الإيرانيين لا نملك مومياوات”.

ويذهب منطقهم في هذا الاتجاه: “حين غادر محمد رضا بهلوي وأسرته البلاد على عجل في يوم مشمس من شهر يناير/كانون الثاني عام 1979 حين كانت الثورة الإسلامية تستجمع زخمها، خلفوا وراءهم اثنين من أقاربهم الذين ماتوا منذ فترة طويلة. أحدهما شقيق الشاه الأمير علي رضا بهلوي، الذي مات عام 1954 في حادث طائرة في جبال البورز الجليدية في إيران ودفن في مكان غير معلوم، وفق The New York Times.
غير أن قبر والده، رضا شاه، الذي مات عام 1944، من الصعب أن يخطئه أحد: ضريحٌ مهيبٌ بالقرب من حديق الببغاوات حيث كان الحفار يعمل الشهر الماضي .
حكم رضا شاه لما يقرب من عِقدين من الزمان. ويلقبه العديد من الإيرانيين بأنه “مؤسس إيران الحديثة”، نظراً لأنه استطاع وحده أن يحول دولة متخلفة تعج بالبعوض إلى دولة متقدمة ملائمة للقرن العشرين. نُفي إلى جنوب إفريقيا بعد أن أجبره الإنكليز والسوفييت على التنازل عام 1941 لصالح ابنه.
بعد موته في جوهانسبرغ عام 1944، حُمل جثمانه إلى مصر، حيث حُنط جسده وظل هناك حتى عام 1950، وهو العام الذي أعيد فيه رفاته إلى إيران.
بني المرقد الذي ووري فيها جثمان رضا شاه الثرى على طراز مرقد نابليون. وينافس في حجمه مرقد الشاه عبد العظيم، نظراً لارتفاعه لأكثر من 80 قدماً. ولكن بعد الثورة، أمر رجل الدين المثير للفتن صادق خلخالي، الذي كان يُعرف بـ”قاضي الإعدامات” لإصداره أحكاماً بإعدام المئات، بهدم الضريح.
ويقول علي ذاكري، الرجل السبعيني الذي يقضي معظم أيامه في البازار المحيط بمرقد الشاه عبد العظيم: “أذكر حين بدأ رجال الثورة بهدم الضريح. كان شديد المتانة لدرجة أنهم لم يتمكنوا بعد يوم كامل من التكسير سوى بإزالة 3 سنتيمترات فقط”، أي أكثر من بوصة واحدة بقليل.
كان يوماً ربيعياً مشمساً، وكان ذاكري وصديقه يناقشان الحضور المكثف للشرطة الذي صاحب تدفق الحشود إلى المنطقة المحيطة بالمرقد والتي عادةً ما تكون هادئة، أملاً في إلقاء نظرة على المومياء.
يقول صديق ذاكري فارمان حمايتي متحدثاً عن الصورة التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي: “حين رأيت المومياء عرفت أنها تعود لرضا شاه”. وكان حمايتي يجلس بجوار ميزانٍ يشبه تلك المتسخدمة في المراكز التجارية القديمة، والتي يمكن للناس أن يزنوا أنفسهم عليها مقابل ما يعادل 5 سنتات، وإن كان قلة فقط هم من يقدمون على ذلك.
ثم استعرض حمايتي نظريته حول سبب إثارة المومياء لهذه الموجة من التشويق.
وقال: “خسرت معظم أموالي بعد الثورة”، مضيفاً أن الأمور تتجه نحو الأسوأ في إيران منذ اندلاع تلك الثورة: “نحتاج إلى قائد قوي، يضع الأمور في نصابها في هذا البلد، شخص يشبه رضا شاه. واكتشاف جثمانه دليلٌ على أن التغيير قادم”.
وبالنسبة للسلطات الإيرانية، شيءٌ واحدٌ كان واضحاً، وهو أن المومياء، أياً من كان صاحبها، ينبغي أن تُبعد عن نظر العامة.

اتخذت الإجراءات، وبدأ رجال شرطة بملابس مدنية يحومون حول الضريح، بحثاً عن المهووسين برضا شاه والزج بهم في السجون وفق تقرير The New York Times. في إحدى الليالي مؤخراً، وبعد تجمهر مجموعة كبيرة من الناس هناك، ألقي القبض على العديد منهم. وأغلق موقع الإنشاء الذي عُثِر فيه على المومياء أمام العامة.
وبعد اكتشاف المومياء بمدةٍ وجيزةٍ انساق حسن خليل عبادي، رئيس لجنة التراث الثقافي بمجلس مدينة طهران، في مقابلة مع وكالة أنباء ISNA شبه الرسمية، لفكرة أن تكون المومياء تخص رضا شاه. غير أن هذه التصريحات من مسؤول رسمي سرعان ما اختفت من المواقع الإخبارية المحلية. دفنت المومياء مرةً أخرى أو حُملت إلى مكان آخر، أو ربما، كما يقول أحد المسؤولين، كان الأمر برمته تلفيقاً بالفوتوشوب. فمن المنظور الرسمي، هذا الأمر لم يحدث من الأساس.
وفي إحدى صالات احتساء الشاي التي تقع في المواقع القريبة، جلس علي وآراش يدخنان الشيشة ومن خلفهما صوت التلفزيون الحكومي. قال علي إنه يعمل مندوباً لإحدى شركات الواقيات الذكرية، بينما يعمل آراش في بيع ملابس الأطفال. كانت الساعة الحادية عشرة صباحاً غير أن علامات التعب كانت قد ظهرت عليهما بالفعل.
وقال علي البالغ من العمر 31 عاماً: “أشياء كثيرة تسير على نحو خاطئ في هذا البلد”. أما آراش فقال: “مزاجنا دائم التغير”.
ثم غرق الاثنان في الصمت.
وقال علي ليختم حديثه: “رضا شاه سيكون مثالاً للرجل القوي الذي ننتظره”.
وقال آراش: “لا أظن هذا؛ سننسى أمره مرةً أخرى كما نسينا كل شيء آخر”.