بعد ساعات من مشاهدة تقرير تلفزيوني يفيد بأنَّ كندا سوف تقبل اللاجئين الذين رفضهم ترمب، عبَّأ ألكساندر بيسونيت مسدسه وبندقيته من طراز غلوك، والتقط زجاجة سميرنوف آيس، وسار في شوارع كيبيك المغطاة بالجليد متجهاً إلى المركز الثقافي الإسلامي القريب.
أفرغ بيسونيت 48 طلقة بينما كان 53 رجلاً ينهون صلاة العشاء. قُتل 6 أشخاص -الكثير منهم بطلقات في الرأس- وجرح 19، أصيب أحدهم بالشلل مدى الحياة.
ظهرت هذه التفاصيل خلال جلسة استماع، استمرت 3 أسابيع، انتهت الشهر الماضي (أبريل/نيسان 2018). ويواجه بيسونيت، طالب العلوم السياسية الشبيه بالمتشردين ذي الـ28عاماً، عقوبة بالسجن تصل إلى 150 عاماً، بعد اعترافه بـ6 تهم قتل من الدرجة الأولى، ومن المُتوقَّع أن تُوقَّع العقوبة عليه في الشهور المقبلة.
صدمة في كيبيك
كانت جلسة الاستماع، حسب تقرير صحيفة The New York Times، تذكيراً كئيباً بأنه بعد أكثر من عام من الهياج الذي حدث في أعقاب الـ29 من شهر يناير/كانون الثاني 2017، لا تزال كندا تتعامل مع جريمة بيسونيت. صَدَمَت هذه الجريمة البلد وأكَّدت مخاطر معاداة الإسلام (الإسلاموفوبيا) واليمين المُتطرِّف في بلدٍ يتفاخر بتعدُّديته الثقافية وتسامحه.
هيرمان ديباريس-أوكومبا، مدير مركز منع التطرُّف المؤدي إلى العنف في مونتريال، اعتبر البذاءة الفجَّة لشخصٍ يطلق النار على الناس بمكان عبادة في كندا المُحبة للسلام، قد هزَّت الناس؛ لأنها مزَّقت صورة الكنديين عن أنفسهم بصفتهم أمة وصلت إلى غاية الإنسانية والانفتاح.
كندا تعتبر نفسها بلداً من المهاجرين، حسب أوكومبا، وكان الناس يظنون أنَّ مثل هذه الحوادث من المُحال وقوعها عندهم “لم تكن جريمة بيسونيت ضد جالية ما فحسب؛ بل كانت جريمة ضد رؤية الكنديين الجمعية لأنفسهم. لقد جُرِحنا جميعاً!”.

وخلال جلسات الاستماع المروعة، رسم وكلاء النيابة والناجون وعلماء نفس السجن والناس الذين عرفوا بيسونيت صورة لشاب منعزل اجتماعياً، لكنه ذكيٌ أصبح مهووساً باليمين المُتطرِّف والقتلة الجماعيين، ودونالد ترمب والمسلمين.
لماذا لم يُتهم بالإرهاب؟!
وأثار عدم اتهام بيسونيت بالإرهاب احتجاجاتٍ من مجموعاتٍ من المسلمين، قالت إنه لو كان اسمه محمد فإن التهم كانت ستختلف.
وطبقاً للقانون الجنائي الكندي، فإنَّ إثبات نية الإرهاب ليس بالأمر الهين، وقال خبراء قانونيون إنَّ المدعين العموميين من المُرجَّح أن يخلصوا إلى أنَّ ضمان الإدانة بارتكاب جريمة قتل من الدرجة الأولى سوف يكون أقل مخاطرة.
وقد شهد بعض الناجين بأنهم كانوا خائفين للغاية من العودة إلى المسجد. وقد سمحت المحكمة، القائمة في هذه المقاطعة العلمانية الصارمة التي أصدرت منذ وقت قريب قانوناً يحظر على من يرتدون النقاب إعطاء أو تلقي خدمات عامة، للشهود المسلمين بالقَسم على القرآن.
وقد أثار بيسونيت، بتصرُّفه الفردي هذا، سؤالاً صعباً: كيف يمكن لطالبٍ جبانٍ ورقيقٍ ومهووس بالشطرنج، من أسرةٍ تنتمي إلى الطبقة الوسطى، أن يصبح قاتلاً؟
وقبل شهرٍ من جريمة القتل التي ارتكبها بيسونيت، بحث في الإنترنت 819 مرة عن منشوراتٍ مرتبطة بترمب، فقرأ تغريداته على “تويتر” بشكل يومي، وركَّزَ على حظر الرئيس الأميركي السفر على عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة. وكان يخبِّئ تحت سريره، في بيت أبويه، عدداً من البنادق. وقد كان أخوه التوأم، ماثيو، واحداً من أصدقائه القليلين.

وقد أخبر بيسونيت المُحقِّقين بأنه أراد قتل المزيد من الناس وأراد حماية عائلته من الإرهابيين الإسلاميين.
بيسونيت في أحد فيديوهات التحقيق التي عُرِضَت في المحكمة، يقول: “لقد كنت متأكداً أنهم سوف يأتون ويقتلون والديّ أيضاً، وعائلتي”.
الخوف من الآخَر
كان بيسونيت، خلال جلسة الاستماع، مُكبَّل اليدين وقد غُطِيَ جسده النحيل بقميصٍ فضفاض. وتقلَّبت تصرفات بيسونيت بين الصمت الخالي من التعبير والدموع التي ظهرت من وراء غرفة زجاجية، وكان محاطاً بضابطي شرطة.
وبدا بيسونيت غير مبالٍ بشيءٍ عندما شهدت ماجدة بلقاسمي، (29عاماً)، ابنة أحد الضحايا، الأستاذ الجامعي خالد بلقاسمي، عن رؤيتها والدها وقد اخترقت رصاصة مكان عينه، لكنه انتحب عندما سمى القاضي والديه “ضحايا ثانويين” للهجوم.
وقد ظهرت غرابة أطوار شخصية بيسونيت في المكالمة المروعة لشرطة النجدة التي استمرت 50 دقيقة، والتي سلم فيها نفسه وشُغِّلَت بالمحكمة، وفي هذه المكالمة كرَّر مراتٍ أنه سوف يطلق النار على نفسه.
وجلس والدا بيسونيت، مانون مارشاند وريموند بيسونيت (موظفة في القطاع العام ومحامٍ)، بوقارٍ خلال إجراءات المحكمة، بمقدمة الأماكن المُخصَّصة للجمهور في قاعة المحكمة، والتي امتلأت بعائلات الضحايا، وفي لحظة ما، واسى الزوجان امرأةً مُحجَّبَة.
خبراء التطرُّف في كيبيك، وهي مقاطعة ناطقة بالفرنسية محاطة بأغلبية تتحدَّث الإنكليزية، يعتبرون أن لليمين المُتطرِّف أرضيةً خصبة وخطرة للشباب غير المستقر مثل بيسونيت، الساعي لشعور بالهوية والباحث عن كبش فداء.
وقال أوكومبا إنَّ بيسونيت كان جزءاً من عدد متزايد من شباب الطبقة الوسطى المتعلمين في كيبيك، المنجذبين إلى أفكار اليمين المُتطرِّف، التي أثارها انتخاب ترمب وتزايدت بفعل المخاوف من تهديد المهاجرين هوية كيبيك.
أوكومبا عندما أنشأ المركز عام 2015، تعامل مع 17 حالة لشباب من المقاطعة تأثروا بأفكار اليمين المُتطرِّف.
ومع ذلك، فقد شدد على أنَّ مجموعات اليمين المُتطرِّف في كيبيك مثل جماعة لا مويت أو وولف باك، التي تسيء إلى الإسلام، ما تزال هامشية.
الشباب في المنطقة -حسب أوكومبا- لا يتطرفون لأنهم يشعرون بالتمييز ضدهم؛ نظراً إلى طبيعة المجتمع الكندي الإدماجية، لكنهم يتطرفون لقناعاتٍ أيديولوجية “يشعرون بأنهم ينبغي لهم فعل شيء لمنع كارثة ما”.
الإنترنت ساهم في التطرف
ويبدو أنَّ الإنترنت أيضاً قد أمدَّ بيسونيت بمنبرٍ وذريعةٍ، على حد سواء، للتنفيس عن سخطه، ويؤكد فرانسوا ديشامب، الذي يدير موقعاً لجمع التبرعات للاجئين السوريين، أن بيسونيت قد أمضى شهوراً في السخرية من صفحة المجموعة على فيسبوك.
كان بيسونيت يحب التعبير عن آراءٍ شديدة المحافظة، وعنصرية ومعادية للمسلمين، وكان أيضاً يذهب إلى صفحات الفعاليات التابعة للجماعات النسوية ويكتب: “النسويات النازيات”.
ومثل مرتكب هجوم الشهر الماضي (أبريل/نيسان 2018) في تورونتو، أليك ميناسيان (25عاماً)، الذي دهس 10 من المارة بشاحنة مستأجرة، فقد كان بيسونيت مشغولاً بإليوت رودجر، الرجل الذي قتل 6 أشخاص في إيسلا فيستا بكاليفورنيا، في شهر مايو/أيار 2014، بعد أن اشتكى من إخفاقاته مع النساء.
وقد تصفح بيسونيت أيضاً المواقع المرتبطة بالقومي الأبيض ريتشارد سبنسر، والزعيم السابق لجماعة “كو كلوكس كلان” ديفيد ديوك، وديلان روف المؤمن بتفوق العرق الأبيض، والذي قتل 9 أميركيين من أصول إفريقية في كنيسة بساوث كارولينا.
وقد أثارت جلسة الاستماع هذه سؤالاً شائكاً حول ما إذا كان التنمر، وفشل المجتمع في منعه، قد دفعا بيسونيت إلى هذا المسلك القاتل.
لوسي كوتي، مُدرسة اللغة الفرنسية التي درّست بيسونيت لما كان في الثانوية، أكدت للمحكمة أنه كان يتعرَّض للضرب والسخرية والدفع تجاه الحائط بلا رحمة من الطلاب، “لقد نمَّى ألكساندر ردود فعل عصبية منشؤها الخوف. ألكساندر ليس وحشاً”.
أشخاصٌ ممن كانوا على معرفة ببيسونيت عندما كان في جامعة لافال، وصفوه بالطالب الذي لا يلاحظه أحد. انضم بيسونيت إلى نادي الشطرنج، وكان يصطاد ويبحث عن مأوى في ميدان الرماية وأصبح انطوائياً في الأسابيع التي سبقت الهجوم.
وتذكر إريك دبرواز، الذي كان يقود مجموعة نقاشات سياسية في جامعة لافال الميالة إلى اليسار، أنَّ بيسونيت قد وصل إلى أول لقاء للمجموعة في حانة، مرتدياً قميصاً ورابطة عنق، في الوقت الذي كان الجميع يرتدون فيه قمصاناً قصيرة وبنطلونات جينز.

وقال بيسونيت للشرطة إنه فكر في الانتحار عندما كان في الـ16 من عمره، لما كان غارقاً بالقلق والاكتئاب، وغرق في استهلاك الكحول، كان يطمح إلى أن يصبح طياراً، لكنه حصل على وظيفة بمركز خدمة عملاء بدلاً من ذلك.
حوادث الاعتداء على المسلمين في ازدياد
وفي مسجد كيبيك، حيث لا تزال النوافذ مخترقة بالرصاص، ما تزال الجالية المسلمة تحاول تجاوز الهجوم وتجاوز خوفهم وحزنهم.
محمد لعبيدي، رئيس المسجد، يؤكد أن الحوادث المعادية للمسلمين قد ازدادت قبل الهجوم وبعده. فقبل الهجوم، ترك رأس خنزير مطبوخاً على عتبة المسجد. وبعد أن أعلن لعبيدي عن خطط لبناء مقبرة للمسلمين في المدينة، بعد 6 أشهر من الهجوم، أُحرقت سيارته.

لعبيدي يلقي باللائمة على مجموعات اليمين المُتطرِّف ومضيفي البرامج الإذاعية المعادية للاجئين، في خلق هذا “المناخ السام”.
أما أمير بلقاسمي، ابن خالد بلقاسمي الذي لقي حتفه في الحادث، فيتذكر بحرقة أن والده جاء إلى كندا من الجزائر في التسعينيات هرباً من الإرهاب، ليلقى حتفه بالعنف هنا. ومع ذلك، فقد قال أمير إنه لا نية لديه لترك المكان الذي يعتبره وطناً له، “كيبيك لم تخلق الوحش ألكساندر بيسونيت، لكنَّ معاداة الإسلام هي التي أعطته الحافز”.