24 شخصاً اختفوا بعد مغادرتهم غوانتانامو.. قصة برنامج التأهيل الذي انتهى بالاعتقال السري في دولة عربية نيابة عن أميركا

“إنه مجرد برنامج للتأهيل وسوف تعود بعد ذلك لأسرتك بعد انتهائه”.

هذا ما قيل لحاجي والي محمد، المواطن الأفغاني الذي احتُجِزَ في معتقل غوانتانامو الأميركي منذ 14 عاماً، قبل أن يصعد على متن طائرة في يناير/كانون الثاني 2017، ويستعد ليبدأ برنامج إعادة تأهيل مؤقت في الإمارات.

والي هو واحد مما يقرب من 24 معتقلاً سابقاً بالسجن العسكري في خليج غوانتانامو اختفوا عن الأنظار، وعُزِلُوا إلى حدٍ كبير عن العالم الخارجي منذ نقلهم للخضوع لبرنامج إعادة التأهيل السري الذي تديره الإمارات.

كان اتصال هؤلاء الرجال بعائلاتهم محدوداً، وبعضهم معتقل منذ أكثر من عامين، ولم يُبلَغوا متى سيُطلَق سراحهم، وفقاً لما قاله أقاربهم ومحاموهم ومسؤولون سابقون وحاليون في الولايات المتحدة لصحيفة The Washington Post الأميركية.

قرار لترمب ينأى بالولايات المتحدة عن المشكلة

كشفت المقابلات التي أُجريت مع محامين ينوبون عن 19 من المعتقلين السابقين، أنَّ الرجال الذين نُقلوا إلى الإمارات العربية المتحدة بين عامي 2015 و2017، البالغ عددهم 23 رجلاً، ما زالوا جميعاً معتقلين تقريباً، رغم ما قاله المحامون عن تأكيداتٍ غير رسمية بأنَّهم سيُطلَق سراحهم في خلال عام تقريباً.

يفضح الغموض المخيم على مصيرهم حدود قدرة الولايات المتحدة على تعقب السجناء الذين أُعيدَ توطينهم خارج البلاد وحمايتهم كجزءٍ من الجهود الرامية إلى إغلاق السجن، الذي يعود إلى عصر هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وكذلك يسلط الضوء على عواقب قرار إدارة ترمب إغلاق مكتب وزارة الخارجية الذي يتولى الإشراف على قضايا غوانتانامو.

اتبع ترمب مساراً معاكساً عن سلفه؛ إذ تعهد بالإبقاء على معتقل غوانتانامو مفتوحاً، ومنع إعادة توطين المعتقلين في الخارج، واصفاً إياهم بأنَّهم “أشخاصٌ خطرون للغاية”.

ولا يزال الغموض يكتنف موقف هؤلاء الذين أُطلق سراحهم بالفعل، ومعظمهم لم توجَّه إليهم اتهاماتٌ قط.

البرنامج مصمَّم لمنع التطرف والاستعداد للحياة الخارجية

برنامج إعادة التأهيل المؤقت بالإمارات مماثل لبرنامج آخر معروف في المملكة العربية السعودية، ولقد صُمِّمت المبادرة التي أنشأتها الإمارات حديثاً لضمان أنَّ المساجين لم يعتنقوا الفكر المتطرف داخل السجن، وبإمكانهم التكيف مع الحياة الخارجية.

ولكن بعد قضاء أكثر من 16 شهراً في المركز الذي تديره الإمارات، أصبح محمد “يائساً للغاية”، وفقاً لما قاله ابنه عبد المصور الذي كان يتحدث معه بصورةٍ دورية .

وقال من منزله في أفغانستان: “قالت الحكومة إنَّ والدي سيعيش بحريةٍ مع عائلته، ولكنهم كذبوا”.

إنهم يقطعون الاتصالات الهاتفية مع الأهل إذا تطرقتَ إلى هذه الأمور

على الرغم من أنَّ بعض من انتقلوا إلى الإمارات ذكروا أنَّهم عاشوا في ظروف مَرَضية، وبدا عليهم التطور من خلال برنامج يمنح السجناء مزيداً من الحريات بمرور الوقت، ظل آخرون خاضعين لقيود وأظهروا توتراً متزايداً.

وفقاً للمحامين وأفراد الأسرة، لم يُسمَح لبعض السجناء باستخدام الإنترنت أو الخروج. كذلك كانت المكالمات الدورية لأفراد العائلة محدَّدة عادةً ولا تزيد على 5 دقائق، وأحياناً تُقطَع إذا تطرقت إلى السياسة أو الأوضاع في المركز.

وفي مكالمةٍ أخيرة لعائلته، أشار رافيل مينغازوف، وهو مواطن روسي انتقل إلى مركز الإمارات في يناير/كانون الثاني 2017، إلى أنَّ الأوضاع أسوأ مما كانت عليه في غوانتانامو، وفقاً لما قالته والدته زوخرا فاليولينا.

وقالت فاليولينا في مقابلةٍ عبر الهاتف: “قال لي: ماما، هذا سجن”.

لكن الحال اختلف حتى بالنسبة للمحامين والصليب الأحمر

على الرغم من أنَّ المساجين في غوانتانامو معتقلون في قاعدةٍ بحرية معزولة، فالجيش الأميركي يسمح بزياراتٍ دورية للمحامين ومؤسسة الصليب الأحمر، وكذلك يقدم معلوماتٍ معينة إلى وسائل الإعلام، عكس الحال في مركز الإمارات.

تمكنت عائلة أفغانيٍّ آخر يسمى عبيد الله، انتقل في أغسطس/آب عام 2016، من زيارته في وقتٍ مبكر من سجنه في مركز الإمارات. لكن بعد ذلك انقطع الاتصال معه أكثر من عام.

الأمر ليس سيئاً كما يبدو فقد منحوا تأشيرات وأموالاً للأهالي

وفقاً لما قالته المحامية آن ريتشاردسون، “يبدو أنَّه اعتقال غير محدد الأجل مجدداً”.

ويقول محامون آخرون إنَّ عملاءهم السابقين أخبروا عائلاتهم بأنَّهم يعيشون في ظروفٍ مُرضية؛ ربما لأنَّهم في مراحل البرنامج الأخيرة.

وذكر المحامون أنَّ بعض السجناء السابقين استقبلوا زياراتٍ عدة من عائلاتهم. ومنحت السلطات الإماراتية عائلاتٍ أخرى تأشيراتٍ وأموالاً.

المشكلة الكبرى في السرية والكتمان

وبصرف النظر عن الأوضاع، يظل كل شيء تقريباً يخص برنامج الإمارات طي الكتمان، حتى موقعه. ويقول محامو وأقارب السجناء إنَّه يُذكَر أنَّ بعضهم على الأقل نُقِلُوا إلى موقعٍ جديد في الأشهر الأخيرة.

لم يردَّ أيٌ من المسؤولين الأميركيين أو الإماراتيين على طلبات الحصول على معلومات تخص المعتقلين السابقين. وبوجهٍ عام، أحبطت الحكومة الإماراتية التدقيق في ممارسات الاعتقال الخاصة بها في الداخل والخارج.

وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية إنَّ الوزارة تأمل أن يندمج المعتقلون في بلادهم الجديدة.

وقالت، شريطة عدم الإفصاح عن هويتها لأنَّه غير مصرح لها التحدث علناً: “لا نزال نتعامل مع الحكومات المستضيفة للتشاور بشأن المشكلات التي تنشأ”.

ويقول المحامون الذين مثَّلوا الرجال في أثناء وجودهم بالمعتقل الأميركي، وبعضهم لسنواتٍ عديدة، إنَّهم لم يتمكنوا حتى من الحصول على المعلومات الأساسية.

المحامين أرسلوا استغاثة للجهات الرسمية الأميركية والإماراتية

وأرسل العديد من المحامين رسائل هذا العام (2018) إلى وزارة الخارجية الأميركية والإماراتية يطالبون فيها بالسماح للعائلات والصليب الأحمر بزيارة المساجين. وطالبوا أيضاً بتحديد إطار زمني لإطلاق سراحهم و”توضيح الحقوق التي سيحصلون عليها”.

وفيما يخص مناشداتهم السابقة التي كتبوها في فبراير/شباط 2018، فهي “إما قوبلت بالصمت أو تعليمات متناقضة”.

وألقى إليوت إنجل (النائب عن مدينة نيويورك)، وهو أعلى نائب ديمقراطي بلجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب، باللوم على إدارة ترمب لإغلاقها مكتب غوانتانامو في وزارة الخارجية، الذي تفاوض على اتفاقيات نقل المعتقلين وتابع حالة المحتجزين المعاد توطينهم.

وصرَّح في بيان: “تعهدت الحكومة الأميركية بحماية أمننا وحقوق المحتجزين السابقين. وعلى كلا الصعيدين، تفشل الإدارة تماماً في الوفاء بمسؤولياتها”.

شعروا بأن شيئاً عظيماً سيحدث، ولكن لم يُطلَق سراحُ موكِّليهم

ويقول المحامون إنَّه لم يُسمَح لهم من قبلُ بالاطلاع على الاتفاقيات، ولكنَّ وزارة الخارجية أخبرتهم بأنَّ الرجال سيتنقَّلون خلال برنامج الإمارات ويحصلون على مزيدٍ من الحريات بالتدريج، في البداية داخل المنشأة ثم خارجها.

ويقول غاري طومسون، ممثل مينغازوف: “شعرنا بأنَّ ذلك شيئاً عظيماً؛ نظراً إلى أنَّه ممارسةٌ معمولٌ بها”. جديرٌ بالذكر أنَّ طومسون مثَّل سجيناً آخر بغوانتانامو خضع للبرنامج السعودي قبل أن يُطلَق سراحه.

وقال طومسون: “مع ذلك، امتدت الأسابيع لشهور، والشهور أصبحت أكثر من سنة! وبدأت كل التعهدات في التلاشي، ثم أصبحت مكالمات العائلة مختصرة للغاية؛ بل وتبدو مضحكة. لا يمكننا معرفة ما يجري”.

إجمالاً، انتقل 196 سجيناً إلى الخارج بموجب اتفاقيات إعادة التوطين التي تفاوضت بشأنها إدارة أوباما. بينما أُطلِقَ سراح المئات في ظل إدارة جورج بوش.

تمكن العديد من السجناء الذين انتقلوا في السنوات الأخيرة، من التكيف مع مواطنهم الجديدة، في حين لم ينجح آخرون؛ إذ حاول رجل سوري، أُعيد توطينه في أوروغواي، انتهاك حظر السفر مراراً وتكراراً. بينما رُحِّلَ اثنان من المعتقلين السابقين مؤخراً من السنغال.

الإمارات أنشأته منذ البداية لغرض مختلف

ويقول مسؤولون سابقون إنَّ الإمارات العربية المتحدة، وهي حليف للولايات المتحدة، وافقت على استقبال المعتقلين وأنشأت مركز إعادة التأهيل كخدمة للرئيس باراك أوباما. كان الرئيس في حاجة إلى مأوى للمعتقلين، خاصةً اليمنيين الذين لا يمكن إعادتهم إلى بلادهم؛ نظراً إلى تدهور الأوضاع بها.

ويقول المسؤولون العاكفون على عمليات نقل المساجين، إنَّ الاعتقالات المطولة في الإمارات تنتهك جوهر ذلك الترتيب.

وقال مسؤولٌ سابق: “إخضاع المعتقلين لبرنامج إعادة التأهيل أو تقييمهم فترةً قصيرةً أخرى يعد أمراً مختلفاً، لكن يبدو أنَّ الإمارات تتولى أمر اعتقالهم نيابةً عن الحكومة الأميركية. لم يكن هذا هو الاتفاق، وهذا ليس سليماً”.

وصل الأمر أن المعتقلين يعانون من مشكلات بالصحة العقلية

وأعرب العديد من المسؤولين الأميركيين السابقين عن ثقتهم بأنَّ السلطات الإماراتية ستصدر أحكاماً مناسبة حول استعداد السجناء للخروج. لكن ما يزيد المشكلة تعقيداً، أنَّ بعض المعتقلين يعانون مشكلاتٍ في الصحة العقلية.

وقال ستيفن فلاديك، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة تكساس، إنَّ القانون الأميركي لم يفرض أي التزامات على الحكومة حالما لم يعُد المحتجزون قيد الاعتقال. وأكمل: “بمجرد قطع العلاقات مع السجناء، لا توجد حلول بموجب القانون الأميركي”.

وذكر طومسون أنَّ الوضع أكثر إحباطاً من غوانتانامو، وأضاف: “قبل ذلك، كان يمكننا على الأقل تقديم طلب التماس بشأن أمر المثول أمام المحكمة، أو أن نستقلَّ الطائرة ونذهب إلى غوانتانامو. كانت لدينا إجراءات، حتى وإن كانت صورية. هذا أمر محبط للغاية؛ نظراً إلى عدم وجود عملية واضحة”.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top