صعد ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله على المنصة في شهر يوليو/تموز الماضي لإيصال رسالة اقتصادية مفاجئة إلى حد ما. أكد الأمير الحسين ، البالغ من العمر 24 عاماً خريِّج جامعة جورج تاون الأميركية، على وجود حاجة قوية لاستقلال الأردن ، وذلك خلال كلمة ألقاها أمام طلاب جامعة لا يصغرونه في العمر كثيراً.
وأعلن الحسين أنَّه في ظل عصر الابتكار والتغير الديناميكي العالمي، لم يعد بوسع الأردنيين الاعتماد على غيرهم لتوفير سبل معيشتهم. وقال: “نحن نعيش في عصر الاعتماد على الذات”، حسب ما نقله تقرير لمجلة Foreign Policy الأميركية.
اقتراح الأمير هو نفسه الذي كلف رئيس الوزراء الإعفاء
كانت كلماته تحاكي عبارات وردت على لسان رئيس الوزراء السابق للبلاد هاني الملقي، الذي أطلق التحذير التالي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما توجهت البلاد نحو أزمة مالية، وقال: “علينا الاعتماد على أنفسنا؛ إذ أوضحت الدول المانحة أنَّها غير قادرة على مساعدتنا إذا لم نتخذ إجراءات لمساعدة أنفسنا”.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/06/2018-05-30T122421Z_1463055305_RC1113ED8210_RTRMADP_3_JORDAN-ECONOMY-STRIKE.jpg” caption=’الأردنيون خرجوا في مظاهرات احتجاجا على قانون الضريبة على الدخل’]
تضمَّن حل الملقي فرض قانون ضريبيّ جديد، أقرَّه مجلس الوزراء الأردني في 21 مايو/أيَّار وأرسله إلى البرلمان للتصديق عليه، وكان سيتم بموجبه خفض مستوى الدخل الذي تُستحق عليه ضريبة الدخل من 34 ألف دولار إلى 22500 دولار للأسرة. وكان من المقرر أن سيظل 90% من الأردنيين معفيين من الدفع بموجب هذا المعدل. بيد أن غضب الأردنيين اشتعل وسرعان ما اندلعت الاحتجاجات ضد القانون الذي لا يحظى بشعبية لينتهي الأمر باستقالة رئيس الوزراء.
ما جعل الأردن في موقف “متناقض”
ربما بدت تصريحات الأمير الحسين بن عبدالله، حينها، حساسة بعض الشيء. في الواقع، هو يلعب لعبة مزدوجة أصبحت مألوفة للغاية بين المسؤولين في البلاد. وفي الوقت الذي يتمسك فيه مسؤولو الأردن بالخطاب العظيم حول الاكتفاء الذاتي عند الحديث إلى الأردنيين، فإنهم يحاولون لعب دور الضحية أمام الجماهير الدولية. وحتى عندما كان قادة المملكة الهاشمية يعظون بشأن الاستقلال الاقتصادي في الداخل، زادت عمان وتيرة اعتمادها على المساعدات الخارجية، مع اتجاه الأردن إلى الرياض وواشنطن في أوقات الأزمات.
في المقابل، يستطيع الناشطون استغلال هذا النفاق الواضح لتعميق انعدام الثقة العام في الحكومة وإثارة حالة هياج بشأن نفوذ أجنبي مزعوم على سياسات الحكومة. وهذا يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للحكومة لسن الإصلاحات الحقيقية التي يمكن أن تجعل الأردن معتمداً على نفسه. هذا النموذج غير مستدام ويمكن أن يُسبّب مشكلة داخل دولة تعد حليفاً مهماً للولايات المتحدة في المنطقة.
وأصر المسؤولون على ضرورة تقديم مساعدات إضافية لعمَّان
وفي مقابلة مع شبكة “CNN” الإخبارية الأميركية في 4 يونيو/حزيران الماضي، كان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي واضحاً في رسالته بأنَّ الأردن لا يُلام على مشاكله. وألقى باللائمة على الأزمة المالية التي ما زالت تعيشها المملكة الأردنية على الصراعات في العراق وفلسطين وتدفق اللاجئين السوريين إلى عمَّان. وقال الصفدي: “يمر الأردن بظروف اقتصادية بالغة الصعوبة. وهذا لا يرجع إلى فشل داخل البلاد”.
وحتى مع مهاجمة المتظاهرين في شوارع عمان لفساد الحكومة وسوء إدارتها، زعم الصفدي أنَّ الاقتصاد الأردني يشهد حالة من الجمود بسبب “الوضع في المنطقة”. وغاب عن كلامه الحديث عن الاعتماد على النفس. في الواقع، كان ظهوره على الشبكة الأميركية أقرب كثيراً إلى التوسل للحصول على مساعدات، حيث طالب في المقابلة بزيادة كبيرة في المساعدات الخارجية. وناشد الصفدي: “لماذا لا نرى حجم المساعدات الضرورية لتمكيننا من إدارة الأزمة؟”.
وجه الوزير، الذي تولى مؤخراً مهمة الممثل الرئيسي للأردن في وسائل الإعلام الغربية بفضل استقالة رئيس الوزراء وبعض موظفيه في وقت سابق من هذا الصيف، رسالة مماثلة إلى هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” في نفس اليوم. وقال الصفدي في تصريح لـ BBC World Service: “على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته”، معرباً عن أسفه “لإرهاق المانحين” عند التعامل مع المظالم الاقتصادية للمحتجين.
وهو ما تحقق فعلاً، سواء من قبل الخليج أو أميركا
بعد أيام من مقابلتي الصفدي مع CNN و BBC، تقدَّم الأردن بطلب للحصول على مساعدات بقيمة 2.5 مليار دولار من دول الخليج العربي وتلقى تعهداً بالحصول عليها. في غضون ذلك، مع وصول نسبة الدين إلى 95% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد، أُجبرت عمَّان في الشهر نفسه على قبول حد ائتماني من صندوق النقد الدولي لمنع وقع مزيد من الانهيار في الاقتصاد ولضمان ثقة المستثمرين الخارجيين في استقرار الأردن المالي.
جاءت تلك المكاسب في أعقاب قرار واشنطن في مارس/آذار الماضي زيادة المساعدات المقدَّمة إلى عمَّان إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق. لا عجب إذن أنَّه حتى في أبريل/نيسان، قبل حزمة المساعدات الخليجية وقرض صندوق النقد الدولي، استطاعت مجلة The Economist البريطانية نشر تقارير تفيد أنَّ الأردن تلقَّى أكثر من ضعف قيمة المساعدات التنموية للشخص الواحد في أفغانستان وهايتي.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/08/2017-06-07T000000Z_1505122409_RC149AADCFE0_RTRMADP_3_QATAR-SAUDI-DIPLOMACY-1.jpg” img_size=”normal” caption=’الأردن حصل على مساعدات خليجية، ومنح أميركية’]
ومع ذلك، تكمن المشكلة في أنَّ إتقان الحكومة الأردنية لدور الواعظ الذي يحث على الاستقلال في الداخل بلغ مبلغاً كبيراً لدرجة أن قبول المساعدات والقروض الأجنبية بدأ يأتي بتكلفة سياسية عليها في الداخل. في يونيو/حزيران، هاجم المتظاهرون رئيس الوزراء هاني الملقي الذي أطيح به بعد ذلك بفترة وجيزة لقبوله مساعدة صندوق النقد الدولي. وأصبح الأردنيون لا يجدون غضاضة في توجيه انتقادهم حتى للملك نفسه بسبب ما يرونه سيطرة أجنبية على اقتصاد البلاد، والتي يعتقدون أنها كانت وراء قرار الحكومة الأخير رفع الدعم عن الخبز وزيادة الضرائب. وهتف المتظاهرون في 6 يونيو/حزيران، في إشارة إلى الملك عبد الله الثاني: “اسمع يا ساكن دابوق، يسقط حكم الصندوق”، في إشارة إلى العاهل الأردني الملك عبدالله.
لكن، ما هو الثمن الذي على الأردن دفعه!
لم يُخطئ الأردنيون في أنَّ المساعدات الخارجية قد جاءت مصحوبة بمطالب وضغوط أجنبية. على سبيل المثال، أشار بروس ريدل، المحلل الكبير السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، إلى أنَّ حزمة المساعدات الخليجية البالغ قيمتها 2.5 مليار دولار جاءت مع بعض المطالب الضمنية.
فبعد أيام من توقيع الصفقة، أعلن الأردن في 15 يونيو/حزيران أنَّه لن يُعيّن سفيراً جديداً لدى إيران، غريمة المملكة العربية السعودية منذ فترة طويلة. وأعرب الناشط الأردني محمد شمة، في وقت لاحق من نفس اليوم، عن تحسره على أنَّ “السياسة الخارجية الأردنية أصبحت مثل سوق مفتوح، فقط امنحنا المال، لنمنحك الولاء”.
بعد ذلك بوقت قصير، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعماً إقليمياً أثناء خلاف بلاده مع كندا بسبب سجن الرياض لنشطاء محليين. وعلى الرغم من أنَّ عمَّان ليس لها صلة بذاك الخلاف، تدخلت الحكومة الأردنية ووقفت في صف الرياض في بيان أصدرته بتاريخ 7 أغسطس/آب. وانزعج كثيرون في العاصمة الأردنية من موقف الحكومة المتشدد، مشيرين أيضاً إلى مقالة افتتاحية تهاجم كندا نشرتها صحيفة The Jordan Times الأردنية المقرَّبة من النظام الملكي في 8 أغسطس/آب. ومن جانبه، كتب داود قطب، مدير راديو “البلد” الذي يتخذ من عمان مقراً له، على تويتر: “حزين أنَّ الأردن اضطر إلى بيع ضميره والوقوف في وجه واحدة من أقوى حلفائه وأكثرهم دعماً له، كندا”.
لتجد المملكة نفسها في موقف “مُحرج”
تتسم علاقة الأردن بالولايات المتحدة، أكبر مقدم للمعونة في البلاد، بتعقيد أكبر من ذلك. على الرغم من معارضة الملك عبد الله، مثل غيره من الزعماء العرب، لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، اتخذ موقفاً علنياً مُهادناً نسبياً حول خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية المُقترحة من جانب البيت الأبيض ودعا الآخرين إلى “افتراض حسن النية في الأميركيين”. ومن جانبه، امتنع الصفدي أيضاً عن التعرض بأي انتقاد “لصفقة القرن” المُقترحة، بخلاف رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس القاطع لمبادرة ترمب هذه.
ينحدر حوالي 60% من سكان الأردن من أصل فلسطيني ويعد الجمهور الأردني بشكل عام معادياً لإسرائيل. فبعد إعلان ترمب عن خطوة نقل السفارة، نزل آلاف الأردنيين إلى الشارع وقام المتظاهرون بحرق صور الرئيس الأميركي وهتفوا “الموت لإسرائيل”. ومع ذلك، فإنَّ إحجام عمَّان عن معارضة واشنطن ليس أمراً مفاجئاً. قال مسؤول أردني رفيع المستوى في محادثة خاصة: “هناك أسباب بقيمة 1.6 مليار دولار تجعلنا أصدقاء مع الولايات المتحدة”.
فشلت الحكومة الأردنية في اتباع موعظتها الخاصة بالاعتماد على الذات حين سعت إلى تأمين مزيد من المعونات الأجنبية. ولذا، ازداد شعور الأردنيين بعدم الارتياح من كون هذه الأموال، لا محالة، مقترنة بمطالب خاصة.
وهكذا وضعت الحكومة الأردنية نفسها في زاوية، إذ لم تجعل نفسها فقط مُعرَّضة لاتهامات بالنفاق، بل زادت أيضاً الأمر صعوبة في جعل مواطنيها يقومون بالعمل المطلوب من أجل تحقيق الاعتماد على الذات. حتى اليوم، يدفع حوالي 4 % فقط من الأردنيين ضريبة الدخل. وكان مشروع قانون الملقي الضريبي حاسماً من أجل زيادة إيرادات الحكومة الإضافية وتقليل إدمان عمَّان للمعونات والحد من الديون، التي تبلغ الآن ما يقرب من 40 مليار دولار. لكن بعد احتدام غضب المتظاهرين ضد التشريع (والدعوة إلى المزيد من الإعانات السخية)، سحب رئيس الوزراء التالي عمر الرزاز مشروع القانون، ليظل الحال بائساً على ما هو عليه.
ما ينبئ بأن الوضع “سيزداد سوءاً”
في غضون بضع سنوات، ربما يجد الأردنيون نفوسهم تتوق للعودة مرة أخرى إلى الوضع الراهن الرّث الزائف. كان جزء كبير من الزيادة الأخيرة في المساعدات للأردن لدعم جهود البلاد لاستيعاب حوالي 1.5 مليون لاجئ من سوريا نزحوا خلال الحرب المحتدمة في ذلك البلد. ومع اقتراب انتهاء إراقة الدماء في سوريا، ليس هناك ما يضمن استمرار تلك المستويات المرتفعة من المساعدات الخارجية إلى أجل غير مسمى.
وإذا لم يحدث ذلك، فإنَّ أزمة الديون المتصاعدة في الأردن ستزداد سوءاً. وحتى إذا عاد معظم اللاجئين إلى ديارهم، سيظل إنفاق الأردن العالي على قطاعه العام وقطاع الدفاع يفوق موارده. لذلك من المرجح أن تضطر عمَّان إلى رفع الضرائب بشكل كبير لاستبدال المساعدات الخارجية في ميزانية البلاد السنوية، الأمر الذي ينذر بإثارة ردة فعل أكثر حدة من مواطنيها.
وهو ما سيكلف الدولة الأردنية والمنطقة أيضاً غالياً!
لا شك أن ضعف الدولة الأردنية لا يبشر بخير في منطقة الشرق الأوسط. كانت الحكومة الأردنية شريكاً قوياً للولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقبلت بسخاء موجات اللاجئين العراقيين والسوريين وواصلت اتباع سياسة تسامح ديني، حتى أنَّها سمحت لحزب منتسب لجماعة الإخوان المسلمين بدخول البرلمان.
لا يزال الأردن في حالة تخبط وتشوش في الوقت الراهن. وبعد نقل الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس، هدد ترمب بقطع المساعدات عن الدول التي صوتت ضد واشنطن في الأمم المتحدة، ومن المفترض أن يشمل ذلك الأردن. حتى الآن، أثبت خطابه أنَّه مجرد وعيد وثرثرة. لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، سيكون الأردن في ورطة. دافع كبار المسؤولين الحكوميين الأردنيين مراراً وتكراراً عن قضية الاعتماد على الذات بينما لم يفعلوا شيئاً تقريباً لجعل البلاد تعتمد على نفسها. ونظراً لطبيعة ترمب التي لا يمكن التنبؤ بها، قد يكون من الحكمة أن يفكر الأردن في تغيير أساليبه الآن قبل فوات الأوان.
_____________________
اقرأ أيضاََ
كواليس 5 رسائل حملها العاهل الأردني للبيت الأبيض.. ترمب يتوقع وصول رئيس وزراء إسرائيلي اسمه محمد