«الجبار» أو «تيتانيك».. أبحرت السفينة التي قيل عنها إنها غير قابلة للغرق، أو Unsinkable لأول وآخر مرة في 10 أبريل/نيسان لعام 1912 من لندن إلى نيويورك عبر المحيط الأطلسي، إلا أنها اصطدمت بجدار جليدي في الساعات الأخيرة من يوم 14 أبريل/نيسان، لتغرق بالكامل في الساعات الأولى من يوم 15 أبريل/نيسان. مرّ أكثر من 73 عاماً حتى العثور على حطام السفينة، ففي الأول من سبتمبر/أيلول 1985 عثر ضابط البحرية الأميركية آنذاك “روبرت بالارد” على الحطام.
كان هناك عيب في مقصورة الماء في السفينة ساعد على غرق السفينة؛ حيث كانت الحواجز الفردية المانعة للماء ممتدة فقط بضع أقدام فوق خط المياه؛ لذا كان من الممكن أن تصب المياه من حجرة لأخرى بسهولة، وربما أسهم في تمدد الكارثة قلة عدد قوارب النجاة بالنسبة لعدد الأشخاص الذين تتحملهم السفينة، ما أدى إلى تزايد أعداد الغرقى.
نظريات غير مؤكدة.. و705 ناجين.. وتسابَق المستكشفون في العثور على بقاياها
إحدى النظريات غير المؤكدة تخبر عن السبب وراء غرق «تيتانيك»؛ باكتشاف طاقم السفينة حريقاً محدوداً في أحد مخابئ الفحم الموجودة بالسفينة، وبعد السيطرة على الوضع رأى قبطان السفينة وكبير المهندسين أنه من غير المحتمل أن يكون هناك أي ضرر نتيجة الحادث، وأمر بمتابعة الرحلة، وربما قد يكون خرج عن السيطرة، مما اضطر طاقم السفينة لزيادة سرعتها، ما أفقدهم القدرة على تجنب الاصطدام بالجبل الجليدي.
في الساعات الأخيرة من يوم 14 أبريل/نيسان كانت السفينة كونارد كارباثيا Cunard’s Carpathia قد تلقت نداء استغاثة من السفينة تيتانيك عند منتصف الليل تقريباً، فأسرعت باتجاهها، وتمكنت من إنقاذ 705 أفراد فقط من قوارب النجاة.
بعد حدوث الكارثة، أجرت خمس لجان على الأقل تحقيقاتها عبر عقد جلسات استماع شاملة حول غرق السفينة مع عشرات الشهود، وعدد من الخبراء، نتيجة التصادم بالجبل الجليدي، حدث قطع أدى إلى إغراق أجزاء من المقصورة، على مدار عقود برزت نظريات أخرى، إحداها تستند إلى أن لوحات الفولاذ في السفينة كانت هشَّة.
تنافس المستكشفون والعلماء في العثور على حطام السفينة تيتانيك، واستغرق الأمر ما يزيد عن 73 عاماً للعثور عليها. ذهب بالارد، بناء على طلب البحرية الأميركية للمرة الأولى؛ للعثور على غواصتين وتصويرهما خلال عملية سرية. في عام 1985، بعثته البحرية الأميركية مع فريقه مرة أخرى لتصوير الغواصات، وسمحت له بالبحث عن تيتانيك.
قدم الفيلم الوثائقي “Titanic at 100: Mystery Solved” محاكاة حاسوبية للغرق بشكل عكسي، فتخيل تجمّع حطام السفينة لتحديد كيفية انقسام السفينة بعدما اصطدمت بالجبل الجليدي. كانت هذه المرة الأولى منذ غرق السفينة التي يعاد فيها بناء المنطقة الوسطى المكسورة من السفينة، وذلك بعد رسم خرائط شاملة لها؛ فقد تمكن مجموعة من الخبراء في عام 2010 من رسم خريطة كاملة للسفينة تيتانيك والعديد من قِطعها المتناثرة في قاع المحيط، فقد شمل المسح مساحة 15 ميلاً مربعاً.
https://www.youtube.com/watch?v=hD1jUXycERo
خرائط مسح شامل وحملات مستمرة.. والنتيجة: 5500 أثر منتشل
اعتمد الخبراء خلال عملية المسح على استخدام أجهزة عالية الدقة، وكاميرات ثلاثية الأبعاد، وأخرى ثنائية خاصة بالمهمة، وكذلك روبوتات ذاتية التحكم AUVs قادرة على إجراء مسح جانبي مستقل باستخدام سونار عالي الدقة. تمكن المشاركون في البحث من عمل خريطة مسح شامل لموقع الحطام بشكل أكثر اكتمالاً ودقة.
شارك في عملية البحث عدد من المنظمات البارزة للعمل تحت سطح الماء، مثل شركة RMS Titanic, Inc، ومؤسسة وودز هول الرائدة في التصوير تحت الماء، ومعهد ويت Waitt للاستكشاف الذي قدم مركبات AUVs، وشركة فونيكس Phoenix إنترناشيونال للخدمات البحرية. كما ساهمت البعثة الوطنية في إدارة المحيطات والغلاف الجوي NOAA، ومركز الموارد الغارقة في مركز المتنزهات القومية، ومعهد الآثار البحرية في جامعة تكساس A&M في هذه الحملة.
لم يكن هذا المسح البحثي الوحيد لشركة RMS Titanic, Inc، فقد أشرفت على 8 حملات بحثية منذ عام 1987، استطاعت خلالها استعادة وحفظ ما يزيد عن 5500 قطعة أثرية. تنظم الشركة معارض للجماهير لمشاهدة بعض القطع الأثرية للسفينة، والاستماع إلى القصص المأساوية التي حدثت لركابها في لحظات الغرق.

حطام السفينة «تيتانيك»
مئات الآثار تقبع في متحف ويشاهدها ما يزيد على 720 ألف شخص
في عام 1987، استعاد فريق البعثة البحثية حوالي 1800 قطعة من بينها تحف أثرية، وأحذية جلدية، وحقائب سفر. أما في عام 1993، فاستعادت البعثة حوالي 800 قطعة أثرية من بينها صافرات السفينة وبعض الأجسام المعدنية. وُضعت المقتنيات التي جلبتها بعثة عام 1994 في معرض المتحف البحري الوطني في غرينتش بإنكلترا، وشاهده ما يزيد على 720 ألف شخص.

صورة لجبل جليدي قد يكون هو نفسه المتسبب في غرق السفينة
عُنيت البعثة الرابعة في عام 1996 بحل الألغاز المحيطة بكارثة الغرق، وتسجيل وتوثيق حطام السفينة بالتفصيل. اكتشفت بعثة 1998 أماكن جديدة لوجود حطام السفينة، وكذلك اكتشفت قسماً من هيكل السفينة يزن 17 طناً، واصلت الشركة بعثاتها؛ لتكتشف في عام 2000 عدد 65 قارورة عطر لراكب إنكليزي من الدرجة الأولى يدعى أدولف سافيلد.
في عام 2004، استخدمت الشركة خلال بعثتها مركبة مزودة بكاميرات وأنظمة إضاءة كبديل للغواصات المأهولة، وتمكنت البعثة من جلب عدد من القطع الأثرية، منها شمعدان مطلي بالذهب. كانت آخر بعثات الشركة عام 2010 رسمت خلالها خرائط شاملة للسفينة ومحيطها.
قلادة «روز».. ما بين الأسطورة والحقيقة!
في فيلم تيتانيك (إنتاج 1997) ارتدت النجمة كيت وينسلت قلادة رائعة سميت “قلب المحيط” لشدة زرقتها، وظهرت بوضوح عندما رسمها «جاك» الذي لعب دوره الممثل ليوناردو دي كابريو أثناء ارتدائها، القلادة في الفيلم كانت محاكاة لأخرى كانت موجودة بالفعل على ظهر السفينة تيتانيك، وكانت ملكاً لذات العشرين عاماً كيت فلورنس فيليبس. حصلت كيت على قلادتها “من الألماس والياقوت الأزرق” من عشيقها المتزوج ذي الأربعين عاماً هنري صامويل مورلي، وكان العاشقان يبحران سراً في الدرجة الثانية بأسماء السيد والسيدة مارشال، اكتشفت كيت فيليبس أنها حامل من عشيقها الذي توفّي أثناء غرق السفينة، فعادت إلى إنكلترا وأنجبت ابنتها إيلين ماري وتركتها في رعاية أجدادها. في التسعينات حينما تعرضت إيلين ماري لأزمة مالية باعت القلادة الرائعة لسيدة من فلوريدا.
بجوار آراء أخرى تؤكد أن وجود القلادة في الفيلم كان جزءاً خيالياً أضافه المخرج جيمس كاميرون، وأن تصميم القلادة الموجودة في الفيلم يشبه إلى حد كبير قلادة الأمل Hope Diamond المصنوعة من الألماس الأزرق -تعود أصولها إلى الهند- والموجودة حالياً في مؤسسة سميثسونيان، وكان الملك لويس السادس عشر قدمها إلى ماري أنطوانيت لتضمها لمجوهراتها.
بعد ظهور قلادة قلب المحيط في الفيلم، قررت شركة Asprey & Garrard للمجوهرات صنع قلادة من الياقوت الأزرق بوزن 170 قيراطاً محاطة بالألماس، وقد ارتدتها سيلين ديون في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 1998، وبيعت القلادة فيما بعد في مزاد بقيمة 2.2 مليون دولار، أما قلادة قلب المحيط التي تم تصويرها في الفيلم محفوظة حالياً في أرشيفات شركة توينتيث سنشري فوكس Twentieth Century Fox.

القلادة التي أهداها هنري صامويل لكيت فيليبس
خطاب بـ166 ألف دولار وآلة كمان بـ1.7 مليون دولار
في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2017، حطمت إحدى الرسائل الخاصة بأحد ركاب سفينة تيتانيك رقماً قياسياً عالمياً بعدما بيعت في مزاد علني بمبلغ 126 ألف جنيه إسترليني “166 ألف دولار أميركي”. كتب أوسكار هولفرسون الرسالة إلى والدته في 13 أبريل/نيسان 1912 أثناء رحلته على متن السفينة ضمن ركاب الدرجة الأولى، وعثرت سفن البحث على الرسالة في دفتر ملاحظات هولفرسون الموجود على جثته.

وصف هولفرسون خلال رسالته السفينة، والطعام، وكذلك جون جاكوب أستور أحد الأثرياء الذي كان واحداً من ركاب السفينة. لم تكن هذه الرسالة الأولى التي عثر عليها وبِيعت في مزاد، فقد بيعت رسالة أخرى مقابل مبلغ 119 ألف جنيه إسترليني، وكذلك بيعت رسالة عازف الكمان رئيس فرقة الموسيقى والاس هارتلي مقابل 112 ألف جنيه إسترليني.

الكمان الخاص بوالاس هارتلي
ليست الرسائل فقط هي التي بِيعت في المزادات، وإنما هناك التذاكر، وسترات النجاة، وقائمة الطعام. في أكتوبر/تشرين الأول 2013، بيع الكمان الذي لعب عليه قائد الفرقة الموسيقية مقابل 1.7 مليون دولار. ظل مكان الكمان مجهولاً حتى عام 2006 حينما كشف ابن والاس هارتلي عن وجوده، واستمر الفحص سبع سنوات حتى أثبتت الفحوصات بالفعل أنه الكمان الذي عزف عليه هارتلي قبل وفاته على متن السفينة.