كيف سيمكّن طريق الحرير الجديد السعودية من وضع قدم لها في خاصرة إيران؟ باكستان قدمت فرصة ذهبية للمملكة لحصار عدوها اللدود

وصل وفدٌ من المملكة العربية السعودية إلى باكستان، الأحد الماضي 30 سبتمبر/أيلول 2018؛ لتوقيع 4 عقودٍ خاصة بالاستثمارات في قطاع البترول والتعدين والتعاون التجاري، وتزعم وسائل الإعلام المحلية أنَّ “من شأنها أن تَمُدَّ مساحة مبادرة طريق الحرير الجديد الصينية (أو مبادرة الطريق والحزام) من مدينة غوادر الباكستانية إلى إفريقيا عبر عمان والرياض”.

وكان الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد أعلن عام 2015 عن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، وهي مبادرةٌ بقيمة 60 مليار دولار تُمَثِّل جزءاً من مبادرة طريق الحرير الجديد العابر للقارات. ويهدف الممر الاقتصادي إلى توسيع نفوذ الصين في باكستان وعبر آسيا الوسطى وجنوب آسيا، بالإضافة إلى مجابهة النفوذين الأميركي والهندي في المنطقة. وتشتمل كذلك على إنشاء روابط لتحسين الاتصال بين الصين والشرق الأوسط في صورة طريقٍ وسكّةٍ حديدية وخط أنابيب نفط، بحسب تقرير لموقع قناة DW الألمانية.

وفي ظلِّ معاناة باكستان من أزمةٍ اقتصاديةٍ حادَّةٍ، يقول خبراء إنَّ الممر الاقتصادي لديه القدرة على تحفيز النشاط الاقتصاديِّ الذي تحتاج إليه باكستان أمسَّ الحاجة.

لكن لم يؤتِ كثيرٌ من مشاريع الممر الاقتصادي ثماره بدرجةٍ كبيرةٍ؛ بسبب غياب الاستقرار السياسيِّ في باكستان. وأوردت التقارير أنَّ الصين تدرس خطوات الحكومة الباكستانية الجديدة بخصوص المشروع. ومع أنَّ بكين وإسلام آباد متَّفِقَتان على ضمِّ دولةٍ ثالثةٍ، فما زال بإمكان الصين إقناع باكستان بعدم السماحِ لدولٍ مُعيَّنةٍ بالمشاركة في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.

المنافسة السعودية – الإيرانية

يقول بعض المحللين إنَّ العرض الذي قدَّمته باكستان إلى السعودية بالمشاركة في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني واستثمار الرياض في مقاطعة بلوشستان الغربية التي تَحُدُّ كلاً من إيران وأفغانستان- قد يثيران حفيظة طهران.

إذ تُعتبر الرياض هي الحليفة الأقرب إلى واشنطن في المنطقة؛ ولذلك تُثِير مشاركتها في المشروع الاقتصادي الذي تتزعَّمُه الصين عدداً من التساؤلات حيال التوجُّهات الجيوسياسية الجديدة.

وما كانت إيران بالتأكيد ترغب في أي حضورٍ سعوديٍّ على مقربةٍ من حدودها.

وتعليقاً على هذا الأمر، قال مير حاصل خان بزنجو، الوزير السابق للموانئ والملاحة البحرية بحكومة نواز شريف، في تصريحاتٍ لقناة DW الألمانية: “غوادر (إحدى المدن الساحلية في بلوشستان) تقع قرب ميناء جابهار الإيراني ومشروع ريكو ديك بالقرب من زهدان، عاصمة إقليم سيستان-بلوشستان الإيراني. وهناك نشاطٌ للمقاتلين السُنِّة (الذين يعتنقون المذهب السلفي الوهابي) في المنطقة. فكيف لا تخاف إيران من استثمارات السعودية في غوادر؟”.

وأضاف بزنجو أنَّه يخشى أنَّ السماح للسعودية بأن تضطلع بدورٍ حيوي قريباً من الحدود المشتركة مع إيران سيؤدي إلى اندلاعِ صراعٍ طائفيّ.

وتابع بزنجو، الذي هو أيضاً سياسيٌّ سابقٌ من بلوشستان: “الحكومة الحالية تجذب السعودية نحو غوادر. بمعنىً أصح، ستصبح الدولة السُّنية الوهابية أقرب من أي وقتٍ مضى من الحدود الإيرانية. فمن المُرَجَّح أن يشعل هذا غضب طهران”.

وقال بزنجو إنَّ الحكومة الجديدة، بزعامة رئيس الوزراء عمران خان، قد قرَّرت على نحوٍ مفاجئٍ، تسليم بعض مشاريع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني إلى السعودية، دون الرجوع إلى أي أحد.

وأردف بزنجو: “كان يُفترَض في السابق أن تبني الصين مدينةً منتجةً للبترول في غوادر. والآن فوجئنا بأنَّ السعودية هي من ستتولَّى بناءها. فأظن أنَّ هذا سيثير سخط الصين هي الأخرى. وستتناول المعارضة هذه القضية في البرلمان”.

لا حرية تصرُّف لبكين؟

أشارت التقارير الإعلامية الباكستانية الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول 2018)، إلى أنَّ الصين مستاءةٌ من انتقاد أحد مسؤولي الحكومة الباكستانية الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.

كان عبد الرزاق داود، وزير التجارة والصناعة والاستثمار الباكستاني في حكومة رئيس الوزراء عمران خان، قد اقترح تعليق جميع مشاريع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني حتى الانتهاء من مراجعتها.

وبعد أيامٍ من التوتر الدبلوماسي الناجم عن تصريح داود، أجرى قائد الجيش الباكستاني، الجنرال قمر جواد باجوا، زيارةً لبكين لطمأنة الصينيين بشأن مخاوفهم.

وأفاد خرم شير زمان، أحد مسؤولي حركة الإنصاف الباكستانية التابعة لعمران خان، بأنَّ الحكومة لا تعارض الممر الاقتصادي.

وصرَّح “زمان” إلى قناة DW، قائلاً: “لَم نتراجع عن موقفنا حيال الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني. لقد أجرت وزارة المالية بعض التعديلات على الميزانية؛ لكي نستطيع دراسة بعض مشاريع الممر الاقتصادي ومراجعتها. لكن هذا لا يعني أنَّ الحكومة تريد إلغاءه. الممر الاقتصادي ذو أهميةٍ قصوى لباكستان ومستقبلها”.

لكن يرى محلِّلون أنَّ حكومة “خان” الجديدة، التي تشكَّلت في أغسطس/آب 2018، قد لمَّحت إلى أنَّها لن تمنح الصين حرية التصرف في الإشراف على الممر الاقتصادي.

إذ قال أيوب مالك، وهو محلِّلٌ مقيمٌ بإسلام آباد، في حديثٍ مع DW: “يُمثِّل وزير التجارة المجتمع التجاري لدولته. وقد عكس بالفعل مشاعر رجال الأعمال الصناعيين الباكستانيين، المتخوِّفين بشدَّةٍ من السيطرة الصينية المتنامية على الاقتصاد الباكستاني”.

الحاجة إلى النقود

يؤمن بعض المحلِّلين بأنَّ الحكومة الباكستانية الجديدة تحاول أيضاً من خلال انتقاد الممر الاقتصاديِّ بعثَ رسالةٍ إلى واشنطن، مفادها أنَّها لا تعتزم قطع أواصر الصلة مع الولايات المتحدة لمجرَّد استرضاء الصين.

إذ إنَّ حكومة “خان” بأمسِّ الحاجةِ إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي (IMF) لأجل تسديد ديونها، وقد وضَّحت الولايات المتحدة، صاحبة الحصة الأكبر في صندوق النقد الدولي، أنَّها لن تسمح باستخدام أموال الدول الغربية في تسديد الديون إلى الصين.

ويُذكَر أن اقتصاد الدولة الجنوب آسيوية في حالٍ متردِّيةٍ منذ عدَّة سنواتٍ. وفي حين ارتفع عجز حسابها الجاري بنسبة 43%  إلى 18 مليار دولار في السنة المالية المنتهية يوم 30 يونيو/حزيران 2018، فقد ارتفع عجزها المالي إلى نسبة 6.8% من إجمالي الناتج المحلي.

وفي أثناء ذلك، تقلَّص احتياطي النقد الأجنبي الباكستانيُّ؛ إذ وصل الآن إلى قرابة 9 مليارات دولار فحسب، بعد أن كان 16.4 مليار دولار في مايو/أيار من عام 2017. وأُجبِر البنك المركزي الباكستانيُّ على خفض قيمة العملة 3 مراتٍ منذ ديسمبر/كانون الأول 2017. إلى جانب أنَّ ارتفاع أسعار النفط العالمية يُشَكِّلُ تحدياً آخر في ظلِّ استيراد باكستان نحو 80% من احتياجاتها من البترول.

ولذلك، يبدو أنَّ حكومة “خان” تسترضي الرياض وواشنطن؛ لأجل مساعدة إسلام آباد على مواجهة أزمتها المالية.

وتؤمن عائشة صدِّيقة، وهي محللة أمنية وباحثة معروفة، بأنَّ باكستان لا تملك خياراً سوى خلق مجالٍ استراتيجيٍّ للمملكة السعودية.

ووَرَدَ في حديث عائشة مع قناة DW: “لقد حجبت الولايات المتحدة مساعداتٍ عسكرية بقيمة 900 مليون دولار كانت مخصصة لباكستان. ولهذا تحتاج الحكومة الجديدة إلى التخفيف من وطأة هذا الأمر. وتكفَّلت الرياض عام 2013 بتسديد ديون باكستان؛ ومن ثمَّ فإن إسلام آباد على استعدادٍ لمنح امتيازاتٍ إلى السعودية عن طريق دعوتها إلى المشاركة في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني”.

لكن على الجانب الآخر، يزعم محلِّلون موالون للحكومة أنَّ الاستثمارات السعودية لن تثير سخط الصين ولن تُغضِبَ طهران.

إذ صرَّح إعجاز أعوان، وهو مسؤولٌ عسكري متقاعد ومحلِّل دفاعي: “طبيعة علاقاتنا مع الصين طبيعةٌ استراتيجية. تُوفِّر بكين لنا عدداً من المواد الخاصة بالدفاع العسكري. وعلى الجانب الآخر، ستخلق الاستثمارات السعودية مزيداً من الوظائف للشعب الباكستاني؛ لأنَّه، عكس الصين، لا تجلب المملكة السعودية مهندسيها وعمَّالها لتنفيذ المشاريع الاقتصادية”.

وأضاف: “سيستفيد السعوديون كذلك من هذه الشراكة؛ لأنَّ العديد من الدول مهتمَّةٌ بتكرير نفطها”.

استعادة العلاقات مع واشنطن

تملك باكستان شراكةً استراتيجية مُقَرَّبة مع الصين، التي تَعتبر إسلام آباد حليفاً مهماً في التعامل مع خصمها الإقليمي الهند. وفي الوقت ذاته، فإنَّ علاقة باكستان بالسعودية هي الأخرى قويةٌ جداً.

وهناك تأثيرٌ ديني قوي كذلك من السعودية على باكستان؛ إذ توجد آلافٌ من معاهد التعليم في باكستان مموَّلةٌ من الرياض. ويعتنق كثيرٌ من الأحزاب الدينية الفكر السلفي الوهابي المتشدِّد. وتعتبر جماعاتٌ متشدِّدة باكستانية عديدة دولة إيران الشيعية خصماً لها.

لكن ذكرت التقارير أنَّ حكومة نواز شريف قد أثارت حفيظة الرياض حين رفضت إسلام آباد إرسال قواتٍ لدعم الحملة السعودية في اليمن؛ إذ شعرت الحكومة السابقة بأنَّ تدخُّل باكستان في الصراع من شأنه أن يخلق مشاكل مع إيران، التي يُشاع أنَّها تدعم المعارضين الشيعة الحوثيين في اليمن.

ومع أنَّ حكومة “خان” قد تعهَّدت بالتزام الحيادية في النزاع السعودي-الإيراني بالمنطقة، فقد اختار “خان” زيارة المملكة في أولى رحلاته الرسمية بعد توليه منصب رئيس الوزراء.

وعقَّبت المحللة عائشة صديقة على هذا الأمر، قائلةً: “من خلال المشاركة في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، ستصل أنشطة السعودية إلى بحر العرب والمحيط الهندي. إذاً، ستخدم الاستثمارات السعودية العديد من الأغراض”.

وكان من المقرَّر أن يعقد وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، مباحثاتٍ مع جون بولتون، المستشار الأمني للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، يوم الثلاثاء 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018. ويأمل قريشي وبومبيو عودة العلاقات الثنائية بين الدولتين في أقرب وقتٍ ممكنٍ.

وفي السياق ذاته، يرى أمان ميمون، المحاضر بجامعة بريستون في إسلام آباد، أنَّ باكستان على استعدادٍ للعودة إلى نطاق النفوذ الأميركي. وصرَّح ميمون لقناة DW: “من المرجَّح أن تثير الاستثمارات السعودية في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني استياء بكين؛ لأنَّ الرياض وواشنطن وجهان لعملةٍ واحدةٍ. وفي رأيي، لن تدخل السعودية وحدها الممر الاقتصادي؛ بل ستنضم إليها الولايات المتحدة”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top