في الوقت الذي كان فيه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بالهند -محطته الثانية في جولة آسيوية طويلة قليلاً- يتحدث عن علاقات بلاده العميقة مع نيودلهي، خرج الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بتصريح قد يعكر صفو هذه الزيارة قبل أن تبدأ.
“شي” قال وهو جالس مع رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، الأربعاء 20 فبراير/شباط 2019، إن “زيارة محمد بن سلمان لن تغير رغبتنا في إقامة علاقات وثيقة مع إيران، بغض النظر عن الموقف الدولي من طهران، فالبلدان بينهما صداقة قديمة خضعت لاختبارات عديدة”.
ولعل هذا التصريح بالتحديد هو ما كان يخشاه الأمير محمد بن سلمان، الذي يعتبر أن معركته الأهم هي مع إيران، ويعتبر أن حشرها في الزاوية مكسبه الحقيقي، بسبب العداء التاريخي والمذهبي بينهما.
فولي العهد، الذي ولَّى وجهته إلى المشرق عقب الأزمة الكبيرة مع الغرب بسبب اغتيال الصحفي السعودي المخضرم جمال خاشقجي بمقر قنصلية بلاده في إسطنبول، يريد بهذه الزيارة تحقيق عدد لا بأس به من المكاسب، أبرزها محاصرة إيران، ولكن قد يكون هذا الهدف بعيد المنال.. لماذا؟
العلاقات الاستراتيجية بين بكين وطهران
عقب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990، وجدت إيران ضالتها في ترسيخ علاقاتها بدول آسيا الوسطى من خلال الشراكات في مجالات الطاقة والصناعة، في حين كانت طهران تراقب العلاقة مع بكين، فإن الصين ومنذ اختفاء ما يُعرف بالثنائية القطبية في العالم بحثت لها عن موطئ قدم بالعالم، من خلال صناعتها التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق، في كل القطاعات، وكانت إيران أحد أهم أسواقها.
أيضاً إيران كانت المصدر الرابع للنفط والغاز بالنسبة للصين، أكبر مستهلك للطاقة في العالم، فضلاً عن العلاقات التجارية، وكذلك دور الصين الحيوي في البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى صادرات السلاح.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/07/2018-07-26T151450Z_147671641_RC16760C0460_RTRMADP_3_SAFRICA-BRICS.jpg” img_size=”normal” caption=’الصين نجحت في علاقات جيدة مع السعودية وإسرائيل وإيران ‘]
فعلى سبيل المثال، تواصل الصين الاستثمار بكثافة في قطاعي السكك الحديدية والطاقة الإيرانيَّين، فقبل عامين وافقت بكين على استثمار 1.5 مليار دولار لتحويل خط قطار طهران-مشهد إلى الطاقة الكهربائية. وباعتبارها أكثر مرونة فيما يتعلّق بالدفع، وقد استخدمت المقايضة في الماضي، كما أنها تبذل جهداً كبيراً لتصبح أقل اعتماداً على الدولار الأمريكي باستخدام عملتها الوطنية في دفع ثمن واردات النفط، بهدف إنشاء مناعة ضد الضغط الاقتصادي الأمريكي.
وهذا الأمر يشير إلى استمرار التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما حتى رغم العقوبات الأمريكية.
كذلك وعقب قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، وجدت الصين ضالتها لتصبح في مقعد القيادة بالنسبة لإعادة تصميم منشأة إيرانية نووية رئيسة، وهي مفاعل آراك للماء الثقيل. كما أنها تستعد لاستكمال مفاعلين نوويين بإيران في السنوات القادمة. وهذا يجعل من بكين لاعباً أكبر بالقطاع النووي الإيراني.
فهذا الأمر بالتأكيد سيكون حاضراً في إذهان الصينيين في التعامل مع الملف، لا سيما في ضوء الموقف السعودي المتذبذب تجاه الدول الكبرى، غير أن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن راسخة منذ اكتشاف النفط.
الصين تدرك أن الموقف السعودي مؤقت
منذ تأسيس الدولة السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي، ارتبطت المملكة بشكل كبير ومهم مع النفوذ الغربي المهين، سواء كانت بريطانيا قبل أن تسلم الراية لواشنطن أو الولايات المتحدة بعد ذلك، ثم استمر التعاون بشكل كبير بينها منذ اكتشاف النفط وحتى الآن في كل المناحي الاقتصادية والعسكرية وحتى السياسية.
ولكن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018، وبسبب جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، وقعت المملكة تحت وابل كبير من الانتقادات الدولية، بسبب الحديث عن ضلوع ولي العهد نفسه في عملية الاغتيال؛ ومن ثم باتت الرياض تبحث عن متنافس أخرى تكشف فيه مواطن قواتها، أو على الأقل إبراز أن النفوذ السعودي ما زال حاضراً في هذا الأمر.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/02/DtR7bANW0AAvxj2.jpg” img_size=”large” caption=’الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان/ رويترز’]
ومن ثم، فإن هذه الزيارة برمتها تأتي في إطار لفت انتباه القوى الغربية إلى أن السعودية لن تقف عاجزة في حال تمت أي معاقبة أو لوم غربي على جريمة قتل خاشقجي، وأن هناك من ينتظر على الضفة الشرقية هذا التعاون، بالإضافة إلى بحث المملكة عن الاستثمار، بعيداً عن الاعتماد المتكرر على النفط.
فمن هذا المنطلق، تدرك الصين حقيقة الموقف السعودي المتغير، وأن التقارب أو التوجه نحو الشرق ليس نابعاً من رغبة واقعية لدى الرياض، بل إن الأمر يجري في إطار المناكفة السياسية؛ ومن ثم لن تجاري الصين هذا التوجه السعودي الجديد، أو على الأقل لن تتعامل معه على قدر كبير من الجدية، يعكر صفو علاقاتها بالحلفاء القدامى: الروس والإيرانيين.
ولعل ما يشير إلى حقيقة الموقف السعودي الزيارة الكبيرة التي أجراها الملك سلمان قبل نحو عامين إلى الصين، ووقَّع بعض الاتفاقيات التجارية مع بكين، لكن الأمر لم يصل إلى درجة التعاون الاستراتيجي بينهما، بل ظل في موقع التعاون الاقتصادي فقط.
فمن غير المتوقع أن تنضم الصين إلى المحور السعودي-الأمريكي في محاصرة إيران، رغم كل العلاقات الاقتصادية المهمة بين بكين وطهران، في مقابل موقف متذبذب من الرياض.
استقرار التوازن الإقليمي
لا يمكن إنكار الدور الإقليمي الفعال لإيران بالشرق الأوسط، في ظل توزع الهيمنة بالمنطقة على السعودية وتركيا وفي بعض الأوقات مصر، وهذا الأمر في حد ذاته، يكون سبباً في إقامة علاقات متوازنة مع دول الاقليم؛ نظراً إلى الموقع الاستراتيجي لتلك البلدان الثلاثة.
والصين ليست أمراً مختلفاً في هذا الصدد، فلديها علاقات قوية جداً واستراتيجية مع إيران، وفي الوقت نفسه تحاول إقامة علاقات اقتصادية وتجارية مهمة مع السعودية وتركيا، لكن دون أن تمنح كل الثقل لدول وحيدة في الإقليم تتمتع بعلاقات مع الغرب.
فبهذه النظرة ترى بكين الموقف في الصراع الإقليمي بين السعودية وإيران، ففي حال أقامت الصين علاقات قوية واستراتيجية مع السعودية، وفي الوقت نفسه قلّصت علاقاتها مع إيران أو أدت دوراً في محاصراتها، فذلك سوف يمنح الرياض نفوذاً أكبر بالشرق الأوسط، وقد يتسبب ذلك في تدهور التوازن الاستراتيجي المستقر حالياً.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/02/2019-02-04T184222Z_1325549790_RC1C83AAFB10_RTRMADP_3_IRAN-NUCLEAR-EU.jpg” img_size=”normal” caption=’الاحتفالات بالذكرى الـ40 للثورة الإسلامية/ رويترز’]
كذلك في حال فعلت الصين ذلك، فإنها ستكون خسرت حليفاً مهماً لمصلحة الولايات المتحدة بحكم العلاقات القوية بين الرياض وواشنطن، في ظل رغبة الطرفين في دمج إسرائيل بالشرق الأوسط، في إطار تحالف قوي يضم دول المنطقة ضد إيران، باعتبارها العدو الأول وليس إسرائيل.
هذا الوضع بالتاكيد لن يكون في مصلحة الصين، التي تحاول ألا تُظهر أي نفوذ سياسي أو عسكري، والبقاء فقط على التمدد الاقتصادي وخلق النفوذ القوي من ورائه، وهو الأمر الذي لا يثير مشاكل لها في الوقت الحالي. لكن في حال اتجهت بكين إلى الطرف الآخر وانضمت إلى فكرة التحالف ضد إيران، فإنها ستكون كمن أطلق النار على قدميه.
لكن رغم ذلك، ستحاول الصين إيجاد صيغة ما للتعاون الاقتصادي مع المملكة العربية السعودية دون أن يكون ذلك سبباً في خسارة حليف مثل طهران، وإذا توقف التعاون السعودي معها على أحد الخيارين: إما الرياض وإما طهران، فستكون الإجابة بالتأكيد: طهران.