أيهما أسهل في وصفه بالنسبة لك: لون العشب أم رائحته؟ قد تعتمد الإجابة على محل ميلادك والمجتمع الذي نشأت به -وبشكل أكثر تحديداً- اللغة التي ترعرعت على الحديث بها.
يُوصف البشر في كثير من الأحيان بأنهم كائنات بصرية. وإذا كانت لغتك الأم هي اللغة الإنجليزية، فيمكنك الموافقة على ذلك بديهياً. إذ تتسم اللغة الإنجليزية بثراء مفرداتها فيما يتعلق بالحديث عن الألوان والأشكال الهندسية في حين لا يوجد سوى مفردات قليلة للتعبير عن الروائح.
ومع ذلك، تشير دراسة علمية حديثة إلى ما إذا كان إدراكنا للعالم يختلف بصورة كبيرة عبر الثقافات المتعددة سواء من خلال حاسة البصر أو السمع أو الشم أو التذوق أو اللمس. وهذا الميل نحو استخدام حاسّة بعينها ينعكس على لغتنا.
موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC أشار في تقرير له إلى أن الدراسة استندت إلى اختبارات أجراها 26 باحثاً على 20 لغة في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وآسيا وإفريقيا وأستراليا في أماكن متنوعة بدايةً من مدن كبرى حديثة إلى قرى محلية نائية. وطُلب من المشاركين الخاضعين للدراسة وصف ما يُسمَّى المثيرات الحسّية مثل الورق الملون أو مذاق رشفة من مياه مُحلاة بالسكر أو رائحة بطاقة مُعطرة.
نمط حياتنا وبيئتنا وشكل منازلنا يؤثّر في كيفية إدراكنا وتصوّرنا للأشياء
تشير النتائج إلى أنَّ نمط حياتنا وبيئتنا وحتى شكل منازلنا يُمكن أن يؤثّر في كيفية إدراكنا وتصوّرنا للأشياء، ومدى سهولة (أو صعوبة) التعبير عن هذا التصوّر بالكلمات.
تقول أسيفا مجيد، أستاذة علوم اللغة والتواصل بجامعة يورك الكندية والمشرفة على البحث: “أعتقد أنَّنا نفكر في كثير من الأحيان في اللغة باعتبارها وسيلة تُقدّم لنا معلومات مباشرة عن العالم. يمكنك رؤية ذلك في طريقة تفكيرنا بشأن الحواس وكيف ينعكس ذلك في علوم العصر الحديث”.
وأوضحت مجيد أنَّ العديد من المراجع والكتب الدراسية، على سبيل المثال، تشير إلى البشر بوصفهم مخلوقات بصرية.
وقالت: “جزء من الأساس المنطقي لذلك التصوّر هو المساحة المُكرّسة للرؤية في مقابل الشَّمّ في المخ. لكن اللغة كانت أحد الأجزاء الحاسمة الأخرى. إذ غالباً ما يقول الناس لنا إنَّه في حين تكثُر المفردات التي يُمكن من خلالها الحديث عن الأشياء التي نراها، يكافحون من أجل إيجاد مفردات لوصف الأشياء التي يشمّوها”.
ومع ذلك، تشير مجيد إلى أنَّ بعض المجتمعات تتوجّه مفردات لغتها نحو التعبير عن الرائحة أو الصوت أكثر من الصورة. إذ سجَّل بحثها على مجتمع محلي يُدعى “Jahai” يعيش على الصيد وجني الثمار (الصيادون الجامعون) في شبه جزيرة ملايو حصيلة مفردات للتعبير عن الروائح بنفس قدر تنوع ودقة مفردات التعبير عن الألوان الموجودة في اللغة الإنجليزية.
الناطقون باللغة الإنجليزية الأفضل في تحديد وتسمية الأشكال والألوان
جمعت الدراسة مُتخصصين متنوعين في مختلف اللغات بدءاً من لغة Umpila، التي يتحدث بها حوالي 100 شخص فقط في أستراليا، إلى اللغة الإنجليزية، التي يتحدث بها حوالي مليار شخص حول العالم. وفي المجموع، خضع للاختبار 313 شخصاً قدَّم الباحثون لهم مثيرات حسّية مختلفة، ثم سجّلوا مستوى توافق كل مجموعة تتحدث نفس اللغة على تحديد وتسمية شيء ما (codability) ومستوى التوافق بين الردود في كل مجموعة.
ويدل تحقيق مستوى عالٍ من التوافق أنَّ المجموعة لديها أسلوب حديث مشترك مُتفق عليه، على سبيل المثل فيما يتعلق بتعريف ألوان معينة.
في المقابل، قد يشير تسجيل مستوى توافق منخفض إلى أنَّ المجموعة لا تمتلك حصيلة لغوية مشتركة ومقبولة بوجهٍ عام لتلك الألوان أو أنَّها لم تستطع تحديدها والتعرّف عليها.
كان الناطقون باللغة الإنجليزية الأفضل في تحديد وتسمية الأشكال والألوان، إذ اتفقوا جميعاً، على سبيل المثال، على أنَّ شيئاً ما كان مثلثاً أو لوناً ما كان أخضر.
من ناحية أخرى، برع الناطقون باللغة اللاوية والفارسية في تسمية المذاقات. عندما قُدمت لهم مياه مذاقها مُر، وصفها جميع الناطقين بالفارسية في الدراسة بأنَّها “تلخ”، وهي كلمة فارسية تُعني “مُر”.
وقالت أسيفا مجيد: “لم يكن هذا هو الحال مع الناطقين بالإنجليزية. فعندما قُدّمت لهم نفس المياه ذات المذاق المُر، قالوا كل شيء في وصف مذاقها بدءاً من مُرة إلى مالحة وحامضة وعادية أو بنكهة النعناع أو مثل شمع الأذن.. إلخ”.
وأكَّدت مجيد أنَّ هذا النوع من الارتباك في تحديد ووصف المذاق يحدث باستمرار للناطقين باللغة الإنجليزية في الاختبارات المعملية، قائلة: “هم يصفون المذاق المُر بأنّه مالح وحامض، ويصفون الحامض بأنَّه مُر، ويصفون المالح بأنَّه حامض. لذا، على الرغم من امتلاكنا للمفردات، يبدو أنَّ هناك بعض الارتباك في أذهان الناس بشأن كيفية تحديد تجربة تذوقهم والتعبير عنها باللغة”.
ومما يثير الاهتمام أنَّ جميع المجموعات اللغوية، التي حصلت على درجات عالية للغاية في اختبار التذوق -وهي الفارسية واللاوية والكانتونية- تشتهر بأطعمة مُطوّرة تعتمد في مكوناتها على مجموعة متنوعة من النكهات المختلفة، من بينها المرارة.
البعض يستخدم الشم بدلاً من حاسة الإبصار
كافح مشاركون آخرون في اختبارات معينة لأنَّ لغتهم تفتقر ببساطة إلى المفردات التي يُمكن أن توصف ما عُرض عليهم. تتضمن لغة Umpila، التي يتحدث بها مجتمع الصيادون الجامعون في أستراليا، مفردات للون الأسود والأبيض والأحمر فقط. ومع ذلك، وجد الناطقون بتلك اللغة أنَّه من الأسهل عليهم وصف الروائح. وُجد هذا الميل نحو استخدام حاسة الشم بدلاً من الإبصار بين مجتمعات الصيّادين الجامعين في جميع أنحاء العالم، من ضمنهم مجتمع Jahai المذكور سلفاً. قد يكون السبب له علاقة بالعيش والصيد في الغابات الغنية بالروائح.
حتى إنَّ التنوع الحِسّي كان صحيحاً عبر لغات الإشارة. عانى متحدثو لغة “كاتا كولوك”، وهي لغة الإشارة المحلية التي يتحدث بها حوالي 1200 شخص في جزيرة بالي بإندونيسيا، مع تحديد وتسمية الألوان، تماماً مثل معاناة متحدثي لغة Umpila. من ناحية أخرى، وجد متحدثو لغة الإشارة الأمريكية ولغة الإشارة البريطانية أنَّ هذه المهمة سهلة نسبياً وسجّلوا تقريباً نفس نقاط الناطقين بالإنجليزية.
يتضح أنَّ العوامل الثقافية من الفن إلى الهندسة المعمارية تلعب دوراً في مدى جودة أداء المشاركين عبر الاختبارات المختلفة. أظهر الأشخاص المُنتمين إلى مجتمعات تُنتج الأواني الفخارية المزخرفة أداءً أفضل في تحديد الأشكال والحديث عنها، بينما يميل أولئك الذين يعيشون في المنازل ذات التصميم الزاوي بدلاً من المنازل ذات التصميم المستدير إلى أن يكونوا أفضل عند وصف الأشكال الزاويّة. وأظهر المشاركون من مجتمعات تشتهر بالموسيقيين المُتخصّيين أداءً أفضل عند وصف الأصوات، على الرغم من أنَّهم لم يكونوا موسيقيين.
تقول مجيد إنَّ “مجرد سمة وجود موسيقيين يعني أنَّ هذا المجتمع يُطوّر طريقة معينة للحديث عن الأصوات ويبدو أنَّ كل شخص يفهم جيداً كيفية الحديث عن الأصوات”.
بالنسبة لنا نحن الذين نقضي أوقاتاً أمام شاشات صامتة وعديمة الرائحة أكثر من قضاء أوقات بين النباتات العطرية والموسيقيين، قد تُشجّعنا هذه الدراسة على البحث عن خبرات حسّية جديدة. لكنَّها أيضاً تَذْكِرَة بقيمة التنوع اللغوي.
على سبيل المثال، تُعد لغة Umpila من اللغات المُهدّدة بالاندثار ويتضاءل عدد الناطقين بها. ومع ذلك، عندما يتعلّق الأمر بتسمية الروائح، تتفوق هذه اللغة النادرة المُهددة بالاندثار بوضوح على اللغة الإنجليزية الرائجة التي يتحدث بها مليار شخص.