في مقالة نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية للكاتب الصحفي والمؤلف جوناثان فريدلاند، تناول فيها قضية انتشار الأكاذيب على أنها حقائق ومعلومات مؤكدة من قِبل الحكومات وأصحاب القوى والنفوذ، وكيف يتم تسويق ذلك على الشعوب والمجتمعات، من باب نشر الشكوك واستغلال ارتباك العامة ونقاط ضعفها.
“ما بعد الحقيقة”
يقول فريدلاند: يعاودني الغثيان من جديد، تلك العِلة التي اعتقدت أني تجاوزتُها منذ 20 عاماً. لكن كلما قرأت عن النسخة الزائفة من معاهدة لشبونة التي انتشرت سريعاً على نطاقٍ واسعٍ عبر الإنترنت مثلاً، أو عن الحيلة الخبيثة لتحدي مومو، أو انتشار وتصاعد حركة مناهضي اللقاحات، تعود إليَّ الأعراض أقوى من أي وقتٍ مضى.
إذا ما سألني طبيب أن أصف الأعراض؛ فسأصفها بأنني أشعر كأن الأرض تتلاشى من تحت قدميّ، وأنه لا يوجد شيء صُلبٌ أو مُتماسكٌ للوقوف عليه. تُحفز الأكاذيب هذه الحالة، والتي عادةً ما تكون في المجال العام ويطلقها أصحاب النفوذ والسلطة. وليس فقط أي كذبة قديمة، بل تلك التي تبتسم بتهكّم وتعجرف متجاهلةً الفارق بين الحقيقة والزيف، مُفترضةً أنك عاجزٌ كلياً عن التفريق بينهما، وأن الأمر لا يهم على أي حال.
عاد الداء أول مرة في بدايات عام 2016، بمجرد إعلان قاموس أوكسفورد أنه اختار كلمة “Post-truth“؛ أي “ما بعد الحقيقة” لتكون كلمة العام، والتي تُعرَّف على أنها “متعلقة بـ أو تشير إلى الظروف عندما تكون الحقائق المادية والموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من جاذبية المشاعر والانفعالات والاعتقادات الشخصية”.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/03/4200-1.jpg”]
كان ذلك هو العام الذي كُتب فيه على حافلات النقل أن بريطانيا ترسل إلى الاتحاد الأوروبي أسبوعياً “350 مليون جنيه إسترليني” (456 مليون دولار أمريكي)، وبقيت تلك الرسالة على الحافلات، حتى بعدما كتب رئيس جهاز الإحصاء البريطاني إلى الحملة الداعية للانفصال عن الاتحاد الأوروبي يخبرهم بأن هذه المعلومة خاطئة. وكان هو العام نفسه الذي ترشّح فيه ترامب لرئاسة أمريكا وفاز بها، مُقراً لوتيرة من الكذب المتسلسل، استمرت بلا هوادة حتى يومنا هذا. رصدت إحدى الإحصائيات أن ترامب قال ما يقارب 4500 ادعاء باطل منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وهذا يعني معدل 6 ادعاءات يومياً.
بطبيعة الحال، لم يولَد هذا النوع من الكذب في عام 2016. ويعتبر فلاديمير بوتن الداهية المعروف بهذا النوع، وقد شارك في افتراءات ترعاها الدولة طوال سنين. انظر كيف أنكر بوجه صارمٍ وجود قوات روسية في شبه جزيرة القرم، فضلاً عن غزوها، ليختتم الأمر بتكريم الجنود الروس أنفسهم مقابل شجاعتهم وخدماتهم هناك. لاحظ أيضاً كيف أن شبكة Russia Today الإخبارية الروسية، الناطقة بلسان بوتين (تسمى الآن RT)، بثت كل فرضية تآمر ممكنة لتفسير حادثة غرق طائرة الخطوط الماليزية رقم MH17 فوق أوكرانيا، متعمدةً إثارة سحابة من الضباب، لتغشي الأدلة التي تثبت أن حقيقة الأمر هو تسبب قذيفة روسية في إسقاط الطائرة.
املأ العامة بالشكوك.. واستمر في الإنكار!
لدى مروّجي “ما بعد الحقيقة” دوافع مشتركة، بشكل أساسي يفهمون أن أفضل شيء يحققونه إن عجزوا عن إقناع العامة، هو ملؤهم بالشكوك، وأنه يسهل التلاعب بشعب مرتبك عن شعب مُستنير، ويتشاركون أيضاً طريقة العمل نفسها. الإنكار هو الأسلوب الأساسي. يجب أن تكون مستعداً لإنكار أدلة الخبراء والصحفيين بالطبع، وإفادات شهود العيان والجناة والسجلات المكتوبة. بكلمات أخرى، أي شيء يُعتبر دليلاً في العادة.
مع أن هذه الطريقة سافرة وغير مألوفة، فهي ليست جديدة. حظي العالم بعرض توضيحي لها في عام 2000، جرى في محكمة رقم 73 بالمحكمة العليا في لندن. كنت هناك أتابع الإجراءات عدة أيام من أيام منتصف الشتاء الطويلة. في الواقع كانت هذه هي المرة الأولى لشعوري بذلك الغثيان الغريب، تلك الخبرة التي أدت إلى كتابة روايتي الأخيرة بعنوان “To Kill the Truth” المكتوبة تحت الاسم المستعار “سام بورن”.
أشير هنا إلى قضية التشهير التي رفعها ديفيد إيرفينغ ضد ديبورا ليبشتات، الأكاديمية الأمريكية، ودار نشر Penguin التي تنشر لها أعمالها. يُعرّف ديفيد نفسه على أنه مؤرخ، في حين عرّفته ديبورا بأنه “مُنكر للهولوكوست”. أصر ديفيد على أن هذا تشهيرٌ به. كان جوهر جداله، أنه لا يمكن وصفه بمُنكر الهولوكوست؛ لأنه لا يوجد هولوكوست أصلاً لينكره. فهو يزعم أن الهولوكوست، الذي قُتل فيه عمداً “ملايين اليهود”، لم يحدث مطلقاً.
كان مشهداً ملحمياً بقاعة المحاكمة، تجلس ديبورا في جانب من القاعة مع فريقها القانوني، أحصيت 11 شخصاً، كان من بينهم أنتوني جوليوس المحامي الخبير الذي ترافع للأميرة ديانا في قضية طلاقها. كانوا محاطين بأكوام من الورق وأبراج من الملفات وعددٍ كبيرٍ من أجهزة الحاسوب المحمولة. وعلى الجانب الآخر من القاعة، جلس ديفيد وحيداً وقد قرر الدفاع عن نفسه. اعتقدت أنه يريدها بهذا الشكل، أن يبدو المُستضعف الشجاع. وكأنه داود ضد جالوت.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/03/jpg.jpeg” caption=’ديفيد إيرفينغ، الكاتب البريطاني المتخصص في التاريخ العسكري للحرب العالمية الثانية’]
يقدم كل يوم فريق الدفاع الوثائق المُثبِتة لحقيقة الهولوكوست، وكل مرة يتغاضى ديفيد عنها. لنذكر مثالاً عندما جرت مواجهته بشهادات شهود عيان ناجين من معسكرات الإبادة النازية، رفضها ديفيد، واصفاً إياها بأنها “أمر يتعلق بالتقييم النفسي”، مشيراً إلى أن الناجين لم يكونوا في قواهم العقلية كاملةً. وهذا إذا ما كان في حالة اللطف، فغير ذلك كان يصفهم بأنهم محتالون عازمون على خداع العالم ليتعاطف معهم أو ليجنوا تعويضات مالية، وكل ذلك جزء من مؤامرة يهودية لإغراق الجنس البشري في الشعور بالذنب. في كلتا الحالتين يمكن تجاهل شهاداتهم.
قال الدفاع: “حسناً، وماذا عن هذا؟”، ملوحاً بالاعترافات الموثقة لنازي كبير، مثل هانز ألماير الضابط الثاني الأعلى رتبة في معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة النازي، عندما استجوب ضباط المخابرات البريطانية هانز بعد الحرب، وصف عمليات الإبادة تفصيلياً. وتطابقت اعترافاته بدقة مع ما قاله الناجون. ولكن هذا لم يكن جيداً بما يكفي لديفيد. فعلَّق قائلاً: “لدى ضباط الجيش البريطاني طرقهم في جعل الناس يتكلمون”. كان يُضمن أن اعترافات هانز جاءت تحت الإكراه، وأنهم عذبوه ليخرجوا تلك الكلمات. وهذا ينطبق على اعترافات أي ضابط نازي عن الهولوكوست. من وجهة نظر ديفيد، إنه لا يمكنك تصديق كلمة واحدة منها.
وهذا لم يترك إلا نوعين من الأدلة: الأدلة المادية والوثائق. كانت الأدلة المادية صعبة المنال، لأن النازيين عملوا جاهدين ليدمروا معسكرات الإبادة، سواء أكان تدميراً شاملاً كما حدث بمعسكر تريبلينكا وتشيلمنو وسوبيبور في بولندا المحتلة، أم على الأقل تفجير غرف الغاز كما فعلوا بمعسكر أوشفيتز. لا تزال الغرف في هذا المعسكر قائمة، لكن سقوفها انهارت. سمح ذلك لديفيد بأن يقول: “لا أحد يمكنه التأكد يقيناً مما تُستخدم فيه”.
وبذلك لم يتبقَّ غير الوثائق. أحدثَ الدفاع عاصفة منها، شملت رسومات المهندسين المعماريين لغرف الغاز، ووثائق تسجيل تسلُّم غاز زيكلون، الغاز السام المستخدم في قتل اليهود والمعتقلين الآخرين، ومذكرات ضباط نازيين، ومحاضر اجتماعات. وواحدة تلو الأخرى، يشير ديفيد إلى اختلافات مُفترضة: هامش مريب هنا ورقم تسلسلي غير متسق هناك، وكما يقول فتلك أدلة “تثبت” أن الوثائق لا يمكن أن تكون حقيقية وأنها مزيفة.
كانت هذه هي طريقة ديفيد في إنكار الهولوكوست. لا يمكنك تصديق الشهود ولا الجُناة، كلاهما يكذب. لا يمكنك النظر إلى موقع الجريمة، لأن كل ذلك حدث من وقت طويل، والأدلة أزالها مرور الزمن. ولا يمكنك أن تثق بالوثائق ،لأنها كلها قد تكون مزورة.
جلست أشاهد هذا يوماً تلو الآخر. وعندما كنت أغادر المحكمة ذات ظهيرة، شعرت بذلك الإحساس الغريب. كان مادياً، مثل دوار البحر. بدت الأرض تحت قدمي غير مستقرة، كأن الأرض ذاتها تتلاشى.
“أي شيء يمكن أن يكون كذبة”
استغرقني بعض الوقت لإدراك ماهية هذا الشعور. فهمت ببطء أنه رد فعل نفسي للعالم الذي حاول ديفيد أن يرينا إياه. ذلك العالم حيث لا يوجد يقين، ولا يوجد أي شيء صلب أو ثابت، حيث يُشَك حتى في الحقائق الأساسية.
كان يحاول المنازعة مع شيء وجده البشر ضرورياً للحياة، وهو القدرة على الوصول إلى نتائج من الأدلة. كان يزعم أننا لا يمكننا الثقة بأي شيء سواء السجلات أو إفادات آلاف الشهود. إذا كان محقاً، فأين يضع هذا ما نسميه “التاريخ”؟ إذا كنا عاجزين عن معرفة ما إذا كانت الهولوكوست قد حدثت أو لا، فكيف نعرف أن نابليون حارب في معركة واترلو، أو أن الملك هنري الثالث تزوج ست زوجات؟ كيف سنعرف أي شيء؟ كان يستدرجنا إلى عالَم بلا حقائق، حيث أي شيء يمكن أن يكون كذبة، أو مؤامرة أو أسطورة أو خُدعة. عالم تبتلعُك فيه الشكوك.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/03/268_10_2.jpg”]
جلست في قاعة المحكمة بعد بضعة أشهرٍ عندما أعلن القاضي حكمه، وخسر ديفيد. وصفه القاضي بأنه “مجادل مناصر للنازية”، مخادع زيّف السجلات التاريخية ليعزز خطته العنصرية. لم يكن مؤرخاً على الإطلاق. كانت الهولوكوست حقيقة وكان ديفيد مزيفاً.
تنفست الصعداء. شعرت كأنما نظرنا من على حافة الهوة إلى العالم الغريب الخالي من اليقين الذي صنعه ديفيد. لكننا تراجعنا. أعلنّا، من خلال المحاكم، رغبتنا في العيش بمملكة الحقائق والحقيقة. يمكننا أن ننعم بنوم هادئ مرةً أخرى.
انتهت تلك الغفوة بمجيء عام 2016. أصبح واضحاً أن الحقيقة تتعرض للهجوم مرة أخرى. لم تكن على يد مهووس يدَّعي أنه مؤرخ، بل على يد ترامب ومؤيدي البريكست ومن الكرملين، إذ اتحدوا جميعاً في تجاهلهم إذا ما كانت تصريحاتهم حقيقية أو زائفة.
منصات التواصل الاجتماعي.. الأكاذيب أسرع من الحقائق
يأتي التهديد اليوم للحقيقة من مواقع التواصل الاجتماعي، التي تفضل خوارزمياتها المواد واسعة الانتشار على تحري الدقة والصدق، وتنتشر الأكاذيب أسرع من الحقائق. يأتي من أصحاب أيديولوجيات يُسعدهم تجاهل الأدلة العلمية الدامغة، سواء على التغييرات المناخية أو على أن اللقاحات آمنة، بالخفة نفسها التي جعلت أشخاصاً يوماً ما يصرون على أن الأرض مسطحة. يأتي من عالم التقنية المتقدم للغاية الذي أصبح بإمكانه صُنع أدلة زائفة في هيئة فيديوهات تخلقها أساليب الذكاء الاصطناعي أو أصوات أو نصوص.
دفعني كل هذا إلى التفكير. ماذا لو كان ديفيد جديدٌ على وشك الظهور، ليس هنا لكن في الولايات المتحدة الأمريكية، ديفيد مُصرٌّ على إنكار أعظم جريمة في التاريخ الأمريكي؟ ماذا لو ذهب إلى المحاكم ليجادل، في مواجهة كل الأدلة، بأن العبودية لم تحدث قط؟ وماذا لو وظّف أحدهم أحدث التقنيات وتمادى وحذف كل أدلة الماضي؟
عاد إليَّ ذلك الشعور بالغثيان الذي يشبه دوار البحر، والذي شعرت به عندما كنت مغادراً مبنى المحكمة العليا عام 2000. والآن أرى قضية ديفيد بشكل مختلف. لم أعد أراها كذكرى بعيدة، وإنما كعرَض تمهيدي لهذه الحقبة. هذه المحاكمة كانت المقطع التشويقي، والآن نحن نحيا الفيلم ذاته.