ترامب عاقب إيران اقتصادياً لكي تأتي خاضعة لكن حدث العكس! لماذا فشلت الضغوط الأمريكية على طهران؟

اعتبر موقع Lobe Log الأمريكي، أن الضغط الأمريكي المستمر على إيران من خلال العقوبات الاقتصادية باءَ بالفشل، ولم يُجبر قادة طهران على الجلوس منكسرين على طاولة المفاوضات مع دونالد ترامب، بل بالعكس، كان الموقف الإيراني أكثر تعنّتاً.

وقال الموقع الأمريكي، بعد مرور عام تقريباً على تنصُّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التزامات الولايات المتحدة في خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني، لا توجد أدنى إشارة على أنَّ هذه الخطوة تُحقّق هدفها المعلن، المُتمثّل في إخضاع إيران وجعلها تهرول مُجدَّداً إلى طاولة المفاوضات للتوصّل إلى “صفقة أفضل”.

وبحسب لوبلوغ، على العكس تماماً، اتَّسم موقف طهران بالصمود والمقاومة الشديدة؛ إذ كان أحدث بيان إيراني رفيع المستوى، وهو خطاب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، مليئاً بالتعنُّت والإصرار. إذ تحدَّث خامنئي في خطابه، الذي ألقاه بمناسبة العام الفارسي الجديد، عن موضوعات شملت الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرات الدفاعية لإيران.

معارضو الاتفاق النووي موهومون!

ليس غريباً أن المعارضين المتعنتين للاتفاق النووي الإيراني، وأكثرهم جهراً هم أولئك الذين يعارضون بحزم أيّ اتفاق مع إيران، يحاولون بذل قصارى جهدهم للالتفاف على هذا الوضع لجعله يبدو وكأنَّ ثمة شيئاً إيجابياً يتحقّق. يشير باتريك كلاوسون من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، على سبيل المثال، إلى أنَّ خطاب العام الجديد “لم يَظهر خامنئي فيه على القدر نفسه من الثقة كما كان في سابق عهده”، مضيفاً أنَّ الخطاب أشار إلى أنَّ “إدارة ترامب حققت نجاحاً كبيراً في إقناع خامنئي بأنَّ الضغط سيستمر، وأنَّ إيران لا يمكنها التعويل على الصمود أمام عداء أمريكي متواصل”، بحسب الموقع الأمريكي.

وليس بالأمر المفاجئ أيضاً أنَّه عندما نشرت صحيفة The New York Times الأمريكية مقالاً لمراسلها من بيروت، بن هوبارد، بشأن الضغوط المالية التي يعاني منها حزب الله اللبناني وغيره من العملاء الموالين لإيران، تحرَّك الكاتب الصحفي بريت ستيفنز على الفور ليكتب مقالاً في الصحيفة الأمريكية نفسِها في اليوم التالي، معرباً فيه عن دهشته وصدمته، ويجادل أنَّ هذا الكلام يعني أنَّ الرئيس باراك أوباما كان مخطئاً عندما قال إنَّ تخفيف العقوبات “لن يُحدث فرقاً كبيراً فيما يتعلق بقدرة إيران على التسبب بالأذى في الشرق الأوسط”.

وبحسب الموقع الأمريكي كان أوباما مُحقاً؛ إذ إنَّ المغالطة التي يروّج لها ستيفنز، وغيره ممن يدافعون عن إعادة إدارة ترامب فرض العقوبات ضد إيران بسبب برنامجها النووي، تتمثل في أن جعل الحياة أكثر صعوبة أو تكلفة أو إيلاماً بالنسبة لشخصٍ آخر يخدم بطريقة أو بأخرى مصالح الولايات المتحدة، على الأقل إذا كانت الحكومة الأمريكية تكره بما فيه الكفاية ذلك الشخص الآخر أياً كان. سيكون ذلك صحيحاً فقط في حالة إذا كان مجرد شعور الشماتة والفرح بمصائب الغير يُمثّل مصلحة وطنية أمريكية، والأمر بالطبع ليس كذلك. في الواقع، لا يخدم إلحاق الأذى والألم المصالح الأمريكية إلا إذا ساهم في تغيير سلوك البلد المستهدف، وتحويله إلى الاتجاه المنشود، إما عن طريق الحد من قدراته أو حثّه على تغيير سياساته. لكن بالنسبة لإيران، لم نشهد حدوث أي شيء من هذا القبيل على مدار العام الماضي.

الأمر لا يتعلق كليّاً بالمال

يصف معظم مقال هوبارد، وكان ذلك في الجزء الذي لم يذكره ستيفنز، سبب عدم تغيير إيران وعملائها سياساتهم وعملياتهم على الرغم من الضائقة المالية. يشير مراسل الصحيفة الأمريكية إلى أنَّ “الجماعات الموالية لإيران، غير المُكلِّفة نسبياً، لا تزال ملتزمة أيديولوجياً بجدول أعمال إيران، وتستطيع الترويج له من خلال السياسات المحلية بطرق تكافح الولايات المتحدة لإحباطها.

وبحسب الموقع الأمريكي، كذلك، تمتلك العديد من تلك الجماعات مصادر دخل تمنحها بعض الاستقلالية المالية”. وهذا بالتأكيد صحيح في حالة حزب الله اللبناني، الذي يستفيد أيضاً من أنه يحظى بقبول واسع، باعتباره فصيلاً سياسياً فاعلاً داخل لبنان. يسلط هوبارد الضوءَ على مقدار المقاومة والمعارضة التي واجهها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بشأن هذه النقطة، عندما التقى مؤخراً بكبار المسؤولين اللبنانيين. إذ قال وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، أثناء وقوفه إلى جانب بومبيو في ظهور علني لاحق: “من جهتنا، أكدنا مُجدَّداً أنَّ حزب الله هو حزب لبناني، وليس جماعة إرهابية. ينتخب الشعب اللبناني نوابه بتأييد شعبي كبير”.

ويشير المقال إلى أنَّ اتجاه إيران إلى تقليص حجم عملياتها في سوريا قد يرجع إلى أسباب مالية بدرجة أقل من كونه يتعلق بحقيقة أنَّ حليف إيران، بشار الأسد، قد انتصر في الحرب إلى حدٍّ كبير.  لم تتسبب الأزمة المالية الشديدة في دفع إيران إلى تقليص انخراطها في العراق، لكن بدلاً من ذلك قادتها للسعي إلى بناء علاقات اقتصادية أقوى مع الدولة العراقية المجاورة لها. والجماعات المسلحة العراقية، التي رعتها إيران، “تدفع لها الآن الحكومة العراقية، مما يمنح طهرن نفوذاً وتأثيراً في السياسة العراقية دون أن تُحمّل نفسها تكلفة كبيرة”.

ونقل هوبارد عن مقاتل مجهول ينتمي إلى حزب الله قوله إنَّ الأزمة المالية لن تدفع الأعضاء للتخلّى عن حزب الله. وأضاف: “أنت في حزب الله ليس من أجل المال”. ومن ثمَّ، يُمكن قول شيء مشابه عن إيران في الشرق الأوسط، لا يتشكَّل نشاط إيران في المنطقة بالمال، بل برؤية وتصور طهران لما يصبّ في المصلحة الأمنية لإيران.

وبحسب الموقع الأمريكي، لا ينبغي الاندهاش من أيٍّ من هذه الأمور، إذ يوضح هوبارد أنَّ “التاريخ الحديث يشير إلى أنَّ الضغط المالي على إيران لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص العمليات العسكرية”. وكما خلصت دراسات مستقلة متعددة، ينطبق هذا أيضاً على التاريخ القديم والحديث للنشاط الإيراني بوجهٍ عام في الشرق الأوسط، بما في ذلك النشاط الذي تعترض عليه الولايات المتحدة.

التزام إيراني مستمر بخطة العمل الشاملة المشتركة

ويحاول ستيفينز استخلاص إنجاز آخر مزعوم من حملة الضغط التي تشنها الإدارة الأمريكية، بالإشارة إلى حقيقة أن إيران ما زالت تراعي التزاماتها في خطة العمل الشاملة المشتركة، على الرغم من أن الولايات المتحدة نقضت ما قالت إنها ستلتزم به. في حين أنه اعتراف بأن سلوك إيران ذلك بالالتزام بالاتفاق يعلق بانتظار طهران رحيل ترامب، يقول ستيفينز أيضاً إن الالتزام الإيراني “يشير إلى أن حسابات طهران وصلت لحافة الخوف. ما زال في إمكان الولايات المتحدة إخضاع الجمهورية الإسلامية لقدر كبير من الألم الإضافي إذا اختارت فعل هذا”.

وبحسب الموقع الأمريكي فإن صوتاً معادياً لخطة العمل الشاملة المشتركة، مثل ستيفينز، دعا إلى استمرار وفاء إيران الصارم بالتزاماتها -وهي بنود كان ينتقدها ستيفينز وآخرون لمدة ثلاث سنوات- باعتباره إنجازاً مفترضاً لحملة ضغط الإدارة الأمريكية. ومن ثم النظر بعمق إلى كيف أن التزام إيران بهذه البنود يقوض خطاب خصومها فيما يتعلق بمدى عزمها على الحصول على أسلحة نووية، مع استغلالها لخطة العمل الشاملة المشتركة، كأنها استراحة في الطريق لتنتعش اقتصادياً. إذا كانت هذه هي نية إيران منذ البداية، وبالنظر إلى أن الإيرانيين لا يعيشون انتعاشة اقتصادية الآن، كانت إيران لتتخلى عن الخطة فور انسحاب الولايات المتحدة.

وتابع الموقع الأمريكي، فكّر أيضاً في نوع الدبلوماسية التي يلمح لها اقتراح ستيفينز: الطريقة لجعل دولة أخرى تلتزم ببنود اتفاقية ليس أن نلتزم بها نحن أولاً، لكن ننقضها ثم نهدد بشيء أسوأ. ستكون هذه سمة دبلوماسية غريبة الأطوار، بل أسوأ من ذلك، فهذه الطريقة لن تمكن الولايات المتحدة ولا أي دولة أخرى من إنجاز أعمال كثيرة.

لن تكون “حسابات طهران” على الأغلب أي شيء مما أشار إليه ستيفينز. لقد أعطت إدارة ترامب بأفعالها وخطاباتها السببَ الكافي للقادة الإيرانيين للتفكير في أن الولايات المتحدة تريد أن تعاقب إيران بأقصى قدر ممكن، بغضِّ النظر عما تفعله إيران. أي تردد لدى الإدارة الأمريكية في التوقف عن زيادة العقوبات إلى الحد الأقصى يظهر بصفته ردة فعل، لكن ليس لالتزام إيران بضبط النفس، بل لمخاوف اقتصادية بشأن كيف سيؤثر التخلص مِمَّن يصرون على استيراد البترول الإيراني على سوق النفط العالمي، وفي النهاية على سعر البنزين.

للصبر الإيراني حدود

وبحسب الموقع الأمريكي، فمن المؤكد أن التزام إيران المستمر بالخطة، على الرغم من نكس الولايات المتحدة بالتزامتها يتضمن قراراً إيرانياً بانتظار رحيل ترامب. يعود هذا جزئياً، وليس كلياً، إلى بعض المرشحين الرئاسيين عن الحزب الديمقراطي، مثلما قال ستيفينز حقاً، الذين أعلنوا عن نيتهم العودة للالتزام بالاتفاقية في حال انتخابهم. تتخذ إيران قراراتها بشأن سياستها النووية ضمن سياق أكبر، وفيه ليست إيران، بل الولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة ترامب، هي مجرد عامل واحد في المعادلة. فإيران ليست وحدها، بل إن كل الأطراف غير الأمريكية في الخطة الشاملة المشتركة ملتزمون بحفظ الاتفاقية. وينطبق الحال نفسه على المجتمع الدولي الأكبر، ممثلاً في قرار مجلس الأمن رقم 2231 المتفق عليه بالإجماع.

وقد تستمر إيران في انتظار انتهاء مدة ترامب، على الرغم من أنها لن تحصد ثمار الانفراجة الاقتصادية التي كانت تأمل فيها من هذه الاتفاقية حتى نهاية المدة الرئاسية الأمريكية. وبعدها يستحيل غالباً أن تدع السياسة الداخلية لطهران أي مجال لمزيد من الانتظار. وهنا يأتي دور الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020. أجاب نائب وزير الخارجية السابق ويليام بيرنز عندما سُئِّل عن هذا الموضوع قائلاً: “يخبرني حدسي الآن أن النظام الإيراني ينتظر رحيل إدارة ترامب. لكن إذا انتُخب الرئيس لفترة ثانية، فإنهم سيضربون بهذا الانتظار عرض الحائط”.

إذا حدث هذا فلن يقتصر الضرر الناتج عن حملة الضغط على العواقب التي يتجاهلها ستيفينز، مثل كيف أصبحت الحرب الاقتصادية ضد إيران، حرباً اقتصادية ضد الحلفاء الغربيين، وساهمت في الإضرار بالعلاقات الأمريكية معهم. سيتضمّن الضرر أزمة نووية إيرانية جديدة كان من الممكن تجنّبها كلياً، في حال لم تشرع الإدارة في السير في طريقها المدمر الذي سلكته قبل عام.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top