صندوق ترميم العلاقات.. قصة المشروع الذي يعيد التعاون بين أمريكا ومصر إلى عهده السابق

مرت العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية بمراحل مختلفة من التعاون والتحالف وفي بعض الأوقات الاختلاف، لكن منذ اندلاع الربيع العربي قبل 8 سنوات، باتت العلاقة بين البلدين متوترة في أحيان كثيرة، ورغم ذلك ظهر متغير جديد يحاول بناء العلاقة بينهما من جديد، هو: صندوق المشروعات المصري-الأمريكي.

وقالت The Washington Post الأمريكية إن العلاقات الأمريكية-المصرية أصابتها المرارة والكَدَر طوال العقد الماضي، حتى أصبحت في غالبها قصصاً من الشكوك المتبادلة، بسبب سياسات متقلبة من واشنطن وقمع سياسي متزايد من القاهرة، لكن قصة هذا الصندوق ستعيد الزخم لهذه العلاقات.

وتستدرك الصحيفة الأمريكية قائلةً: لكن بالحديث مع أمل عنان، الخبيرة الاقتصادية المصرية البالغة من العمر 33 عاماً، نتعرف على ما يمكن أن تنجزه علاقة صحية بين البلدين. وتدير “عنان” مكتب القاهرة الخاص بمشروع تنمية مبتكر، لكن لا يلقى الاهتمام الكافي، وتدعمه حكومتا البلدين في صمت، ويُعرَف باسم صندوق المشروعات المصري-الأمريكي.

قصة الصندوق الذي يرمم العلاقات بين القاهرة وواشنطن

ويساعد صندوق الأسهم الخاصة هذا، الذي يستخدم أموالاً يخصصها له الكونغرس الأمريكي، في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي توفر فرص عمل وتخلق طاقة ريادية بالاقتصاد المصري المُحتضِر الخاضع لسيطرة الدولة. وتقول “عنان” إنَّ الصندوق الذي بدأ برأس مال يبلغ 300 مليون دولار أمريكي، بالكاد حقق معدل عائد داخلي نسبته 19% خلال السنوات الأربع الماضية، بحسب الصحيفة الأمريكية.      

وفي ضوء زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المرتقبة لواشنطن في وقت لاحق من الشهر الجاري (أبريل/نيسان 2019)، فالوقت الآن مناسب للتفكير في مشروعات مثل هذه يمكن أن تساعد المدنيين المصريين وليس الجيش ولا النظام الحاكم. وهناك نقص ثقة من الشعب المصري تجاه الولايات المتحدة، إذ نبذت هذه الأخيرة كل فئات المجتمع المصري تقريباً عقب 2011؛ بالتخلي عن الرئيس مبارك المؤيد للغرب، في تلك السنة، ثم تجاهل الانقلاب الذي نظمه السيسي ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2013، ثم تجنب السيسي.

ومنذ نحو 4 عقود مضت، حين وُقِّعَت اتفاقية كامب ديفيد للسلام، كانت العلاقات المصرية-الأمريكية مثل الجوهرة بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، لكن هذه الأيام ولَّت منذ زمن. إلا أنَّ مصر لا تزال مهمة في العالم العربي، ومن المنطقي إذاً الشروع في عملية إصلاح متبادل للعلاقات. ومن هنا، يوضح صندوق المشروعات المشترك كيف يمكن البدء في عملية الإصلاح هذه.

والتقت مراسلة الصحيفة الأمريكية مع “عنان”، الجمعة 29 مارس/آذار 2019، بوسط القاهرة في فندق بالقرب من ميدان التحرير، محور مظاهرات الربيع العربي في 2011 التي أطاحت بمبارك ومكَّنت مرسي وجماعة الإخوان المسلمين من الوصول للحكم، قبل أن ينقلب الوضع ويستولي الجيش المصري، بقيادة وزير الدفاع وقتها الفريق أول السيسي، على الحكم. والآن يقمع النظام الصحفيين وفناني الكوميديا والممثلين، وحتى -مثلما اتضح هذا الأسبوع- المسلسلات التلفزيونية التي تحظى بشعبية كبيرة بين المصريين.

المصريون متحدون على الغضب من أمريكا

وأصبح ميدان التحرير الآن خالياً إلى حد كبير، سواء حسياً أو عاطفياً، حتى القاهرة نفسها تبدو عامرة بالضوضاء لكن دون شيء من البهجة، حيث تبحر القوارب الممتلئة إلى نصفها بالسياح في مياه النيل، ويبدو المصريون متحدَّين رغم كل شيء في استيائهم من الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، لم يعد هناك حالياً اهتمام كبير بالدراسات الأمريكية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حتى إنَّ القسم أصبح يبحث عن مهام أخرى، بحسب الصحيفة الأمريكية.                   

وعلى الجانب الآخر، تمثل “عنان” نقطة تشجيع. إذ تجسد “عنان”، التي تخرجت في جامعة القاهرة وحصلت على ماجستير إدارة الأعمال من كلية هارفارد للأعمال، رأس المال المعرفي المتاح بوفرة في مصر رغم الممارسات القمعية للنظام. وبالمثل تعكس استثمارات الصندوق إبداع الأعمال المشتعل في الخفاء.            

وتقوم استراتيجية الصندوق على إعطاء الزخم لأسواق الأسهم الخاصة التي يمكن أن تمول الشركات الناشئة والمبُتكَرة. ووقع اختيار الصندوق على شركة استثمار مصرية هي Lorax Capital Partners، لتتولى حشد المحفظة المالية له وإدارتها. وكانت الحكومة المصرية متخوفة في البداية من الصندوق، لكن مع الوقت تقبلت المشروع.             

وتعكس المحفظة الاستثمارية للمشروع الفرص المتوافرة في مصر وغيرها مما يُطلق عليها الأسواق شبه الناشئة. وكان أول استثمار للصندوق في شركة تسمى “فوري” للمدفوعات الإلكترونية، ولديها 120 ألف مَنفذ موزعة في أنحاء مصر، ووصلت قيمتها السوقية إلى 4 أضعاف ما كانت عليه حين استثمر الصندوق فيها في 2015، بحسب الصحيفة الأمريكية.

إسهامات الصندوق

وبحسب الصحيفة الأمريكية، كانت محطة الصندوق التالية هي شركة “ثروة كابيتال” للتمويل الاستهلاكي، التي أصدرت مؤخراً أسهماً للطرح العام، وأصبحت قيمتها 3 أضعاف ما كانت عليه سابقاً. ودعم الصندوق أيضاً شركة “أوركيديا”، وهي واحدة من أسرع شركات الأدوية نمواً في مصر.              

وسعياً لاحتضان نمو الأعمال، استثمر الصندوق في شركة “الجبرا فينتشرز”، وهو صندوق محلي لرأس المال المُخاطَر، وكذلك في مسرّعة الأعمال “فلات 6 لابز” التي تساعد رواد الأعمال التكنولوجية في إنشاء شركاتهم. وإلى جانب همزة الوصل هذه التي تدعمها الولايات المتحدة، بدأت شركات أسهم خاصة أيضاً الاستثمار.            

وصندوق المشروعات المصري-الأمريكي هو من بنات أفكار جيمس هارمون، الذي تولى إدارة بنك الصادرات والواردات الأمريكي خلال فترة رئاسة كلينتون ثم أسس صندوق Caravel Fund، الذي يستثمر في الأسواق الناشئة وشبه الناشئة. ويقول هارمون إنَّ الإصلاح السياسي بمصر سيكون مستحيلاً من دون اقتصاد نشط يوفر فرص عمل.

ويرى هارمون أنَّه يجب على إدارة ترامب الاستفادة من نجاح صندوق المشروعات وإنشاء صناديق مشروعات مشابهة في دولٍ أخرى بحاجة إلى النمو والازدهار. وهو فعلاً مُحقٌّ؛ إذ بدأ الكونغرس الأمريكي بالفعل النظر في إنشاء صندوق مشابه بالأردن.

وهناك مرشح بديهي آخر لمثل هذا الاستثمار هو أمريكا اللاتينية، التي تحتاج بشدة إلى أعمال محلية جديدة يمكنها توفير فرص عمل للناس، وتمنعهم من محاولة الهجرة اليائسة إلى الولايات المتحدة عبر الحدود الجنوبية. ويُعتقد أنَّ هذه الفكرة بديهية جداً.

وغالباً ما تركز السياسة الخارجية الأمريكية على منح الدول استشارات سياسية، وهو ما نتج عنه في مصر ودول أخرى عديدة إثارة رد فعل عكسي من السخط الشعبي. في حين أنَّ فكرة صندوق المشروعات تمنحهم بدلاً من ذلك رأس المال اللازم لتأسيس مشروعات. ويوضح كشف الميزانية العامة الذي عرضته “عنان” أنَّ هذه الاستراتيجية الأمريكية قد تنجح فعلاً.             

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top