غوانتانامو تأسس لمواجهة الإرهاب الأمريكي.. فمتى نشأ التطرف وما علاقته بضباط سابقين بالجيش؟


في ليلة 2 سبتمبر/أيلول عام 1871، قام عدد من أعضاء منظمات الكو كلوكس كلان بحبس هنري لوثر، وهو مزارع أسود من ولاية جورجيا، اتهموه بالتخطيط لانتفاضة مسلحة للسود، ومضاجعة نساء بيض، وبعد ليلتين، أخذه 180 من رجال المنظمة من زنزانته، وقيدوه، واقتادوه إلى مستنقع، حيث هددوا بإعدامه أو إخصائه.

مثل هذه الأعمال الوحشية كانت شائعة في الجنوب بعد الحرب الأهلية، ولهذا السبب أنشأ جهاز المخابرات الأمريكية وحدة سرية للتسلل وتدمير منظمة الكلان.

في كتابه محقق الحرية: (الشرطة السرية، والكو كلوكس كلان، والرجل الذي أدار الحرب الأمريكية الأولى على الإرهاب)، يروي المؤلف تشارلز لين، كيف قام هيرام وايتلي، رئيس جهاز الاستخبارات آنذاك، بإدارة عملية مناهضة الإرهاب هذه، وكيف لا تزال منهجيته تؤثر إلى اليوم في الحرب على مجموعات مثل داعش والقاعدة.

وتأسست منظمة الكلان من قبل 6 ضباط سابقين أو محاربين قدامى في الجيش الكونفدرالي وكانت مهمة هذه المنظمة مقاومة إعادة التأسيس ومعارضة تحرير العبيد التي حدثت عقب الحرب الأهلية الأمريكية. ثم سرعان ما طوّرت هذه المنظمة أساليب عمل عنيفة.

من مُطارد عبيد إلى مدافع قوي عن حقوقهم

وقال لين في مقابلة مع موقع The Daily Beast الأمريكي: “لقد فُقد وايتلي بالكامل من التاريخ، ولا ينال التكريم الذي يستحقه على ابتكار تكتيكات لمحاربة هذا الشر غير المسبوق في البلاد”.

لم يكن وايتلي الخيار الأمثل لإدارة برنامج مكلف بحماية المواطنين السود في الجنوب وداعميهم البيض. فقد كان في السابق مُطارِدَ عبيد ورجلَ أعمال ملتويَ الأخلاق، يقول لين في كتابه: “طوال حياته، كانت أمانة هيرام وايتلي متذبذبة”.

ودخل وايتلي في البداية مجال التجسس عندما عرض خدماته على جيش الاتحاد كمصدر للاستخبارات، في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون شمال نيو أورليانز.

بعد الحرب، عاش فترة من الوقت في ماساتشوستس، حيث اتُّهِمَ بالاحتيال الصيدلي، وبيع ويسكي وألماس مغشوشين من متجره (تمكن بطريقة ما من تجنب المسؤولية الجنائية في هذه الاتهامات)، انتقل وايتلي إلى العاصمة للبحث عن عمل حكومي، وسرعان ما حصل على عمل مؤقت كوكيل خاص لوزارة الخزانة. بعد ذلك بعامين، عُيِّنَ رئيساً لجهاز الاستخبارات، الذي أُسس قبل أربع سنوات فقط، وكانت وظيفته في المقام الأول الكشف عن التزوير.

بالتزامن مع عمله بالاستخبارات تأسست منظمة كلان الإرهابية

في الوقت نفسه تقريباً، بدأت منظمة الكلان، التي أُسِّسَت عام 1865 على يد قدامى المحاربين في جيش الكونفدرالية، حملة إرهابية تستهدف السود والمتعاطفين معهم من البيض. بدعم من الرئيس أوليسيس غرانت وحلفائه في الكونغرس، أدرك وايتلي أنه من أجل محاربة منظمة الكلان كان عليه التسلل إليها، وإقناع أعضائها بالانقلاب على بعضهم البعض.

وقال لين لموقع The Daily Beast: “لقد كان رائعاً في تدشين عمليات سرية، وكان موهوباً في الخداع والتمويه، وخلق سياسة الإنكار المقبول”.

فعل وايتلي أكثر من ذلك؛ لقد هيأ الظروف التي تُوِّجَت في نهاية المطاف بسجن غوانتانامو. اعتقل هو ورجاله المشتبه بهم والشهود الماديين، ثم أرسل بعضهم إلى قلعة بولاسكي، على ساحل جورجيا بالقرب من سافانا، حيث كانوا يُستجوَبون. ثم يضع السجناء المعزولين سابقاً في زنزانة معاً، ويستمع إلى أحاديثهم، ويخبرهم بأنه لن يطلق سراحهم حتى يعترفوا. وإذا فعلوا ذلك، فإنه يمكن أن يضمن لهم حياةً جديدة تحت حماية الحكومة، وبالتالي أنشأ أول برنامج لحماية الشهود.

وقال لين: “كان وايتلي سابقاً لعصره في الاعتقاد بأنه إذا كنت تقاتل الإرهابيين، فعليك حملهم على الاعتراف، وأفضل طريقة لدفعهم لذلك هي عزلهم”، وإن “قدراته الغريزية على فهم المشاعر الإنسانية الأساسية مثيرة للإعجاب للغاية، لم يضيع الكثير من الوقت على المفاهيم السامية”.

لم يكن ضد استعمال التعذيب النفسي

هيرام وايتلي، رئيس جهاز الاستخبارات الأسبق

في الواقع، لم يكن وايتلي ضد استعمال الأشكال المبكرة للتعذيب النفسي. في حالة رجلين سود كانا شاهدي ادعاء مترددين، هدد وايتلي بإطلاق النار على أحدهما بمدفع، وأجبر الآخر على دخول “صندوق العرق” لأكثر من 24 ساعة. وقال وايتلي نفسه: “في المناطق التي تكون فيها الجماهير غير متعاونة، حيث تخضع الشرطة المحلية للتعصبات الشعبية وينظر إلى كل شخص غريب بريبة، تصبح جميع طرق التحريات الروتينية عديمة الفائدة، ويجب أن تحل محلها طرق وإجراءات مبتكرة جديدة تماماً”.

ليس هناك شك في أن “الإجراءات المبتكرة” لوايتلي كان لها تأثير. فبحلول أواخر عام 1871، توقفت أعمال عنف الكلان في ولايتي ألاباما وكارولينا، وهي المناطق الرئيسية في عمليات الاستخبارات، وأُلقِيَ القبض على الآلاف من أعضاء منظمة الكلان وحُوكِموا.

لكن عام 1872، كان عام الانتخابات، واحتاج فيه الرئيس غرانت إلى الأصوات الجنوبية لضمان إعادة انتخابه، شعر الرئيس وإدارته بأن حملة وايتلي كانت ببساطة إجراءً طارئاً أوقف العنف، ويمكن تقليصها. وهو ما اختلف معه وايتلي بشدة.

وقال لين إنه بعد إعادة انتخاب غرانت (وفوزه بأصوات ثمانية من أصل 11 ولاية كونفدرالية سابقة): “كانت إحدى السمات الرئيسية لولاية غرانت الثانية هي لقد أجبرنا هؤلاء الرجال على التراجع، والآن يمكننا التعامل معهم بالعفو والغفران”، مضيفاً أن “وايتلي كان أحد القلائل الذين لم يصدقوا أنه يمكن استمالة هؤلاء الناس بتنازلات، ولأنه كان مطلعاً بدقة من تقارير عملائه، فقد كان يعرف بشكل أفضل (من غرانت ومستشاريه) ما كانوا يتعاملون معه. شعر بأنه يتعين علينا أن نحطم هؤلاء الناس، ونسحقهم”.

تم العفو عن أعضاء الكلان لكن عادوا واستأنفوا العنف

لكن في نهاية المطاف تم العفو عن العديد من أعضاء الكلان، أو قضوا فترات عقوبتهم ثم عادوا لاستئناف العنف، كما تنبأ وايتلي. لكن في تلك المرحلة استقال وايتلي من رئاسة الاستخبارات، بعد فضيحة لا يمكن تجاوزها خلال محاولة اختراق خزنة مؤمنة عام 1874 بهدف تشويه خصم سياسي. انتقل بعدها إلى إمبوريا في ولاية كانساس، حيث أصبح مالك فندق ناجحاً، وتوفي منسياً عام 1919.

عاش وايتلي في زمن مختلف، والعديد من أساليبه ستكون مكروهة اليوم. يقول لين: “كل الأفعال التي تنطوي على جمع الأدلة دون إجراءات قانونية ستكون مستحيلة”، ويضيف: “إلى درجة أن أي أدلة مادية جمعها عملاء وايتلي دون تصريح قضائي، سيتم تجاهلها، وسيؤثر تحذير ميراندا على سير العمل”.

لكن قلعة بولاسكي قادت بالتأكيد إلى غوانتانامو، ومفهوم أنه ليس عليك بالضرورة اتباع نص القانون عند استجواب الإرهابيين (الإيهام بالغرق، أي شخص؟). لكن كما يقول لين: “حتى لو كنت ضد الكلان، يمكن أن يكون لديك تشككات ضد استخدام أساليب غير قانونية لتدميرها. لكن لا يمكن أن يكون لديك دولة قومية قوية دون امتلاك هذه القدرة”.

وأضاف لين: “إذا كنت تواجه تهديداً إرهابياً، سواء أكان محلياً أو أجنبياً، فيجب أن تكون لديك قدرات غير معلنة لمحاربته، ويجب أن تنظم بشكل قانوني. وكانت مواجهة الكلان هي المرة الأولى التي تضطر فيها الولايات المتحدة إلى التعامل مع ذلك”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top