جدال قديم ومستمر.. ما سبب الاختلاف في أمريكا على طريقة انتخاب الرئيس؟

نظام انتخاب رئيس الولايات المتحدة هو الأطول والأعقد والأعلى تكلفة في العالم. فبعد عقد مناظرات، ومؤتمرات حزبية، وانتخابات تمهيدية واجتماعات، لا يزال من الممكن أن يخسر الشخص الذي حصد أكبر عدد من الأصوات مثلما حدث مؤخراً عام 2016، عندما فاز الجمهوري دونالد ترامب بالبيت الأبيض.

ترامب بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016/ رويترز

تقول صحيفة The Washington Post الأمريكية، إنه نظام يثير حيرة غير الأمريكيين وبعض الأمريكيين أيضاً، ويدور الحديث مجدداً حول تغييره. إذ دعا العديد من المنافسين الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية ومن بينهم السيناتورة إليزابيث وارن إلى السماح للناخبين باختيار زعيمهم مباشرة.

1- ألا يفعل الناخبون ذلك بالفعل؟

ليس بالضبط. من الناحية الرسمية، يجري اختيار الرئيس عن طريق آلية غريبة تسمى “المجمع الانتخابي”، وابتكرها مؤسسو البلاد. عندما يصوت الناس لمرشح رئاسي، فإنهم يصوتون فعلياً على قائمة من “المندوبين” الذين تعهّدوا بدعم ذلك المرشح.

2- ما آلية عمل المجمع الانتخابي؟

تختار كل ولاية عدداً من المندوبين يماثل عدد ممثليها في الكونغرس -يتراوح عددهم بين 3 و55 مندوباً، حسب عدد سكان كل ولاية. وبعد أسابيع قليلة من بدء الانتخابات الرئاسية، يجتمع المندوبون في عواصم ولاياتهم للإدلاء بأصواتهم. ويعني هذا بصفة عامة أن يصدّقوا مباشرة على نتيجة التصويت الشعبي في ولاياتهم. (وفي حالات نادرة فقط ينفصل المندوب أو المندوبة عن الحزب).

ولما كان العدد الإجمالي للمندوبين يبلغ 538، فإن المرشح الذي يحصد أغلبية أصوات المندوبين بفارق بسيط، أو 270 صوتاً، يفوز بالرئاسة. (في حالة فوز أكثر من مرشحين اثنين بأصوات المندوبين، وعدم حصول أي مرشح على 270 صوتاً، فستبدأ عملية مختلفة. ولم يحدث ذلك منذ فترة طويلة).

3- لماذا تستخدم الولايات المتحدة هذه الطريقة؟

اختلف واضعو الدستور حول طريقة انتخاب الرؤساء. إذ أراد بعض المندوبين في المؤتمر الدستوري أن يتولى الكونغرس مسؤولية ذلك. فيما قال آخرون إن على مشرعي الولايات أو حكامها الاختيار. عندما دعا جيمس ويلسون من ولاية بنسلفانيا إلى انتخاب الرئيس عن طريق الشعب مباشرة، رأى المندوبون الآخرون أن هذا الاقتراح “غير واقعي ولا يستحق النظر فيه”، وفقاً لمركز الدستور الوطني. واقترح ويلسون فكرة المجمع الانتخابي كحل وسط. وأيد ألكساندر هاملتون هذا النظام في خطاب صدر عام 1788، وقال إنه يضمن أن الرؤساء الأمريكيين سيكونون “شخصيات متميزة تتمتع بالكفاءة والفضيلة” لا مجرد براعة في “فنون اكتساب الشعبية التافهة”.

4- من المستفيد من هذه العملية؟

يزيد هذا النظام الانتخابي بالضرورة من أهمية الولايات الصغيرة لأنه يضمن ألا يقل عدد المندوبين في كل ولاية -حتى ولاية وايومنغ قليلة الكثافة السكانية، بالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا- عن ثلاثة. في أوائل القرن التاسع عشر، تبنت ولاية تلو الأخرى نهجاً يقول: “إن من يحصل على أغلبية أصوات الناخبين في إحدى الولايات، يحصل على جميع أصوات أعضاء المجمع الانتخابي الممثلين لهذه الولاية”، في محاولة لزيادة نفوذها. (واليوم، تطبق جميع الولايات هذا النظام باستثناء ولايتي نبراسكا وماين).

والنتيجة هي أنه في أي انتخابات رئاسية عامة، لا تمثل سوى نحو 10 ولايات من الولايات الخمسين أهمية كبيرة -هي الولايات “المتأرجحة” أو “التي يحتدم فيها الصراع”، والتي تحظى باهتمام كبير من المرشحين. ومن جهة أخرى، يتجاهل أغلب المرشحين الولايات المكتظة بالسكان، مثل كاليفورنيا ذات الأغلبية الديمقراطية أو تكساس ذات الأغلبية الجمهورية.

5- كيف يمكن لمن حصد أكبر عددٍ من الأصوات ألا يضمن الفوز؟

تأمل ما حدث في عام 2016. حصد ترامب أغلبية الأصوات أعضاء المجمع الانتخابي بمقدار 304 أصوات ويرجع ذلك جزئياً إلى فوزه على الديمقراطية هيلاري كلينتون في ولاية فلوريدا، وهي ساحة معركة تقليدية، وفي ولايات ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن، وهي ولايات اتسمت بميلها للديمقراطيين في الماضي.

وبفضل هذا النظام الانتخابي، حصل ترامب على جميع أصوات المجمع الانتخابي البالغ عددها 75 صوتاً في تلك الولايات الأربع. وفي المجمل، فاز ترامب بأصوات 30 ولاية مقابل 20 ولاية فازت بأصواتها هيلاري كلينتون. لكن هيلاري جمعت أكبر عدد من الأصوات الشعبية، وسجلت انتصارات بفوارق ضخمة في الولايات الديمقراطية المكتظة بالسكان، وهي كاليفورنيا ونيويورك وإلينوي، حيث لم تلقَ مقاومة تذكر من ترامب.

6- كم مرة لم يُنتخب فيها الفائز بالتصويت الشعبي؟

قبل عام 2016، حدث ذلك أربع مرات -في أعوام 1824 و1876 و1888 و2000، عندما فاز الجمهوري جورج بوش الابن على الديمقراطي آل غور بعد عملية إعادة فرز الأصوات التي استغرقت أسابيع. وبعد نتيجة عام 2000، مثلما حدث الآن، كان هناك اهتماماً متزايداً (بين الديمقراطيين الذين خسروا بصفة عامة) بتغيير النظام بحيث يكون التصويت الشعبي حاسماً. لكن العديد من الولايات، لا سيما الصغيرة منها، غير مستعدة للتغيير، معللة ذلك بإمكانية خسارتها نفوذها.

7- ما مدى قرب الولايات المتحدة من تغيير النظام؟

اعتمد مجلس النواب عام 1969 تعديلاً دستورياً لإلغاء “المجمع الانتخابي” لصالح إجراء انتخابات شعبية مباشرة. لكن المبادرة ماتت في مجلس الشيوخ. وجاء هذا التصويت بعد عام من الانتخابات الرئاسية التي هدد فيها جورج والاس المؤيد لسياسة العزل العنصري، والذي كان مرشحاً عن أحد الأحزاب الفرعية الجمهوري ريتشارد نيكسون، الفائز النهائي، والديمقراطي هوبرت همفري بألا يصلا إلى الـ270 صوتاً اللازمة للفوز. ونظر مجلس الشيوخ في التعديل مرة أخرى عام 1979، بعد ثلاث سنوات من هزيمة الديمقراطي جيمي كارتر المحدودة للجمهوري جيرالد فورد. وكانت نتيجة التصويت التي بلغت 51 صوتاً مقابل 48 أقل بكثير من أغلبية الثلثين اللازمة للموافقة على التعديل الدستوري.

8- من يحاول تغييره الآن؟

إليزابيث وارن، واحدة من بين العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الذين اقترحوا تعديل الدستور للتخلص من نظام المجمع الانتخابي. ورفعت إحدى المؤسسات غير الربحية والتي أسسها لورانس ليسيج، وهو أستاذ بكلية الحقوق بجامعة هارفارد، دعاوى قضائية في عدة ولايات تسعى لتقسيم أصوات المجمع الانتخابي وفقاً لحصة التصويت الشعبي، بدلاً من النظام المعمول به حالياً.

وسنّت 14 ولاية ذات أغلبية ديمقراطية ومقاطعة كولومبيا قوانين لتجميع أصوات المجمع الانتخابي لتلك الولايات والبالغ عددها 189 صوتاً ومنحها للفائز بتصويت المواطنين (حتى لو لم يفز المرشح في تلك الولايات). وسيسري مفعول الاتفاقية فور انضمام الولايات التي يبلغ مجموع أصواتها في المجمع الانتخابي 270 صوتاً. ويقول معارضون إنه “احتيال غير دستوري على نظام المجمع الانتخابي”.

9- ما رأي ترامب في كل ذلك؟

وصف ترامب ذات مرة نظام المجمع الانتخابي بأنه “كارثة على الديمقراطية”. والآن يقول إنه “أفضل بكثير للولايات المتحدة” لأنه يجعل المرشحين “يذهبون إلى العديد من الولايات ليحققوا الفوز” ويمنع المدن الكبرى من “إدارة البلاد”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top